استعرض الأستاذ الجامعي التونسي «توفيق الجلاصي»، أستاذ «الاستراتيجيات وإدارة التكنولوجيا» بسويسرا، استعرض في مقال نشره موقع «هارفارد بيزنس ريفيو» ملامح من تجربته؛ كوزير للاتصالات والتكنولوجيا والبحث العلمي، خلال المرحلة الانتقالية بتونس في أعقاب «الربيع العربي» عام 2011.

واستهل الجلاصي المقال مخاطبًا القارئ بقوله «ماذا كنت لتفعل لو عرضت عليك وظيفة جديدة، وقيل لك إنك ستفصل بعد سنة واحدة، ولكن لن يسمح لك بالاستقالة خلال ولايتك؟ وأنه سيدفع لك القليل، بالمقارنة مع عملك القديم، والأكثر راحة؟»

وتابع بقوله: «ربما ستقول: لا، شكرًا، أليس كذلك؟»

 

بيئة مضطربة للغاية

 

ومع ذلك، أشار الجلاصي إلى أن الأمر انتهى به إلى تولي مهام وزارته في تونس، بعد الربيع العربي، وتبين له ما يعنيه حقًا أن تؤدي مهام منصبك في بيئة مضطربة للغاية.

وأضاف الجلاصي إلى تاريخه المهني السابق، إذ كان الأستاذ الجامعي التونسي عميدًا لكلية إدارة الأعمال الرائدة في باريس، ورئيسًا لمجلس إدارة أكبر مزودي خدمات الاتصالات المتنقلة في تونس، عندما اندلعت ثورات الربيع العربي، وتحول الشرق الأوسط، المضطرب بالفعل، وشمال إفريقيا رأسًا على عقب. وهي المرحلة التي وصفها الجلاصي بأنها كانت لحظة تأمل في المنطقة، وخاصة في تونس.

وقال الجلاصي: إنه بعد سقوط «الديكتاتور زين العابدين بن علي» في يناير (كانون الثاني) عام 2011، والذي استمرت ولايته «الخانقة» ما يقرب من ربع قرن، واجهت البلاد بداية صعبة.

فبعد الانتخابات العامة التي شهدت صعودًا للتحالف الذي يقوده الإسلاميون إلى السلطة، شهدت البلاد اثنين من الاغتيالات السياسية في فبراير(شباط)، ويوليو(تموز) 2013. وأدى ذلك- بحسب الجلاصي – إلى أزمة سياسية عميقة، وكانت البلاد على شفا حرب أهلية. غير أن «اللجنة الرباعية التونسية»، وهي تتألف من أربع جمعيات من المجتمع المدني، بدأت بتسهيل الحوار الوطني في البلاد (ومنحت لأجل ذلك جائزة نوبل للسلام 2015). ووصل هذا الحوار إلى توافق في الآراء بين الأحزاب السياسية ينص على أن يسلم الإسلاميون السلطة إلى حكومة انتقالية من «التكنوقراط».

 

بداية الرحلة

 

بداية الرحلة، كما ذكرها الجلاصي، كانت في يوم عيد ميلاده عام 2013، عندما طلب منه رئيس الوزراء التونسي آنذاك، «مهدي جمعة»، تولي حقيبة «تكنولوجيا المعلومات والاتصالات»، ووزير التعليم العالي، والبحث العلمي.

وذكر الجلاصي أنه حاول الرفض. كما كانت عائلته ضد ذلك، وكان الأمر محفوفًا بالمخاطر. ومع ذلك لم يكن يريد أن يرفض، مثل هذا الشرف عبر الهاتف، لذلك سافر من باريس إلى تونس؛ للقاء رئيس الوزراء جمعة.

وتابع بقوله «عندما وصلت إلى هناك، أشار رئيس الوزراء إلى أنني لم أؤد الخدمة العسكرية الإلزامية في تونس، وأنه قد حان الوقت بالنسبة إلي لرد الجميل لبلدي».

 

خمسة دروس

 

الجلاصي أوضح أن الفريق الوزاري عرف منذ البداية أنه يعمل في بيئة مضطربة للغاية. وكانت تلك الظروف الصعبة يصاحبها خطر التعرض لتهديدات الحشود. وهي الحشود المعادية التي كانت في كثير من الأحيان تحتشد خارج أبواب الوزارات، وفي بعض الأحيان، لم يكن بإمكان الفريق الوزاري العودة إلى ديارهم، فضلًا عن حالات الإضراب التي كان يمارسها الموظفون.

وتساءل الجلاصي بقوله «كيف يمكنك أن تبدأ كل يوم بإيجابية، وعلى استعداد للقيادة في ظل هذه الظروف؟»

وعلى الرغم من كل المصاعب، قال الجلاصي إنها كانت تجربة العمر، ورصد خمسة دروس تعلمها بشأن القيادة في بيئة مضطربة للغاية:

 

  1. بناء فريق بمنظور جديد، عند إعداد الحكومة الانتقالية، وكما ينبغي لأي قائد جيد، جمع رئيس الوزراء أفضل الناس لهذا المنصب من كل حدب وصوب، وبذلك عاد أبناء البلد من الولايات المتحدة، والبرازيل، وفرنسا، وسويسرا، والمملكة المتحدة، وغيرها من الأماكن. وقال رئيس الوزراء إنه اختار الأشخاص الذين يعرف أن لديهم المهارات اللازمة للقيام بهذه المهمة.

 

  1. إنشاء بنية الشبكة؛ من أجل القيام بما لدينا من مهام ضخمة، في فترة زمنية قصيرة، كان علينا مهمة إنشاء بنية الشبكة، وكان من المهم التعاون بين الوزارات والهياكل الهرمية للمضي قدمًا. وبالنسبة لرئيس الوزراء، كان ذلك يعني ـ أيضًا ـ أن عليه تمكين فريقه من اتخاذ قرارات مستقلة.

 

  1. فصل فريق التحول أو الابتكار عن الجزء التقليدي للمنظمة. تمامًا مثل شركة التكنولوجيا، فقد عمدنا نحو تأسيس «مختبرنا» على الجانب الآخر من تونس، وبعيدًا عن الجسم الرئيس للحكومة. مشاكل كبيرة تحتاج إلى حلول كبيرة، ولا يمكنك أن تأتي بأفكار عظيمة، عندما تتعثر باستمرار مع رسائل البريد الإلكتروني والقضايا اليومية. كانت مهمتنا أن نأتي بأفكار مبتكرة لنقل بلدنا إلى الأمام ولأننا نحتاج إلى مساحة للتفكير والإبداع.

 

  1. بناء السندات لتعزيز الثقة، لن تكون هناك وسيلة لتحقيق أي إنجاز كبير، ناهيك عن الحصول على انطلاقة جديدة للبلد بأكملها، إذا كنت لا تثق وتحترم فريقك. وعلى الرغم من أنه قد يبدو الأمر تافهًا، نظرًا لخطورة ولايتنا، فقد مارسنا تمارين بناء الفريق في الهواء الطلق. التقينا ببعضنا البعض خلال عطلة نهاية الأسبوع للتجمعات الاجتماعية أو للعب كرة القدم معًا. كل هذا ساعد على أن نكون على قلب رجل واحد، وكان لدينا الثقة في أننا يمكن أن ننجح معًا.

 

  1. التعرف على الفرص وتحديد الأولويات. كان لدينا سنة واحدة لإنجاز هذه المهمة. في ذلك الجدول الزمني، وبمهمة جلب بلد بأكمله من حافة الهاوية، يتوجب عليك التركيز. كان من أولوياتنا إقامة مؤسسات الدولة على النحو المبين في الدستور، بعد الثورة، لتمهيد الطريق لإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية نزيهة ومعترف بها دوليًا قبل نهاية ولايتنا، لخلق بيئة مواتية للاستثمار، ولحل الصراعات السياسية الجارية.

 

هل نجحت تونس

 

«لذلك هل نجحنا؟» هكذا تساءل الجلاصي. وقال إنه «تمت إعادة تصميم نظام الدعم الوطني ووضع البلاد على مسار اقتصادي أفضل». وأضاف أن «الفريق الوزاري قاد المعركة ضد الإرهاب»، وقام بإعادة تصميم نظام التعليم العالي في البلاد، ووضع خطة استراتيجية خمسية لـ «تونس الرقمية».

 

وذكر الجلاصي أنهم قاموا بتسخير التكنولوجيا لدفع البلاد نحو المستقبل، ولكن للأسف، فإن تونس تواجه الآن تهديدًا إرهابيًا غير مسبوق، بعد ثلاث هجمات في عام 2015 في متحف «باردو» الوطني، وفي فندق كبير في «سوسة»، وعلى الحرس الرئاسي في تونس.

وفي الآونة الأخيرة، وفي مارس (أذار) 2016، تم تنفيذ هجوم عسكري شامل من قبل تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش) في «بنقردان»، وهي مدينة تونسية على الحدود الليبية. وهو ما كان له تبعات سلبية على قطاع السياحة، أحد أكبر مصادر الدخل في البلاد.

واختتم الجلاصي بقوله «أعتقد أننا سنحتاج بشكل متزايد التعامل مع بيئات مضطربة للغاية، سواء كنا مشاركين في العمل أم لا، سنحتاج إلى الاستجابة للأزمات كبيرة، والاضطرابات السياسية والاضطرابات الاجتماعية، أو الهجمات الإرهابية. الأوقات ستكون صعبة للغاية».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد