كتب أسامة سعيد –مسئول الإعلام والعلاقات العامة بشبكة الجزيرة- مقالًا لجريدة الجارديان البريطانية واسعة الإنتشار يلخص فيه ما مرت به قناة الجزيرة بعد ثورات الربيع العربي، والأخطاء التي وقعت فيها الشبكة الأهم في الوطن العربي منذ بداية البث الفضائي العربي بشكل عام، ثم يسرد رؤيته لتصحيح تلك الأخطاء والعودة للدور الحقيقي لمنبر الجزيرة.

يعود سعيد بالزمن إلى قبل خمس سنوات من الآن، حينما أبهر المشهد الذي رسمه المصريون في ميادينهم أثناء ثورة 25 يناير العالم أجمع، فيما كانت قناة الجزيرة الناقل الأساسي لأحداث الثورة التاريخية، وكان الدور الذي قامت به لنقل تلك الثورة للعالم بمنزلة نقلة تاريخية في تاريخ الشبكات التليفزيونية العالمية. لم تغب مشاهد القناة عن أهم ميادين الثورة كذلك، فقد تابع ثوار التحرير الأحداث من خلال شاشات الجزيرة عبر كاشفات ضوئية مسلطة على شاشات يدوية الصنعة من القماش الأبيض.

ما قدمته الجزيرة فاق الدور الطبيعي والمعتاد للشبكات التليفزيونية والقنوات في المنطقة على مدار السنوات التي سبقت الثورة، حيث استطاعت رصد ونقل نداءات مواطني الشعوب العربية، ووجهت الكثير من الأسئلة المحرجة لحكام تلك الدول، مما جعل منها ظاهرة إعلامية جديدة في الشرق الأوسط، أسهمت في ولادة الكثير من المنافسين لها فيما بعد، إلا أنها كانت الأكثر متابعة في المنطقة، وفق ما كتبه سعيد للجارديان.

مسئولو الجزيرة اختلفوا كثيرًا حول الطريقة التي يجب أن يتم التعامل بها مع الثورات، حيث رأى بعض المخضرمين وقدامى الإعلاميين أن وظيفتهم هي نقل الخبر فقط وليس صناعته، وهو ما يتفق ربما مع طرح الكاتب والروائي البريطاني الشهير جوروج أورويل القائل بأن قول الحقيقية في زمن ينتشر فيه الخداع هو فعل ثوري. رأى آخرون –من بينهم وضاح خنفر مدير عام الشبكة في ذلك الوقت- بأن المستقبل الديموقراطي الذي لطالما حلموا به قد أصبح نصب أعينهم.

ربما لم يكن مستقبل الثورات كذلك الذي حلم به خنفر، فبعد مرور 5 سنوات، تمر أغلب الثورات العربية بأزمات قاتلة بعد بلوغ ذروتها، كذلك جاءت بعض الانقلابات العسكرية لتقضي تمامًا على الأحلام الوردية بأي حرية أو ديموقراطية حقيقية.

الكثير من الاتهامات قد طالت شبكة الجزيرة في أكثر من دولة في المنطقة، ليصل الأمر إلى تحميلها نتيجة الفوضى والعنف المنتشر في بعض الدول، إلا أن وجهة النظر تلك خاطئة تمامًا كما ترى الصحيفة البريطانية، حيث ترى أن حالة عدم الاستقرار هو أمر لا مفر منه بعد سنوات من الطغيان، إنه الحصاد المر لتلك السنوات، فمن المؤكد أن هؤلاء الطواغيت لن يحكموا للأبد وأن تلك الأحلام التي تفجرت مع الربيع العربي لن تنتهي أبدًا إلا إذا سكت الجميع.

يصف سعيد تعامل الجزيرة مع حالة التراجع والضعف التي تمر بها الثورات العربية بـ”غير المثالي”، حيث أصبحت تغطيتها منحصرة في منظور ضيق يبدو أكثر تحزب وعداءً، فأصبحت الكثير من الأنظمة (كسوريا ومصر) ترى بينها وبين الشبكة والعاملين فيها ثأرًا مشتعلًا.

يعتقد سعيد أن حالة الضعف التي مرت بها الثورات هي بالأساس نتيجة مباشرة لفشل التخطيط، وأنه لن تكون هناك خطوة حقيقية على طريق تلك الثورات سوى من خلال إعداد جيد لها، وعلى الرغم من أن الملتقى السنوي لشبكة الجزيرة يجمع الكثير من السياسيين البارزين في المنطقة، إلا أنه فشل في مناقشة الخطط المستقبلية لثورات الربيع العربي، لأن دور المؤسسات الإعلامية الكبرى في هذا الأمر يعتبر الأكثر أهمية بالمقارنة بالمؤسسات التقدمية ضعيفة التأثير في الوطن العربي مقارنة بالإعلام.

وفق المقال، فربما تضطر دولة قطر في الفترة القادمة إلى تقليص حجم الإنفاق على الشبكة، ما سبب حالة خوف لكل العاملين. ربما يبدو السبب الظاهري لهذا الأمر هو انخفاض أسعار النفط، إلا أن السبب الحقيقي وراء هذا الأمر هو رغبة قطر الحقيقية في إنهاء الكثير من “المشكلات” التي تسببت بها الجزيرة مع دول الجوار، حيث رصدت الجارديان تقريرًا يشير إلى حجب أحد المقالات من موقع الجزيرة بناء على رغبة السعودية. لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل قررت القناة وقف “الجزيرة أمريكا” في إبريل المقبل، بعد عامين فقط من انطلاقها باستثمار بلغ قيمته 2 بليون دولار أمريكي ما أصاب فريق عمل القناة بإحباط كبير، بعد آمال وطموحات كبيرة بمنافسة الشبكات العالمية كـCNN وBBC.

على النقيض، يرى توني هال -المدير التنفيذ لشبكة BBC البريطانية- أن إنفاق شبكته على النسخ العربية والروسية والفارسية لا يذهب هباءً، بل إن الغرض الأساسي منه هو محاولة تعزيز الديموقراطية في تلك المناطق، حيث تسعى BBC على عكس الجزيرة على التوسع في النسخ الأجنبية منها حيث تسعى في الفترة القادمة إطلاق نسخة لكوريا الشمالية. ربما قد يرى البعض أن مثل هذا التوسع لا يناسب شبكة الجزيرة، إلا أنه بالحديث عن الشرق الأوسط، فالدور الذي تقوم به الجزيرة لا يمكن إغفاله أو إنهاؤه، وهو ما يجب أن ينتبه إليه العالم أجمع، لأن ذلك الدور سيكون حاسمًا في القضاء على التنظيمات الإرهابية كتنظيم داعش، وفق ما يصف سعيد.

ربما تغير الوضع قليلًا في الجزيرة حاليًا عما كانت عليه مع خنفر، حيث بدت وكأنها تبتعد عن نبض الأحداث، ما أدى بالتبعية إلى ابتعاد الكثير من السياسيين المرموقين عالميًا ممن عهدوا الظهور على الشبكة بالتبعية، بل لم يعد أحد يهتم حتى لمعرفة وضع الشبكة الحالي والذي تولى إدراته بشكل مؤقت مصطفى سواق منذ ثلاث سنوات، هذه الحالة المؤقتة التي عاشتها الجزيرة أثرت بشكل كبير على دورها السابق بحسب ما ذكره سعيد في مقاله، والذي اختتم قائلًا إنه على الجزيرة الكثير من المسئوليات في الفترة القادمة، حيث عليها أن تعمل وفق الوضع الحالي وأن تتوقف عن العيش على أمجاد الماضي بأن تُبهر العالم من الجديد بنفس الكم من الشغف والأفكار التي اعتادت عليها الشبكة في الماضي، كما أنه على الجزيرة أن تدرك أيضًا أن دورها القيادي والريادي ليس اختياريًا، وأن الوعي الشعبي سيكون استجابة لهذا الدور في المستقبل.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد