في تقرير لموقع «بيج ثينك»، تحدث الكاتب بول رينتر عن تاريخ «جهاز المخابرات السوفيتي (كي جي بي)»، والذي يعرف بلجنة أمن الدولة السوفيتية، وهو الجهاز الأمني الرئيس للاتحاد السوفيتي من عام 1954 حتى عام 1991، على الرغم من استبدال به الآن «مديرية المخابرات الرئيسة (جي آر يو)»، إلا إن تأثير «كي جي بي» لا يزال مستمرًا؛ ربما لأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كان عميلًا في (كي جي بي) لمدة 16 عامًا.

أوضح رينتر أن (كي جي بي) كان مسئولًا عن الأمن الداخلي والمخابرات لإسقاط القومية والمعارضة، وحراسة حدود الاتحاد السوفيتي، وحماية قادة الحزب الشيوعي والحكومة. شارك (كي جي بي) كذلك في جمع المعلومات المخابراتية الأجنبية، وإجراء التحقيقات، ومكافحة التجسس وأنشطة أجهزة المخابرات الأجنبية. على الرغم من دوره في الحياة المدنية، كان «كي جي بي» يعتبر خدمة عسكرية تحكمها قوانين عسكرية.

وقد كانت الجاسوسية أحد أهم الأساليب التي استخدمها «كي جي بي» مع الدول التي استهدفها، وكانوا بارعين في اختلاق هويات لجواسيسهم يصعب اكتشافها، كما وضعوا عملاءهم في السفارات والقنصليات السوفيتية ليحصلوا على حصانة دبلوماسية. شارك هؤلاء الجواسيس في جمع معلومات سياسية واقتصادية وعسكرية، إلى جانب زرع معلومات مضللة.

مسالخ التعذيب.. إليك أكثر 5 أجهزة مخابرات رعبًا في التاريخ الحديث

تدابير قاتلة

ورد في تقرير «وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي إيه)» عن عمليات الاختطاف والقتل السوفيتية أن (كي جي بي)» لجأ إلى «الاختطاف والقتل لمواجهة ما يعتبره تهديدات فعلية أو محتملة للنظام السوفيتي». تم استخدام هذه الأساليب، والتي عرفت بـ«عمل تنفيذي» داخل (كي جي بي)، داخل الاتحاد السوفيتي وخارجه، ضد مواطنين سوفيت وأجانب، ومن أبرز هؤلاء ليون تروتسكي، والذي يُعد أحد مؤسسي الاتحاد السوفيتي، والذي اغتاله (كي جي بي)، بحسب ما جاء في تقرير (سي آي إيه).

ليون تروتسكي إلى جانب فلاديمير لينين وليف كامينيف

وقد أشارت (سي آي إيه) كذلك إلى براعة (كي جي بي) كذلك في إخفاء آثار عملياته والتمويه عليها، وأوضح أنه تم تسجيل بعض الاغتيالات بأنها حوادث أو وفيات طبيعية أو حالات انتحار. في كثير من الحالات، استخدم «كي جي بي» سمًا صعب الاكتشاف، ويعد تسميم المنشق نيكولاي خوخلوف أحد أشهر الحالات. عانى خوخلوف من مرض شديد مفاجئ أثناء اجتماع مناهض للشيوعية في فرانكفورت بألمانيا في سبتمبر (أيلول) عام 1957، وقد واجه الأطباء صعوبة في اكتشاف السبب؛ حتى عثروا على دليل على تسميمه عن طريق مشتق من الثاليوم.

لم تكن (سي آي إيه) لتعلم أبدًا بالأسباب الحقيقية للعديد من الحوادث ما لم يهرب إليها بعض المنشقّين. على سبيل المثال، انشق بوجدان ستاشينسكي من الاتحاد السوفيتي عام 1961 متجهًا إلى الغرب، واعترف بتنفيذه عمليتيّ اغتيال لصالح (كي جي بي)، بما فيهما الكاتب الأوكراني ليف ريبيت في ميونيخ.

أشارت التقارير إلى أن التدريب على مثل هذه «الإجراءات التنفيذية» قد أُجرِيَ في قاعدة عسكرية في موسكو من قِبل متخصصين، وتضمن ذلك التدريب على الأسلحة الخفيفة، والجوجوتسو (فنون قتالية)، وأجهزة اللاسلكي، والتشفير، والمراقبة، والقيادة، والتصوير.

الجاسوسية والعملاء المزدوجين

أشار الكاتب إلى استخدام (كي جي بي) أساليب متنوعة للتجسس، فقد استخدموا أسماء سرية، وقاموا بسرقة المستندات وتصويرها، واستخدموا أساليب خاصة لتبادل الرسائل، وجنّدوا الأجانب مثل جون أنتوني ووكر القائد السابق بالبحرية الأمريكية، وروبرت هانسن عميل «مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي)».

ثوار يحملون علم تشيكوسلوفاكيا إلى جانب دبابة سوفيتية تحترق

إضافة إلى ذلك، كان عملاء (كي جي بي) يتسللون داخل المجموعات المستهدفة لنشر الخلافات، والمعلومات المضلِلة، والتأثير على سياساتهم. من الأمثلة على حملات التضليل، والتي عُرفت بـ«الإجراءات النشطة»، جهود (كي جي بي) منذ عام 1959 لخلق رأي عام عالمي سلبي تجاه ألمانيا الغربية. شملت حملة (كي جي بي) قيامهم بإشعال النار في معابد يهودية، ورسم الصليب المعقوف في أماكن عامة؛ لجعل الأمر يبدو وأنه مسئولية ألمانيا الغربية.

كان (كي جي بي) مسئولًا عن قمع المخططات الثورية المحتملة في البلاد التابعة للكتلة الشرقية؛ فقد ساعد على إنهاء فترة «ربيع براج» التي هدفت إلى التحرر السياسي في تشيكوسلوفاكيا عام 1968. مهد عملاء (كي جي بي) الطريق لما انتهى بغزو لتشيكوسلوفاكيا، فقد تسللوا إلى البلاد مدعين أنهم سياح غربيون، وكان عليهم محاولة كسب ثقة الأشخاص الذين يقفون وراء الحكومة التشيكية الجديدة والتجسس عليهم. كان هدف هؤلاء الجواسيس زرع معلومات بأن وكالات المخابرات الأجنبية كانت تحاول إقالة الحكومة الشيوعية في تشيكوسلوفاكيا، وهذا بدوره يبرر الغزو السوفيتي فيما بعد. كما أعدّ هؤلاء العملاء أعضاء موالين للاتحاد السوفيتي داخل الحزب الشيوعي التشيكي؛ من أجل أن يتولوا السلطة بعد غزو الجيش الأحمر.

وفي حرب أفعانستان في ديسمبر (كانون الأول) عام 1979، تمكّن 54 فردًا من القوات الخاصة التابعة لـ«كي جي بي» وجنود المظلات من الهجوم على الرئيس الأفغاني حفيظ الله أمين واغتياله هو وعدد يتراوح بين 100 و150 فردًا من حرسه؛ مما سمح للسوفيت بتنصيب بابراك كارمال محله.

سقوط «كي جي بي»

تم تنفيذ محاولة انقلاب على الاتحاد السوفيتي عام 1991 من جانب فلاديمير كريتشكوف، رئيس (كي جي بي) في ذلك الوقت. أدى فشل المحاولة إلى تفكيك (كي جي بي)، واستبدال به «جهاز مكافحة التجسس الفيدرالي الروسي (إف إس كي)»، ثم خلفه «جهاز الأمن الفيدرالي (إف إس بي)».

لا يزال مؤثرًا

على الرغم من أن (كي جي بي) غير موجود بشكل رسمي حاليًا، إلا إن تأثيره لا يزال ملموسًا؛ إذ يشغل رجال (كي جي بي) السابقين مناصب عليا في أغلب مؤسسات الدولة والعديد من الشركات الكبرى، بما في ذلك الرئيس الروسي بوتين، وفقًا لموقع مجلة «بوليتيكو» الأمريكية.

الرئيس الروسي بوتين (الثاني من اليمين) أثناء عمله لدى «كي جي بي»

ذلك، بالإضافة إلى الأساليب التي تستخدمها وكالات الاستخبارات الروسية الحالية مثل حالات التسمم الأخيرة في المملكة المتحدة من خلال غاز الأعصاب السام «نوفيتشوك» ضد الجاسوس الروسي السابق سيرجي سكريبال وابنته يوليا والبريطانيان تشارلي رولي ودون ستورجيس الذي تسبب الغاز في مقتله. أشار الكاتب إلى أن مِثل هذه الأحداث تعد دليلًا على أن أساليب (كي جي بي) لم تتوقف تمامًا، وأنه يحتمل ظهورها مجددًا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد