في مقاله لصحيفة «ساوث تشينا مورنينج بوست» الصينية والمتخصصة في الشأن الأسيوي، تناول الكاتب ديني روي الباحث وزميل معهد أبحاث الشرق والغرب بهاواي خيارات الولايات المتحدة حال قررت الصين تحويل محاولاتها الناعمة لضم تايوان للسيادة الصينية إلى محاولات عسكرية، وما إذا كانت الولايات المتحدة ستتدخل دعمًا لتايوان في مواجهة الصين، أو ستكتفي باتخاذ موقف مؤيد لها دون دعم عسكري، وهو ما يمكن أن يمثل تحولًا عسكريًا في سياسة الولايات المتحدة الخارجية والتي تنتهجها في العقود الأخيرة.

يقول الكاتب: إنه «على الرغم من المحاولات السياسية التي تقوم بها الصين حاليًا لإعادة تايوان، والتي ربما تصل إلى القوة العسكرية، إذا لزم الأمر قبل تقاعد الرئيس والزعيم الصيني شي جين بينج، إلا أن المحللين الأمريكيين مازالوا يرون أن أي محاولة صينية لغزو تايوان تمثل خطرًا حقيقيًا على الصين».

في الوقت الذي أثبتت فيه القوة الناعمة الصينية عدم فاعليتها حتى الآن، يبدو أن الصين سوف تتجه لاستخدام القوة لإجبار تايبيه على الخضوع والعودة إلى سيادة بكين. خلال السنوات القادمة، ستواصل الصين بالتأكيد توسيع الفجوة في القوة العسكرية بينها وبين تايوان، إلا أن هذا الأمر لا يمثل المشكلة الحقيقية التي تواجهها الصين حاليًا.

قراءة جغرافية

الخيارات العسكرية المتاحة أمام الصين بخلاف الغزو، والتي تكمن في احتلال الجزر الصغرى التابعة لحكم تايبيه، وفرض حصار على الموانئ والمطارات الرئيسة، وإطلاق هجمات إلكترونية ومعلوماتية على مراكز البيانات والبنية التحتية للاتصالات، بالإضافة للهجمات الصاروخية. ومع ذلك فإن كل تلك الوسائل لن تكون كافية لإجبار حكومة تايبيه على الاستسلام، بحسب المقال.

خريطة توضح الموقع الجغرافي للصين بالنسبة لتايوان وموقع مضيق تايوان

تاريخيًا تميل الحكومات والمجتمعات المعرضة للهجمات والغزو إلى أن تصبح أكثر صمودًا وقوة بدلًا عن الخضوع. يمكن قراءة ذلك أيضًا من موقف الشعب التايواني في مواجهة الاحتلال الياباني عام 1895، وكذلك الحال في فترة فرض حكم حزب الكومينتانج عام 1945، كل هذه المواقف التاريخية تؤكد أن الاستسلام لن يكون خيار تايوان.

إذًا فالطريق الوحيدة أمام بكين لإجبار تايوان على الاستسلام هي الغزو العسكري لتايوان واحتلال المدن الأساسية بمشاركة عدد كبير من الجنود. ومع ذلك، وحتى مع تطور القدرات العسكرية الصينية، تظل احتمالات نجاح مثل ذلك الغزو الشامل لتايوان محدودة للغاية بحسب المقال، حتى إذا لم تتدخل الولايات المتحدة لتقف إلى جانب تايوان في هذه الحالة.

لتنفيذ تلك الخطة، سيكون على الصين نقل قواتها بحرًا، عن طريق نقل أغلبهم في سفن كبيرة بطيئة الحركة ويمكن رؤيتها ومراقبتها بوضوح، سينبغي على تلك السفن أيضًا المرور عبر مضيق تايوان. يعرف مضيق تايوان أيضًا باسم مضيق فورموسى ويبلغ طوله 180 كم، ويفصل بين الصين القارية وبين تايوان، وهو جزء من بحر الصين الجنوبي، ويتصل مع بحر الصين الشرقي في المنطقة الشمال شرقية. أصغر جزء في المضيق تبلغ مساحته 131 كيلومترًا.

بحسب المقال، مرور مثل ذلك المضيق يجعل السفن الصينية عرضة للهجوم مباشرة من القوات التايوانية، بالإضافة إلى صعوبة عملية إنزال كميات ضخمة من الذحيرة والمعدات والجنود في أرضية رملية أو طينية، وتحت نيران مباشرة. يؤكد الكاتب أيضًا أن القدرات الحالية للصين تمكنها من نقل بضع عشرات الآلاف من الجنود فحسب في المرة الواحدة، ومعظم هذا العدد لن يتمكن من المرور من المضيق بسلام.

سيكون في انتظار القوات الصينية الناجية 180 ألف جندي يمثلون قوام الجيش التايواني في الخدمة حاليًا، بالإضافة إلى 1.5 مليون جندي على قوة الاحتياط، وفي حال قررت الولايات المتحدة التدخل، سيكون بإمكان الطائرات الأمريكية الانطلاق من القواعد الجوية الأمريكية في المنطقة في خلال ساعات من بدأ التحرك العسكري الصيني. ربما تحاول الصين عرقلة ذلك من خلال إطلاق الصواريخ بهدف تعطيل ممرات الطائرات في القواعد الأمريكية، إلا أن ذلك في المقابل سيقلل عدد الصواريخ المتاحة لدى الصين لمهاجمة تايوان، كما سيقود القوات اليابانية للتدخل في الحرب بالكامل.

الصين في خطر

حتى في حال انتصار الصين في تلك الحملة العسكرية، سيكون عليها مواجهة واقع مروع، وهو محاولة حكم ذلك المجتمع الذي اعتاد على الحكم الديمقراطي، كما أن الأجيال القادمة في تايوان ستحمل عداءً قويًا تجاه الصين، بحسب المقال. أحد العوامل الهامة أيضًا والواجب أخدها في الاعتبار هي احتمالية رد الفعل الأمريكي تجاه أي تدخل عسكري صيني في تايوان.

تملك الحكومة الأمريكية دوافع قوية للغاية لمنع أي غزو صيني لتايوان؛ إذ صرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتصريحات علنية تشكك في قيمة التحالفات الأمريكية في آسيا. خلال القمة مع الرئيس الكوري الشمالي كيم جونج أون في سنغافورة، قال ترامب: «إن الولايات المتحدة تأمل أن تغادر قواتها كوريا الجنوبية في المستقبل». ولكن بعد 18 شهرًا من وجود ترامب في مقعد الرئاسة، لم تتخذ الإدارة الأمريكية أية خطوات لفك ارتباطاتها العسكرية أو الحد من التواجد العسكري الأمريكي.

يرى الكاتب أن كبار مستشاري ترامب ما زالوا يلتزمون بالحفاظ على القيادة الاستراتيجية للولايات المتحدة غرب المحيط الهادي، بل أيضًا اتخاذ مواقف أكثر تصادمية مع الصين، وهو ما يتجلى مؤخرًا في سياسات الأمن والدفاع التي نُشِرت مؤخرًا، والتي تصف الصين بأنها دولة معادية أكثر من كونها شريكة للولايات المتحدة، وهو ما يختلف عن خطاب إدارة أوباما، والتي سعت لتطوير العلاقات مع الصين. أحد الأمثلة الحية على ذلك هو زيادة حرية عمليات الملاحة الأمريكية في بحر الصين الجنوبي، بالمقارنة بالأوضاع أثناء رئاسة أوباما.

تشير استطلاعات الرأي في الولايات المتحدة أن أقلية من الأمريكيين فقط يفضلون أن تتدخل الولايات المتحدة لتقف إلى جانب تايوان حال حدوث حرب مع الصين. ومع ذلك، يبدو أن أعضاء الكونجرس أكثر تأييدًا لتدخل عسكري أمريكي، ويعزون ذلك إلى وضع الولايات المتحدة الريادي في تلك المنطقة والذي قد يتلقى ضربة قاتلة حال ما قررت الولايات المتحدة عدم اتخاذ موقف قوي في مواجهة دولة استبدادية تستهدف غزو دولة ديمقراطية صغيرة ذات روابط قوية وتاريخية مع الولايات المتحدة.

موقف الولايات المتحدة

يقول الكاتب: «إن الكونجرس يؤمن بنظرية السلام الديمقراطي، وهي نظرية في العلوم السياسية تطرح فرضية أن الدول الديمقراطية لا تنشأ بينها حروب، لذا فإن نشر الديمقراطية في مناطق مختلفة من العالم سيعزز من أمن الولايات المتحدة ويقلل احتمالية حدوث تهديد حقيقي على أمنها». يرى أعضاء الكونجرس أيضًا أن تايوان هي تمثل حاملة طائرات غير قابلة للغرق بالنسبة للولايات المتحدة، وأن لها مكانة جيوستراتيجية هامة في الحد من سيطرة الصين على شرق آسيا.

يعتقد الكاتب أيضًا أن قرار واشنطن بعدم التدخل والوقوف في صف تايوان حال حدوث صراع مباشر مع الصين سوف يمثل تحولًا دراميًا في استراتيجية الولايات المتحدة الخارجية. في الفترة من 2000 إلى 2008 كانت سياسات الرئيس التايواني تشين شوي بيان تستهدف عزل تايوان سياسيًا بشكل تام عن الصين، وهو ما دفع واشنطن للقول بأنها لن تتدخل بالضرورة لصالح تايوان في حال انتهجت نهجًا استفزازيًا تجاه الصين، وهو ما يختلف عن الوضع الحالي؛ إذ إن الرئيس التايواني تساي إينج وين لا يهدف إلى الصدام مع الصين، وهو رأي الساسة في واشنطن أيضًا.

يختتم الكاتب المقال بالقول: إن المواقف الأخيرة للحزب الشيوعي تجاه تايوان ربما لا تصب في صالح الصين كدولة، وأن إعادة تايوان للحكم الصيني لا يعني بالضرورة المزيد من الأمن والازدهار للصين، بل العكس كما يتضح من خلال قراءة المشهد. بالإضافة لذلك فإن التركيز على قضية تايوان ربما يشتت الصين عن العمل على أهداف أهم، مثل مواصلة النمو وإعادة الهيكلة الاقتصادية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!