قالت جيليان دو أمور في مقال لها على موقع «ميدل إيست آي» إن ترشح الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة للعهدة الخامسة قد أجج نار الغضب في طول البلاد وعرضها. وإليكم ترجمة المقال بالكامل:

بدا قرار عبد العزيز بوتفليقة بالترشح لفترة رئاسية خامسة – على الرغم من سوء حالته الصحية وتقدمه في السن – أمرًا مستهجنًا بالنسبة للكثير من الجزائريين. فخرج مئات الآلاف إلى الشوارع في مدن عبر البلاد وفي الخارج على مدار الأيام القليلة الماضية لمعارضة ترشيح بوتفليقة «81 عامًا»، لتحطيم جدار الصمت والخوف.

لم تتوقع الحكومة الجزائرية الحالية هذا المستوى غير المسبوق من الحشود. كما ينبغي أن تتوقع أن لا ننتهي الاحتجاجات بسرعة. وقد فاجأت الاحتجاجات المجتمع الدولي والمراقبين السياسيين الجزائريين، بما أن كانت قد أفلتت البلاد إلى حد كبير من التجمعات الجماهيرية التي جرت في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال ما يسمى الربيع العربي في عام 2011.

العهدة الخامسة لبوتفليقة «تجمع تناقضات» الجيش والأمن والاستخبارات في الجزائر

فيما يلي نظرة على بعض العوامل التي أدت إلى الاحتجاجات في الجزائر، وتأثيرها على الانتخابات المقبلة في البلاد.

نظام حكم قوي للغاية

أثار إعلان بوتفليقة أنه سيسعى لولاية رئاسية خامسة غضب المواطنين الجزائريين ودشن حركة شعبية في العديد من المدن بعد ظهور دعوات مجهولة على وسائل التواصل الاجتماعي تدعو الشعب للاحتجاج. حدثت الاحتجاجات بشكل عفوي وخارج هياكل السلطة السياسية التقليدية في البلاد، على الرغم من حقيقة أن بعض الجماعات بما فيها «مواطنة» – وهي حركة يقودها مواطنون تضم أحزابًا وجمعيات وأفرادًا سياسيين – حثت أيضًا الجزائريين على النزول إلى الشوارع.

لم تشهد الجزائر هذا النوع من حركة الاحتجاج الجماهيرية منذ اندلاع الانتفاضة الشعبية في عام 1988، عندما احتج الشبان بأعداد كبيرة بسبب البطالة المرتفعة وارتفاع تكاليف المعيشة والتدابير التقشفية القاسية. في الواقع، لقد كفر الشعب الجزائري منذ فترة طويلة بالسياسة.

الجزائريون انطلقوا في الشوارع احتجاجًا على ترشح بوتفليقة للعهدة الخامسة

لدى بوتفليقة إمكانية إعادة انتخابه، لا سيما أنه يحظى بالدعم من الحكومة الحالية والجيش، اللذين يعطيان الأولوية للاستقرار على المجازفة بتغيير سياسي. كما تمكن الرئيس من ترسيخ موقفه من خلال ائتلاف سياسي واقتصادي يضم جبهة التحرير الوطنية، والتجمع الوطني الديمقراطي، بالإضافة إلى رجال الأعمال الرئيسيين الذين ظهروا خلال فترة وجوده في منصبه. واستفاد بوتفليقة من إنجازات رئاسته المستمرة منذ 20 عامًا، بما في ذلك العودة إلى السلام، وجلب الاستثمارات، وتحديث وبناء البنية التحتية، وبناء المساكن والجامعات، وتوفير الغاز والكهرباء في جميع أنحاء البلاد.

انتشار الإحباط في المجتمع

ومع ذلك، من المهم أيضًا ملاحظة أن الأحزاب السياسية المعارضة قد انهارت على جميع الجبهات، فضلاً عن أن المشهد السياسي والإعلامي في الجزائر يجعل من المستحيل تقريبًا على الشخصيات الجديدة أو المجموعات السياسية أن تظهر وتغير النظام. بناءً على هذه الخلفية، لا يوجد أي مرشح سياسي قوي أو ذي مصداقية كافية لتشكيل تحد خطير لبوتفليقة. ومع ذلك، فإن حركة الاحتجاج الحالية قد تنسف الوضع الراهن.

إن الاحتجاجات تنتج ديناميكية جديدة وتظهر الجزائريين باعتبارهم عنصرًا له ثقله في النظام السياسي، وهو أمر يجب على السلطات الآن أن تأخذه في الحسبان. يمكننا أن نسأل لماذا لم يحدث هذا النوع من التحركات في وقت سابق، خلال ثورات 2011 في العالم العربي أو في الانتخابات الرئاسية الجزائرية الأخيرة في عام 2014.

لقد ساهمت عدة عوامل – بعضها أكثر وضوحًا من غيرها – بما في ذلك على وجه الخصوص الوضع الاقتصادي والاجتماعي السيئ الحالي في الجزائر في تأجيج الغضب الشعبي. واستثمرت الدولة مبالغ ضخمة لتحديث البنية التحتية للبلاد وتشجيع الانتعاش الاقتصادي، لكنها لم تنجح في تطوير اقتصاد يحسن القدرة الشرائية للمواطنين، ويوفر عملاً لعدد كبير من الشباب العاطلين عن العمل.

الشرطة الجزائرية في مواجهة المتظاهرين

لقد خلق الفساد والمحسوبية إحساسًا بالظلم بين أولئك الذين لم يستفيدوا من ثروات البلد. وقد تفاقم الإحباط الاجتماعي في ظل سلسلة من تدابير التقشف المطبقة بعد انخفاض أسعار النفط في عام 2014، مصحوبة بتضخم أسعار السلع الأساسية الذي ضرب السكان من الطبقة الوسطى والعاملين.

النضج السياسي

إن طول فترة رئاسة بوتفليقة – التي قد تمتد لأكثر من عقدين من الزمان إذا نجح في الحصول على فترة خامسة – قد أشعل غضب الجزائريين وولد شعورًا بالضجر، إن لم يكن الإذلال، نتيجة لصحة الرئيس السيئة. إن الترشح لفترة خامسة يبدو تماديًا غير مقبول في نظر جزء كبير من الجزائريين. كما أن غياب الرئيس عن الظهور في وسائل الإعلام منذ أن أصيب بجلطة دماغية في عام 2013، وحالته الصحية الهشة، كما هو موضح في الصور التي ظهرت منذ ذلك الحين، يجعل من الصعب على حاشيته الدفاع عن ترشحه هذه المرة.

علاوة على ذلك، فإن التقدم الاقتصادي والاجتماعي الذي تحقق خلال العشرين سنة الماضية قد خلق طبقة وسطى جزائرية ناضجة سياسيًا. وفي الواقع، يسعى ذلك الجزء من المجتمع إلى تحقيق مطالب سياسية واجتماعية أكثر طموحًا مما تقدمه الحكومة.

أخيرًا، لا يمكن تجاهل دور التقنيات الجديدة. فالإنترنت ووسائل الإعلام الاجتماعية على وجه الخصوص متاحة الآن في جميع أنحاء الجزائر، مما يسهم في انتشار الاحتجاجات والمساعدة على بثها وتنسيقها في مدن مختلفة.

ردًا على كل هذا، يجب على السلطات الجزائرية السعي للتقدم للحوار وتجنب استخدام الخطاب المتحدي – الذي قد يفاقم من الموقف – تجاه المتظاهرين. كما يجب عليها طرح تدابير ملموسة لمساعدة الجزائر على الدخول في عملية انتقال سياسي حقيقية تقوم على توافق وطني. فقد تحدث بوتفليقة بنفسه عن ذلك عندما أعلن أنه يعتزم الترشح لولاية خامسة. إن استجابة الحكومة لها أهمية خاصة، لأن الاحتجاجات قد تكون طويلة الأمد ومنتشرة، كما يتضح من صور عشرات الآلاف من الطلاب الذين انضموا إلى الحركة في وقت سابق من هذا الأسبوع.

مترجم: وثائق فرنسية: بوتفليقة وراء اغتيال كريم بلقاسم وحاول الانقلاب على بن بلة

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد