هل يمكن يومًا أن نعرف بماذا تفكر به حيواناتنا الأليفة أو مواشينا؟ هل يختلف العالم من منظورهم أم أن لدينا المشاعر والتفاعلات العاطفية الأساسية نفسها؟ ماذا لو جربت الحياة ليومٍ واحد بعينيّ حيوانك الأليف المفضل؟

تستعرض الكاتبة والمحامية «إفرات ليڤني» ما وصلنا إليه في هذا المجال وذلك في تقريرها على موقع «Quartz»، وما يمكن أن نعرفه عن أفراد مملكة الحيوان الذين يشاركوننا الكوكب.

Embed from Getty Images

تجربةُ أليمة

عندما كان «غريغوري بيرنز» في كلية الطب عام 1990، قتل كلبًا. قطع الأوعية الدموية قرب قلب الحيوان وفقًا لتعليمات أستاذه في التشريح بهدفِ إنهاء معاناة الكلب المسكين. لم يتعافَ «بيرنز» من هذه التجربة تمامًا إلى الآن، وهذا الندم والأسى هو ما دفعه إلى سعيه الحياتي نحو فهم عقول الحيوانات. «غريغوري بيرنز» الآن عالمُ أعصابٍ وبرفسور في علم النفس في جامعة «إيموري» في مدينة أتلانتا بولاية جورجيا.

انطلاقًا من تجربته السابقة، يدافعُ الأكاديميّ والباحث «بيرنز» عن علمٍ ألطف وأكثر رعاية، ويجري أبحاثه للكشف عن أوجه التشابه بين البشر ومخلوقاتٍ أخرى مثل الكلاب والدلافين والفقمات وغيرها. حين يدرب الكلاب على المشاركة في مشاريعه البحثية المتطورة الهادفة لإلقاء الضوء على الحياة الداخلية لهذي الحيوانات، فإنه يعطيهم الخيار في دراسته. إذا اختار الكلب ألا يصعد إلى آلة التصوير بالرنين المغناطيسي «MRI» لإجراء مسحٍ للدماغ، يعطيه «بيرنز» مطلق الحرية في الذهاب في سبيل حاله.

Embed from Getty Images

تعرّج الكاتبة على كتاب «بيرنز» الأحدث الصادر بعنوان «كيف سيبدو الأمر لو كنت كلبًا» والحائز على جائزة «سميثسونيان» لأفضل كتاب علمي عام 2017، عنوان الكتاب يحيل بالطبع إلى مقالة الفيلسوف الأمريكي «توماس ناگل» المؤثرة: «كيف سيبدو الأمر لو كنت خفاشًا» سنة 1974. يقول ناگل أنه حتى مع التقدم الهائل في علم الأعصاب، لن يفهم البشر أبدًا التجربة الذاتية الخاصة بالحيوانات، ويستخدم الخفاش مثالًا رئيسًا على ذلك لأننا مختلفون تمامًا؛ إذ أننا لا نستخدم السونار ولا نطير.

 

Embed from Getty Images

يستخدم الخفاش السونار ويطير، لكن هل يختلف عنا في المشاعر والتجارب إلى الحدّ الذي نتخيله؟

يخالفه «بيرنز» الرأي؛ إذ يعتقد بإمكانية فهم منظور الحيوانات للعالم وتجربتهم الداخلية في الحياة وكذلك بأن لدينا قواسم مشتركة مع حيواناتنا الأليفة والماشية والمخلوقات البحرية أكبر مما نرغب في تخيله. فبعد كل شيء؛ إذا بدأنا بالإقرار بالعالم العاطفي الغنيّ للكائنات الحية الأخرى غير البعيد تمامًا عن عالمنا، سنضطر إلى التشكيك في كيفية تعاملنا معهم وربما سنضطر إلى تغيير سلوكنا أيضًا.

 

عالم الحيوانات الداخليّ

من منظور علماء الأعصاب، ليس من الصعب التعرف على الحالة العقلية لحيوانٍ ما، ولا سيما إذا كان من ضمن مجموعة الثدييات. نحن البشر نختبر عدّة حالات مادية وإدراكية وعاطفية مطابقة لما يوجد لديها.

وعلى الرغم من أن الكلب قد لا يمتلك لغةً يصف بها خوفه أو فرحه، لكن «بيرنز» يحاجج بأنه من الواضح كون هذي الأحاسيس تعتري الكلاب فهم يتعرضون لأحاسيس مماثلة لأحاسيسنا، كما تتسم الكلاب المختلفة بطبائع وخصائص مميزة ما يجعل أي فرد منها أميل إلى التصرف بطريقةٍ معينة أو أبعد عن إظهار سلوكٍ ما-تمامًا كما يتسم البشر بشخصياتٍ مختلفة. يعقّب «بيرنز» في كتابه: «عدم قدرة الحيوانات على وصف الحالات الداخلية لا يعني أنها لا تختبر أشياءً داخلية مشابهة لما قد يختبره الإنسان في ظلّ ظروفٍ مشابهة».

Embed from Getty Images

مثلنا نحن البشر، تمتلك الكلاب شخصياتٍ مختلفة وتعتريها الإحساسات والمشاعر مثل الخوف والفرح

مع ظهور التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي «fMRI» الذي تُدرس به مدى استجابة الدماغ وقياس النشاط العصبي في مناطق الدماغ المختلفة وتسبب بتقدّم فهمنا بشأن الإدراك البشري؛ رأى «بيرنز» فرصةً سانحة لإثبات خطأ «ناگل»؛ إذ سعى إلى الوصولِ لفهمٍ أكبر لمعنى أن يكون الكائنُ كلبًا أو خفاشًا أو دولفينا أو حتى حيوانًا منقرضًا – على سبيل المثال نمر تسماني (ثايلسين)، الذي شوهد لآخر مرة في أوائل القرن العشرين – من خلال فحص بنية أدمغتهم ومقارنتها بما نعرفه عن أدمغة البشر.

الفرضية المُحرَّمة.. هل تمتلك الحيوانات وعيًا مثلنا؟

لتحقيق هذه الغاية، استخدم «بيرنز» تقنيات التصوير لإجراء مسوحات على أدمغة الكلاب أثناء فترات الراحة وخلال المهام المختلفة، وكذلك لدراسة الفقمات التي تناولت سمومًا موهِنة، وفحص بنية أدمغة الدلافين والتي ربما تبدو مختلفةً عنا تمامًا في البداية، لكنها تحمل في الواقع أوجه شبهٍ ملحوظة، وحتى لتحليلٍ الأدمغة المحفوظة من حيوانات الثايلسين المقرضة منذ زمن.

نتيجة كل تلك الأبحاث أعلاه، أوصلت «بيرنز» إلى قناعة بأنه وإن كنا لا نملك تقنية السونار مثل الخفافيش لا يعني أننا قاصرين عن الانتماء لجميع أنواع الحيوانات ومشاركتها، بما في ذلك الخفافيش أو الدلافين أو غيرها من حيوانات تطير أو تسبح أو تستخدم الرصد بالأمواج الصوتية.

تقتبس الكاتبة ما قاله «بيرنز» في كتابه:

يظهر تصوير الدماغ – سواءً من حيث البنية أو الوظيفة – أوجه تشابهٍ كافية لأن يكون معقولًا استنباط أنواعٍ مختلفة من التجارب عبر نطاقٍ واسعٍ من عالم الحيوان. ومع وجود بنيةٍ دماغية مماثلة لتجارب الفرح والألم وحتى الروابط الاجتماعية، نستطيع افتراض أن الحيوانات تختبر هذه الأمور كما نفعل نحن إلى حدّ كبير، على الرغم من عدم وجود كلماتٍ لتلك الحالات الذاتية.

ينوّه «بيرنز» إلى أن مسألة «أحاسيس الحيوانات» قد حُلّت بالفعل، فقد أظهرت الأبحاث معاناة الفئران من الندم، وتقدير الكلاب للثناء بقدرٍ مماثل من تقديرها للغذاء، فضلًا عن قدرة الفقمات على إجراء المسائل المنطقية الأساسية، لكن يبقى لعلماء الأعصاب مسألة تحتاج إلى جواب: هل تمتلك الحيوانات الوعي أيضًا وهل تختبر الإدراك الذاتيّ؟

Embed from Getty Images

إلى أي مدى يمتلك الحيوان وعياّ وإدراكًا بذاتِه؟

 

ماذا بعد؟

تذهب الكاتبة إلى وجودِ مؤشراتٍ تدلّ على أن العقول الكبيرة – القادرة على نقل معلوماتٍ أكثر – ترتبط بالوعي، ليس من الواضح بعد لأيّ عالمٍ إلى مدى يجب أن يصل إليه حجم دماغ حيوانٍ ما لأن يكونَ واعيًا، أو حتى إذا كان الحجم هو العامل المحدّد أساسًا، لكن «بيرنز» يعتقد أنه مع تحسّن التقنية سيتقدّم فهمنا لنشاط الدماغ وتحديد العمليات الدماغية المرتبطة بالوعي.

بعد انتحار قرد في غزة.. لماذا «تنتحر» الحيوانات؟

يفترض «بيرنز» أنه ومع تقدّم قدرات المسح الدماغي سيبدأ الباحثون بقياسٍ كيفية عمل عقول الحيوانات في بيئاتٍ طبيعية أكثر، وفي هذا الشأن يرد في كتابه: «لا نعرف حتى الآن لأي مدى تمتلك الحيوانات وعيًا ذاتيًا، لكني أعتقد أن علم الأعصاب سيجيب قريبًا عن هذا السؤال. قبل ذلك، سيتعيّن على الناس تقرير مقدار الوعي الضروري لتوفير الاعتبارات القانونية – سواء كان مجرد قابلية إحساسية بحتة أو الإدراك الذاتي» – (يمكن أن يمتلك الكائن قدرة على الشعور وتلقّي المنبهات والاستشعار الحسّي لفهم المحيط، ولكن ذلك لا يعني بالضرورة توفّر الإدراك الذاتي).

 

يؤمن «بيرنز» بأننا نعرف بالفعل ما يكفي عن حياة الحيوان الداخلية إلى درجةٍ يجب علينا فيها الدعوة إلى حصولهم على الحقوق القانونية اللازمة، ويشير إلى حالاتٍ متعددة في السنوات الأخيرة تدعم هذا الرأي. على سبيل المثال، فكرة أن الأفيال تستحقّ الحصول على الأهليّة القانونية، وكذلك وجوب النظر إلى رفاهية الكلاب في إجراءات الطلاق.

بالصور.. كيف كانت أشكال وأحجام الحيوانات قبل أن يدجنها الإنسان؟

 

ربما يكون قرارنا محددًا لمصيرنا ومصير أطفالنا

حتى بالنسبة لمن لم يقتنعوا بعد بحاجتنا إلى التفكير بجديةٍ أكبر حينما يتعلقّ الأمر بعلاقتنا بالحيوانات، يقدّم عالم الأعصاب «بيرنز» دافعًا أكبر لهم في هذا الشأن، فكما يرِد في كتابه: «نحن باعتبارنا الإنسان العاقل (Homo sapiens) ربما نصبح قريبًا حيواناتٍ في نظر من يأتون بعدنا»  فالاصطفاء الطبيعي لن يعمل لصالح الأنواع البشرية الراهنة وفقًا لبيرنز.

نحن باعتبارنا الإنسان العاقل ربما نصبح قريبًا حيواناتٍ في نظر من يأتون بعدنا

مع ازدياد عبث البشر بمجال الجينات والتلاعب بالجينوم-تذكر الكاتبة هنا إعلان علماء صينيين عن استخدامهم لتقنية تعديل الجينات لتغيير الحمض النووي لطفلين حديثي الولادة-  يتنبّأ «بيرنز» بأن هنالك نوع جديد سيظهر إلى الوجود، سيكون هذا النوع الحديث أفضل منا بكثير كما نحن أكثر تقدمًا من الشمبانزي اليوم من حيث الذكاء والقدرات وفقًا لما ورد في الكتاب: «سيكون معروفًا نسديه لمن يتبقّى من جنسنا في المستقبل عبر النظر الآن فيما يعنيه أن يمتلك الكائن أحاسيسًا وأيّ حقوق تتبعها».

Embed from Getty Images

ربما كان هذا التحذير مذهلًا أو دراماتيكيًا حينما خطّ «بيرنز» كتابه، لكنه الآن يبدو واقعيًا وفقًا للكاتبة وأقرب للمعقوليّة. الأخبار التي تأتي من عالمِ الهندسة الجينية ومحاولة تطبيقها على البشر هي علامة من علامات العصر، وهو دليلٌ على أن هذه السيناريوهات ليست من الخيال العلميّ الصرف. إذا كان علماء الأعصاب على حقّ، لن يكون البشر قادرين على العيش طويلًا بالتشارك مع أنواع أكثر تفوقًا وقوة، خصوصًا إذا ما عاملونا بالطريقة التي نتعامل بها مع المخلوقات الأخرى.

تختتم الكاتبة بكلمات عالم الأعصاب نفسه: «لاحقا، لن يكون الوقت مناسبًا للتساؤل عما إذا كان الإنسان العاقل يستحق العيش جنبًا إلى جنب مع الـ« hominis» (يقصد النوع المتطّور الذي يفوقنا)، أم أن الإنسان المستقبليّ يجب تنحيتِه إلى حدائق الحيوانات».

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد