كتب «براين كاتز» الباحث ببرنامج الأمن الدولي في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية مقالًا في مجلة «ذي أتلانتك» الأمريكية الشهرية، حول ما يمكن أن تتعلمه الولايات المتحدة من الحروب الإيرانية في المنطقة، والتي تقوم على بناء تحالفات قوية بين أطراف مترابطة من الناحية الأيديولوجية ومتكاتفة عسكريًا، وتلتزم بمساعدة بعضها البعض، على عكس الولايات المتحدة التي تقوم إستراتيجيتها في المنطقة على أهداف تكتيكية وقصيرة المدى. 

في يوليو (تموز) 2006 في الضاحية الجنوبية، كان قاسم سليماني يواجه الموت. في مقابلة نادرة نُشرت في وقت سابق من الشهر الجاري، كشف القائد الغامض لقوات فيلق القدس، التابع للحرس الثوري الإيراني، لأول مرة أنه كان موجودا في لبنان خلال الحرب التي استمرت 33 يومًا بين إسرائيل وحزب الله لتوجيه الدعم الإيراني لحزب الله الشيعي الذي ظل وكيلًا على مدى عقود قبل أن يتحول إلى حليف لإيران.

وروى سليماني عن قصة نجاة مروعة من حشد من الطائرات الإسرائيلية بدون طيار، الذي كان يستهدفه هو وزعيم حزب الله حسن نصر الله. مع تكثيف الحملة الإسرائيلية، قام سليماني برحلات مكوكية بين لبنان وإيران لنقل آخر التطورات الميدانية إلى طهران وحشد الدعم للحزب اللبناني. 

وردًا على سؤال حول ما إذا كان أي شخص في طهران قد شكك في التزام إيران تجاه حزب الله تحت طائلة المخاطرة بشن حرب مباشرة مع إسرائيل، لاسيما إذا قُتل قائد فيلق القدس، قال سليماني «لم يتردد أحد»، بدءًا من المرشد الأعلى للثورة.

«فورين بوليسي»: تعرف إلى الجنرال الإيراني الذي ضمن للأسد بقاءه

التباين في دعم الحلفاء بين أمريكا وإيران

ويستطرد براين كاتز قائلًا: «قارن بين هذا المشهد في بيروت بما يحدث اليوم في شمال شرق سوريا. هناك، تخلت الولايات المتحدة بتوجيه من الرئيس دونالد ترامب، عن شريكها المحلي، «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)»، في وقت الحاجة. ومثلما فعل «حزب الله» بالنسبة لإيران ضد إسرائيل، شنت قوات سوريا الديمقراطية الجانب الأكبر من الحرب البرية الأمريكية ضد عدوها: «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)».

بتأكيد أمريكا، تخلوا عن التحصينات الحدودية التي كانت تحميهم من الأتراك. ثم فقدوا الحماية الأمريكية تمامًا. وهم يواجهون الآن عمليات عسكرية تركية أسفرت عن مقتل المئات حتى الآن ونزوح عشرات الآلاف، ومنحهم فرصة جديدة للتفوق الإقليمي لخصوم الولايات المتحدة، روسيا وإيران والنظام السوري وتنظيم (داعش).

نتائج التخلي عن «قسد»

وتابع الكاتب «بمهارة وقوة صقلوها في القتال ضد (داعش)، يمكن لقوات سوريا الديمقراطية أن تختار الاستمرار في القتال، ليشعلوا حربًا دموية أخرى مطولة في سوريا. أو يمكن أن تواصل قوات سوريا الديمقراطية عقد صفقات مع دمشق، وتسليم الأراضي التي احتلتها من (داعش) مع التحالف الأمريكي لنظام الأسد ومؤيديه من الروس والإيرانيين. بمعنى آخر، ستكون الولايات المتحدة، بالنظر إلى ما حدث في الماضي، قد قامت بدور قوة تطهير لصالح الأسد ضد (داعش)».

وأضاف الكاتب أنه «بعد مليارات الدولارات التي تم إنفاقها لتسليح وتمكين قوات سوريا الديمقراطية من هزيمة (داعش) والحفاظ على النصر عليها، يبدو أن الولايات المتحدة، بعد مكالمة هاتفية واحدة من الرئيس التركي إردوغان، ألقت بكل ذلك خلف ظهرها. مع انسحاب أمريكا، فإن الدولة التي عادت للظهور بالفعل كتمرد ريفي سوف تستعيد قوتها لتضخيم صفوفها بالآلاف من سجناء داعش الذين عركهم القتال والذين يتحررون الآن من أسر قوات سوريا الديمقراطية».

إيران تبني علاقات استراتيجية طويلة المدى

«كداعمين للأنظمة القمعية، ومشعلي الحروب، ومضطهدين لشعبهم، فإن حوالي 99٪ مما تفعله قوة القدس الإيرانية، يجب على الولايات المتحدة ألا تحاكيه أبدًا»، كما يقول الكاتب الذي يستدرك بقوله: «لكن النهج الإيراني في الحرب بالوكالة، وكيف ينمون شراكات ملزمة مع الجهات الفاعلة المحلية يوفر دروسًا يمكن للولايات المتحدة أن تتعلم منها». 

ويتابع الكاتب «استخلصت هذه الدروس من تجربتي بصفتي أحد صناع السياسة الأمريكية، حيث كنت أقدم المشورة للحملة المناهضة لـ(داعش) أثناء خدمتي في البنتاجون، وكمحلل قمت بتغطية إيران وحلفائها في وكالة المخابرات المركزية. من الواضح أن تركيز إيران على بناء علاقات إستراتيجية طويلة الأمد يتناقض تناقضًا صارخًا مع نهجنا في التعامل، حيث يتم التخلي عن الشركاء عند تحقيق المهمة الفورية أو عند تغير الرياح السياسية في واشنطن».

ما الذي يشترك فيه الأمريكيون والإيرانيون وفيما يفترقون؟

ويرى الكاتب أن «الأمريكيين يشتركون مع الإيرانيين في الواقع في بعض المواقف المشابهة فيما يتعلق بالحرب بالوكالة لأن تكاليف التدخل العسكري المباشر من الدم والمال تعد باهظة للغاية. فبدلًا عن إرسال أعداد كبيرة من قواتهما إلى حروب برية منهكة، تتبنى كل من إيران والولايات المتحدة إستراتيجيات للعمل (عن طريق، ومع، ومن خلال) شركاء محليين. يقوم كلاهما بنشر أعداد صغيرة من قوات العمليات الخاصة لتدريب هؤلاء الشركاء وتقديم المشورة لهم، كما تستخدمان قدراتهما العسكرية والتكنولوجية لتوفير «عوامل التمكين الرئيسة، مثل الاستخبارات والغارات الجوية والدعم اللوجستي لدفع عمليات وكيلهما». 

ولكن هنا ينتهي التشابه، من خلال طريقتين رئيسيتين يوضحهما الكاتب:

أولا، يتعلق الأمر بالسبب وراء تدخل إيران والولايات المتحدة في المقام الأول. فطهران تهدف إلى استغلال الفوضى والاضطرابات لبناء نفوذ طويل الأجل. بعد تلبية الاحتياجات الأمنية الملحة في ساحة المعركة، تحول إيران تركيزها إلى بناء وكلائها لكي يصبحوا جهات فاعلة سياسية وعسكرية محلية قوية من أجل الفائدة الإستراتيجية الصلبة.

وبعد استثمارات أولية صغيرة، أصبح حزب الله الآن فصيلًا قويًا في الحكومة اللبنانية وقوة عسكرية إقليمية في حد ذاته، ويوفر «دفاعًا أماميًا» لإيران ضد إسرائيل. وتوفر ميليشيات الحشد الشعبي الشيعية في العراق لإيران مقاتلين ملتزمين وحلفاء سياسيين على حدودها، ويقوم النظام السوري بدور الركيزة الأساسية في شرق المتوسط لربط طهران ببيروت، ويسمح الحوثيون لطهران بإلحاق الألم بالسعودية مقابل تكلفة منخفضة نسبيًا، والتي على النقيض من ذلك أنفقت مليارات الدولارات على الحرب في اليمن.

ليس هناك رؤية سياسية أمريكية ثابتة تجاه سوريا

ويتابع الكاتب فيما يتعلق بنمطي تدخل أمريكا وإيران في المنطقة بوقله «أما التدخل الأمريكي، من ناحية أخرى، فيميل إلى تكون دوافعه أهداف عسكرية أو أهداف مكافحة إرهاب منفصلة، سواء كان ذلك في سوريا أو ليبيا أو اليمن أو الصومال. وفي حين تقوم القوات الأمريكية بتدريب الشركاء المحليين على كيفية تأمين مناطقهم وحكمها، إلا أن المهمة تأتي في المرتبة الثانية بعد العملية القتالية المباشرة.

كان هذا واضحًا جدًا فيما يتعلق بقوات سوريا الديمقراطية، حيث لم تكن هناك رؤية سياسية أو سياسة أمريكية موسعة خاصة بسوريا توجه الشراكة. الاستثمار في المقام الأول عسكري وقصير الأجل، مع عدم وجود إستراتيجية، أو خطة دبلوماسية، وأمنية إقليمية تهدف الحملة إلى الارتباط بها. وبمجرد إنجاز المهمة يجرى تقليص القوات الأمريكية أو انسحابها؛ مما يترك وكيلهم دون طريق سياسي واضح للمضي قدمًا في الدولة المضيفة.

يجد القادة الأكراد في قوات سوريا الديمقراطية أنفسهم الآن في وضع محفوف بالمخاطر لعدم وجود راعي قوي، داخلي أو خارجي بالنسبة لسوريا، يدعم هدفهم المتمثل في إقامة دولة كردية شبه مستقلة أو حتى دور مستقبلي في حكومة دمشق».

الأطراف التي تختار الولايات المتحدة تمكينها

«ثانيًا، تتمتع إيران باختيار طبيعي لشراكاتها: مجموعة من الشركاء والوكلاء الشيعة الذين جرى تنميتهم على مدار عقود في الشرق الأوسط. لا تشترك هذه الجماعات في أيديولوجية الشيعة الخاصة بالنظام الإيراني فحسب، بل تشترك أيضًا في الهوية المشتركة كأعضاء في «محور المقاومة» لإسرائيل والولايات المتحدة والسعودية. يجرى تعميق هذا التقارب الإيديولوجي من خلال مرجل الحروب المتعددة، بينما تغرس الرواية الموحدة في الأذهان، الدافع والولاء للأهداف الإيرانية»، وفقًا لما يورده الكاتب.

ويتابع الكاتب: لأن الولايات المتحدة تفتقر إلى مثل هذا القرب الجغرافي والروابط التاريخية، فإنها تختار الشركاء بناء على قدرتهم وإرادتهم لخوض القتال في الوقت الحالي. المشكلة هي أن هذين الأمرين يمكن أن يتحولا أو يضعفا بمرور الوقت. 

وعلى الرغم من أن الميليشيات قد تطهر الأراضي التي يسيطر عليها الإرهابيون ببراعة كبيرة للغاية، إلا أنها قد تكون غير مناسبة للاحتفاظ بها والدفاع عنها والقيام بمهام الشرطة فيها وحكمها، خاصة عندما لا تكون هذه الميليشيات من تلك المنطقة. فيما يشارك في الدافع الفوري لقتال عدو مشترك، قد يكون للوكيل أعداء آخرون سيوجه إليهم أسلحته واهتمامه في نهاية المطاف، وهو أمر قد لا يتماشى بالضرورة مع أهداف الولايات المتحدة. 

هذا هو الحال مع قوات سوريا الديمقراطية. لقد كانوا ملتزمين بالقتال ضد (داعش)، لكن الزعماء الأكراد في قوات سوريا الديمقراطية استخدموا الحملة لتوسيع الدويلة الكردية الصاعدة «روخافا»؛ مما أثار غضب تركيا، وهي حليف في الناتو. ومنذ بداية الشراكة بين الولايات المتحدة وقوات سوريا الديمقراطية، تم فهم الاختلاف الجوهري في الأهداف النهائية، ولكن تم تنحيته جانبًا، باسم الملاءمة العملياتية. وبينما تدخل قوات سوريا الديمقراطية وتركيا الحرب، يعد هذا الصدع مكشوفًا بوضوح.  

إيران حزب الله

المحور والحلفاء

ويمضي الكاتب إلى القول إن إيران حولت، ببطء ولكن بثبات، «محور المقاومة» مع حزب الله والنظام السوري إلى تحالف إقليمي يمتد من العراق إلى اليمن. ولأنها لم تعد مجرد وكلاء لإيران، تشكل الجماعات مثل حزب الله والحوثيين وقوات الحشد الشعبي العراقية الآن مجموعة من الجهات الفاعلة السياسية-العسكرية المرتبطة إيديولوجيا والمتكاتفة عسكريًا والملتزمة بالدفاع المتبادل عن بعضهم البعض، أي «ناتو المقاومة»، إذا جاز التعبير، مع موطئ قدم عسكري عبر المنطقة والنفوذ السياسي في العواصم العربية الرئيسة وشبكة من الشركاء المتفانين. 

في الواقع، يعد عائد إيران من الاستثمار مرتفعا. يمكن لطهران الآن أن تردع خصومها بشكل أفضل، وأن تقاتلهم عندما يتناسب ذلك مع أهدافها وتوجه السياسات والأحداث بشكل عام في المنطقة لصالحها.  

على سبيل المثال سارع وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف إلى إعلان أن الولايات المتحدة «محتل غير ذي صلة في سوريا، وأنه من غير المجدي السعي للحصول إذنها أو الاعتماد عليها من أجل الأمن»، وعرض بسخاء «عقد اجتماع يضم الأكراد السوريين والحكومة السورية وتركيا حتى يتمكن الجيش السوري مع تركيا من حراسة الحدود». 

ما الخطأ الذي يمكن أن يحدث؟ بينما يعمل ظريف على تهدئة الصحافة وأعضاء السلك الدبلوماسي، فإن زميله في قوة القدس، سليماني، سيواصل اللعبة على الأرض، مستفيدًا من المناطق الجديدة التي يكسبها النظام من الأكراد لتوسيع طريق الأسلحة إلى سوريا ولبنان.

ويمضي الكاتب مستعرضًا نقاط الضعف الأمريكية إزاء إيران «لقد رأينا هذا أيضًا في تداعيات فرض الولايات المتحدة للعقوبات على طهران وحملة «الضغط الأقصى» للإدارة الأمريكية، فقد ردت إيران، على الرغم من بعض عمليات النفي المبطنة، بشن هجمات ضد الناقلات، وإسقاط طائرة أمريكية بدون طيار، وتدبير هجوم متطور ضد منشآت النفط السعودية، واثقة من أن الولايات المتحدة لن ترد بسبب نفور الرئيس الأمريكي من الحملات العسكرية». 

في الواقع، ألغى ترامب ضربة في اللحظة الأخيرة، وكان الرد على هجوم «أرامكو» السعودية خطة أمنية بحرية فاترة إلى حد ما ونشر محتمل لآلاف من القوات الأمريكية التي تتمثل مهمتها الرئيسة في ردع المزيد من الإجراءات من إيران وطمأنة القادة السعوديين، وليس مواجهتهم مباشرة. يأتي هذا بينما يوفر «محور المقاومة» الإيراني خيارات متعددة للضغط والانتقام.

سلبيات النهج الأمريكي وحسناته

بالنسبة للولايات المتحدة، فإن النهج قصير الأجل، المتمحور حول المهمة ونهج المعاملات تجاه الحرب بالوكالة، له فوائده وربما يتماشى مع نفور الرأي العام الأمريكي من «التعثر» في «حروب دائمة». ولكن التركيز الدائم على الأهداف العسكرية على حساب إستراتيجية سياسية والقدرة على البقاء المستقبلي للوكلاء على المدى الطويل يعني أن الانتصارات في ساحة المعركة يمكن أن تكون باهظة الثمن أو التحول إلى العكس. لا يوجد مكان أكثر وضوحًا لهذا مما هو عليه في شمال شرق سوريا، حيث ستدفع الحرب التركية الكردية المستمرة إلى عودة (داعش).

وفي النهاية يرى كاتز أنه «بقدر ما يعد الأمر مؤلمًا، يجب على الولايات المتحدة أن تتعلم من إيران. سيظل تحقيق كل من النصر على المدى القصير والأمن على المدى الطويل تحديًا صعبًا إن لم يكن غير قابل للتغلب عليه دون تحمل دعم عسكري ودبلوماسي للشركاء المحليين، وهو نوع الدعم الذي تقدمه إيران لحزب الله. لا يمكن للولايات المتحدة أن تأمل في القيام بذلك إلا طريق تحويل تركيز شراكاتنا من الفورية والتكتيكية إلى الاستراتيجية والدائمة، إن لم يكن في سوريا الآن، فليكن هناك أو في ساحة معركة أخرى في المستقبل».

ذيلت المجلة المقال السابق بتعليق قالت فيه: «جميع بيانات الحقائق أو الرأي أو التحليل التي تم التعبير عنها خاصة بالمؤلف ولا تعكس المواقف أو وجهات النظر الرسمية لوكالة الاستخبارات المركزية أو أي وكالة حكومية أمريكية أخرى. لا ينبغي تفسير أي شيء في المحتويات على أنه تأكيد أو مصادقة ضمنية من قبل الحكومة الأمريكية على المعلومات أو تأييد وكالة المخابرات المركزية لآراء المؤلف. تمت مراجعة هذه المادة من قبل وكالة المخابرات المركزية لمنع الكشف عن المعلومات السرية».

«سرايا الخرساني».. ماذا تعرف عن مليشيا إيران التي قتلت المتظاهرين في العراق؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد