نشر موقع «ميدل إيست آي» مقالًا للدبلوماسي الإيطالي السابق ماركو كارنلوس يتناول احتمال انهيار الدولتين السعودية والمصرية سياسيًا واقتصاديًا، ويصفه بكابوس الشرق الأوسط الذي ربما يصبح واقعًا مريرًا. تولى الكاتب عدة مهام دبلوماسية لبلاده في الشرق الأوسط، وكان مبعوثًا للسلام في سوريا، ثم سفيرًا لبلاده في العراق حتى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2017.

يقول الدبلوماسي: «إنَّ الدولتين تواجهان احتمال الانهيار بسبب خليطٍ من التدخلات الخارجية والتناقضات الداخلية، لكنَّ السبب الأكبر قد يكون السياسات العمياء التي تنتهجها الحكومتان، ورغم أنَّ كليهما تعدان أكبر من أن يُسمح لهما بالانهيار، فإنَّه لا يمكن استبعاد خطر الانهيار الذي قد يجلب عواقب مدمرة للاستقرار لا تُحصى ولا تعد».

تُعد مصر القلب النابض للمنطقة بسبب عدد سكانها الهائل، بالإضافة إلى أهميتها الدينية والثقافية. وتضيف قناة السويس إلى أهمية موقعها الاستراتيجي، فهي محطة محورية في التجارة البحرية بين آسيا وأوروبا. وتلعب مصر أيضًا دورًا ضروريًا في الحفاظ على السلام النسبي مع إسرائيل بعد مجموعةٍ من الحروب بينها وبين العرب.

أما السعودية – بحسب الكاتب – فهي مُنتج رئيسي للنفط، وتملك احتياطياتٍ ضخمة، ويمكنها رفع مستويات إنتاج النفط لديها إلى مستوياتٍ أكبر، ما يتيح لها ضبط اضطرابات أسواق الطاقة العالمية. وتمثل السعودية أيضًا «حبل نجاة» دولٍ عديدة في المنطقة وخارجها، كما أنها المسؤولة عن الحرمين في مكة والمدينة.

Embed from Getty Images

على نفسها جنت

يقول الكاتب: «إنَ المستشارين الأمريكيين والأوروبيين والعرب والإسرائيليين يراقبون الأوضاع في الدولتين عن كثب. تواجه مصر نيران جيرانها في غزة وليبيا، ونيرانًا داخلية أخرى في سيناء، ونيرانًا خامدةً بسبب القمع الداخلي الدموي ضد جماعة الإخوان المسلمين وقوى المعارضة».

كانت مصر منذ بضع سنوات تحوز أغلب الاهتمام، خاصةً بعد التجربة الصادمة التي مرت بها خلال فترة حكم الإخوان المسلمين والرئيس محمد مرسي قصيرة المدى، لكنَّ الاهتمام اتجه ناحية السعودية بسبب حرب اليمن، وصراع السلطة داخل الأسرة الحاكمة، والقرارات المتهورة التي اتخذتها قيادتها، ودفعت تلك الأسباب المحللين إلى التساؤل عن مدى قدرة هذه الدولة على الاستمرار.

Embed from Getty Images

مقابر ضحايا المدنيين في حرب اليمن التي تقودها السعودية.

ويرى الدبلوماسي السابق أنَّ الانهيار السياسي والاقتصادي المحتمل قد يخلق وضعًا أسوأ كثيرًا مما صارت عليه ليبيا بعد 2011.

وحاليًّا يُجري ولي العهد السعودي محمد بن سلمان رحلاتٍ عالمية بهدف تحسين سمعة المملكة، تتضمن جلسات تصويرٍ عديدة ومحادثاتٍ صاخبة خلال قمة العشرين في بوينس آيرس. ويقول الكاتب: «إنَّ غيابه الطويل عن المملكة قد يُظهر ثقته وقبضته المحكمة على السلطة».

لكنَّ أغلب المشاكل التي تواجه الرياض والقاهرة كانت بسبب أخطاء ذاتية؛ إذ أشعلت حكومة الإخوان – التي استمرت لأقل من عام – مظاهراتٍ شعبيةٍ أسقطتها سريعًا، فهل كان ضروريًا لنظام السيسي إطلاق موجة القمع الدموية التي لم ترحم حتى القوى السياسية العلمانية؟

مترجم: سيناريوهات سياسية مرعبة تلوح في سماء الشرق الأوسط.. فكيف يمكن تجنبها؟

كان يمكن تفادي كل هذا

يرى الكاتب أنَّه رغم أخطاء وحماقات حكومة مرسي خلال الفترة القصيرة التي حكمت فيها، إلا أنَّه لا يمكن لومها على مشاكل تسببت فيها عقود من السياسات الكارثية في مصر. ويشير إلى أنَّ انقلاب 2013 كان سابقةً خطيرة، ويمكن أن تُعطي الإخوان المسلمين دروسًا مهمة ومقلقة من أجل المستقبل.

وصلت حركة الإخوان المسلمين الإسلامية إلى سدة الحكم في 2012، بشكلٍ قانوني وعبر انتخاباتٍ تبعت ثورة شعبية في البلاد. تنافست في الساحة السياسية، وربحت من خلال عملية ديمقراطية، لكن في المرة القادمة، إن كانت هناك مرة قادمة، قد تتصرف الجماعة بشكلٍ مغاير. فربما تحمي سلطتها بالقمع، أو الأسوأ من هذا، أن تتخلى عن العملية الديمقراطية وتستحوذ على السلطة بالقوة.

Embed from Getty Images

بعض ضحايا فض اعتصام مؤيدي محمد مرسي في ميدان رابعة العدوية بالقاهرة عام 2013.

ويضيف الكاتب أنَّ الأمر نفسه يحدث في السعودية، فلم يكن هناك سبب يجعل محمد بن سلمان يورط بلاده في صراعٍ في اليمن أقرب لحرب أفغانستان، والذي لا تبدو نهايته قريبة. وأثار عدد الضحايا في تلك الحرب اهتمام الحلفاء التقليديين للمملكة، رغم أنَّه من المحزن أن هذا الاهتمام لم يظهر إلا بعد مقتل جمال خاشقجي.

لو كان ولي العهد ركز فقط على إصلاحاته الداخلية التي يخطط لها، والتي أثارت حماس الكثيرين، فغالبًا كانت فترته في الحكم ستكون أفضل كثيرًا. وسبب تمرد الحوثيين عوامل داخلية، لا قوى محركة خارجية، وكان من الممكن منحهم بعض الحقوق التي أُهملت لعقود بدلًا من الصراع الدموي والكارثة الإنسانية التي حدثت.

ويقول الكاتب: «إنَّ حرب اليمن لم تكن مخططًا إيرانيًا، بل هدية غير متوقعة إلى القيادة الإيرانية. ففي 2015، منح تصعيد الرياض الغريب فرصةً أخرى لإيران لإحداث الفوضى في نقطة ضعف شبه الجزيرة العربية. وبنفس التفكير، كان من الممكن تفادي ضرر حصار قطر واحتجاز المئات من رجال الأعمال وأعضاء العائلة المالكة العام الماضي».

الأخ الأكبر يراقبك.. كيف تخرّج المدارس العربية قطيعًا من المؤيّدين؟

خطر الثقة الزائدة

من الضروري بحسب رأي الكاتب تخفيض حدة التوترات في الشرق الأوسط، وتوقف قادة المنطقة عن التفكير بعقلية الأبيض والأسود فقط، لكن للأسف إنَّ أطرافًا فاعلة من داخل المنطقة وخارجها تتمادى بدلًا عن أن تضبط نفسها، ويبقى الأمل أن يدرك الرئيس المصري وولي العهد السعودي أنَّ طريقة تفكيرهما العنيدة غير عملية.

كذلك يجب على إيران أن تواجه نفسها؛ فبحث طهران المستمر عن تحقيق النصر في كل مكان قد لا يكون حكيمًا، وهذه الثقة الزائدة تهدد البلاد وقيادتها.

ويختتم الكاتب بأنَّ أزمات السنوات الماضية في دولٍ مثل: ليبيا، وسوريا، تسببت في إحداث ضررٍ كبير في المنطقة، وحتى أوروبا لم تسلم منه بوصول ملايين اللاجئين إليها لتشتعل ثورة شعبوية تهز القارة. وإن كانت ليبيا وسوريا قد عانتا من عواقب مدمرة، من تقسيم وحرب أهلية شاملة، فما قد يحدث إن انهارت مصر أو السعودية لا يمكن توقعه.

مترجم: بعد تلاشي الآمال هل يمكن أن يشتعل الربيع العربي مجددًا؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد