نشرت مجلة «ذا نيويوركر» مقالًا لميراندا كارتر، مؤلفة كتاب «جورج ونيكولاس وغليوم: أولاد العم الثلاثة والطريق إلى الحرب العالمية الأولى»، تناولت فيه أوجه الشبه بين قيصر ألمانيا المختل، غليوم الثاني، والرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

تقول كارتر: إن إحدى المواهب القليلة التي كانت لدى القيصر غليوم الثاني، الذي حكم ألمانيا منذ عام 1888 حتى عام 1918، قدرته على إثارة الغضب. إذ كان متخصصًا في إهانة الملوك الآخرين. في إحدى المرات دعا ملك إيطاليا فيكتور إيمانويل الثالث – الذي كان ضئيل الجسد – بـ«القزم» أمام حاشية الملك. ومرة أخرى دعا الأمير فرديناند، أمير بلغاريا الذي أصبح القيصر لاحقًا، «فرناندو نازو» (فرناندو ذو الأنف)؛ بسبب أنفه الطويل، ونشر شائعات بأنه كان مخنثًا.

الجمال فقط هو ما يهمه.. 3 عارضات أزياء في حياة دونالد ترامب

ولما كان غليوم طائشًا، فقد عرف الناس دومًا ما كان يقوله وراء ظهورهم. انتقم فرديناند لهذه الإهانة. فبعد زيارة إلى ألمانيا، عام 1909، صفعه فيها القيصر على مؤخرته في العلن، ثم رفض الاعتذار، منح فرديناند عقدًا قيمًا لشراء الأسلحة لشركة فرنسية، كان قد وعد بمنحه للألمان.

إحدى المواهب القليلة التي كانت لدى القيصر غليوم الثاني، قدرته على إثارة الغضب. إذ كان متخصصًا في إهانة الملوك الآخرين.

Embed from Getty Images

على أنَّ ذلك لم يردع القيصر. فمن بين الأشياء الكثيرة التي كان مقتنعًا بها، على الرغم من جميع الأدلة التي تشير إلى عكس ذلك، أنه بارع الذكاء فيما يخص «الدبلوماسية الشخصية»، فكان يدبر أمور السياسة الخارجية من خلال اجتماعات فردية مع ملوك وسياسيين أوروبيين آخرين.

تقول الكاتبة إنه «في الحقيقة لم يكن غليوم قادرًا على الاضطلاع بالأمور الشخصية أو الدبلوماسية، ونادرًا ما كانت هذه الاجتماعات تنتهي نهاية حسنة. كان القيصر ينظر إلى الناس باعتبارهم أدوات، وكان كاذبًا قهريًا، وبدا فهمه محدودًا للعلاقة بين السبب والنتيجة».

وفي عام 1890 أوقف اتفاقية دفاعية قديمة مع روسيا – الجار الشرقي الضخم والمهدد أحيانًا للإمبراطورية الألمانية. ظن غليوم خطأً أنَّ روسيا مستميتة للحصول على حسن النوايا الألمانية، وأنَّ بإمكانه مساومتهم على ذلك. لكن بدلًا عن ذلك تحالفت روسيا فورًا مع فرنسا، الجار والعدو الغربي لألمانيا.

قرر غليوم أن يغوي القيصر نيقولا الثاني (القيصر «المغفل» و«النوّاح» الذي لا يصلح سوى لـ«زراعة اللفت»، وذلك على حد وصف غليوم) ويتلاعب به ليتخلى عن تحالفه. لكنَّ نيقولا أخبر غليوم عام 1897 أن يذهب إلى الجحيم، وكذا فقد تلاشى التحالف الألماني الروسي.

هل ترامب غبيّ يعاني من جنون العظمة أم عبقري يعرف ما يريد؟

ترامب .. غليوم أمريكا

قالت كارتر: «إنَّ أكثر ما يشتهر به غليوم أنه الرجل الذي أدى بألمانيا إلى الحرب العالمية الأولى. ومنذ صعود ترامب إلى السلطة، وقد عاد غليوم إلى واجهة تفكيرها بسبب إخفاقاته الشخصية، والنتائج العالمية التي قادت إليها».

Embed from Getty Images

وقالت كارتر: «إنَّ تغريدات ترامب على (تويتر) كانت أول ما ذكرها بالقيصر؛ إذ كان غليوم خطيبًا قهريًا دائمًا ما يشذ عن النص المكتوب. حتى موظفيه لم يتمكنوا من منعه، على الرغم من محاولتهم توزيع نسخ من الخطابات إلى الصحافة الألمانية، قبل أن يدلي غليوم بهذه الخطابات، لكن من سوء الحظ أنَّ الصحافة النمساوية كانت تطبع الخطابات كما كان يلقيها، وسرعان ما تتداول الحماقات والإهانات في أوروبا.

كان غليوم يحب أن يقول: «ثمة سيد واحد على هذه الإمبراطورية، ولن أتسامح مع أي شخص آخر» وذلك على الرغم من أنَّ ألمانيا كان لها مجلس نيابي ديمقراطي وأحزاب ديمقراطية. (قال ترامب: «أنا الشخص الوحيد المهم»).

احتفظ القيصر بإساءة خاصة للأحزاب السياسية التي صوتت ضد سياساته؛ إذ قال: «إنني أعتبر كل اشتراكي ديمقراطي عدوًا للوطن»، وأدان الحزب الاشتراكي الألماني بوصفه «عصابة من الخونة»، حتى قال أوجست بيبل، زعيم الحزب الاشتراكي: «إنَّ الحزب يحصل على 100 ألف صوت انتخابي جديد في كل مرة يفتح فيها القيصر فمه».

Embed from Getty Images

عندما أصبح غليوم إمبراطورًا عام 1888، وكان حينها في الـ29 من عمره، كان مصممًا على أن ينظر إليه بوصفه حازمًا وقويًا. كان مهووسًا بالجيش، وأحاط نفسه بالجنرالات (ومع ذلك، مثله مثل ترامب، فإنه لم يكن يحب الاستماع إليهم)، وامتلك 120 زيًا عسكريًا، ونادرًا ما كان يرتدي غيرها. وطور غليوم تعبيرًا حادًا لوجهه للمناسبات العامة والصور الفوتوغرافية – هناك الكثير من هذه الصور؛ لأنَّ غليوم كان يرسل صورًا موقعة وصورًا نصفية لنفسه للكثير من الناس – كما ربى شاربًا مشدودًا للغاية متجه الحواف للأعلى، وقد كان هذا الشارب شهيرًا إلى درجة أنه كان يحظى باسم خاص. (الشارب المنجز).

في الحقيقة فإنَّ غليوم لم ينجز الكثير من الأشياء؛ إذ اتفقت قيادة الأركان العامة للجيش الألماني على أنَّ القيصر «لا يمكنه قيادة ثلاثة جنود على بالوعة». لم يكن للإمبراطور، لا مدى الانتباه اللازم، ولا القدرة على القيادة.

كانت «المشتتات، سواء كانت ألعابًا صغيرة مع جيشه، أو بحريته، أو الصيد هي أهم شيء بالنسبة له»، بحسب ما كتبه أحد معلميه المحبطين السابقين. «يقرأ القليل جدًا بعيدًا عن قصاصات الصحف، ونادرًا ما يكتب شيئًا بنفسه، باستثناء الملحوظات الهامشية على التقارير، ويعتبر أفضل المحادثات تلك التي يجري الانتهاء منها بسرعة».

كانت حاشية القيصر تجمع قصاصات الصحف له، ومعظمها متعلقة بشخصه، وتلك كان يقرأها بهوس مشابه لهوس ترامب بمشاهدة التلفاز. وكان من شأن مقال منتقد له أن يدفع به إلى نوبة من الغضب العارم.

كانت حاشية القيصر تجمع قصاصات الصحف لغليوم الثاني، ومعظمها متعلقة بشخصه، وتلك كان يقرأها بهوس مشابه لهوس ترامب بمشاهدة التلفاز.

فوضى وتفكك

خلال حكم غليوم، بدأت الطبقات العليا في الحكومة الألمانية في التفكك إلى حالة من الشجار العلني الدائم، فكان الوزراء مشغولين بالشحناء ضد بعضهم بعضًا، حتى قال دبلوماسي ألماني: «إنَّ أشد الآراء تناقضًا يجري الآن الحض عليها على أعلى المستويات».

ومما زاد من الارتباك أنَّ غليوم كان يغير موقفه كل خمس دقائق. كان سهل التأثر بشكل كبير، وكان ينزل على رأي آخر شخص تكلم معه، أو آخر قصاصة قرأها، على الأقل حتى يتكلم مع الشخص التالي.

كتب أحد وراء الخارجية، عام 1894: «هذا أمر لا يطاق. اليوم أمر، وغدًا أمر آخر، وبعد أيام قليلة شيء مختلف بالكلية». كان موظفو ووزراء غليوم يلجأون إلى التلاعب والتشتيت والتملق ليتمكنوا من إدارته. قال أحد أقرب أصدقاء القيصر، فيليب أمير ولينبرج، ناصحًا زملاءه: «لجعله يوافق على فكرة ينبغي أن تتظاهروا وكأنها فكرته» وأضاف: «لا تنسوا السكّر» (في كتاب «Fire and Fury» كتب مايكل وولف أنَّ موظفي البيت الأبيض كان يتعين عليهم إقناع ترامب على أنه «فكر في الأمر بنفسه»، إذا أرادوا حمله على اتخاذ إجراء ما).

في كتاب «Fire and Fury» كتب مايكل وولف أنَّ موظفي البيت الأبيض كان يتعين عليهم إقناع ترامب على أنه «فكر في الأمر بنفسه»، إذا أرادوا حمله على اتخاذ إجراء ما.

والأمر الأكثر شؤمًا، أنَّ رعاية غليوم لليمين القومي العداوني جعلته محاطًا بوزراء كان لديهم اقتناع جمعي بأنَّ حربًا أوروبية أمر لا مفر منه، بل أمر مرغوب حتى. وقالت كارتر: إنَّ ألفريد فون تيربيتز، قائد البحرية الألمانية ـ الذي أدرك في لقائه الأول بالقيصر أنه «لا يعيش في العالم الحقيقي» – قد استغل، بوعي، حسد غليوم وغضبه من أجل استخراج مبالغ فلكية ضرورية لبناء بحرية ألمانية تنافس بحرية بريطانيا، وهو مشروع خلق سباقًا للتسلح، وأصبح عقبة كؤود أمام مفاوضات السلام.

Embed from Getty Images

كان القيصر سريع التأثر لكنه لم يكن قط شخصًا يمكن السيطرة عليه. كان يؤكد سلطته بطريق عصية على التوقع، كما لو كان يحاول إثبات أنه ما يزال مسيطرًا على مقاليد الأمور، فيتدخل بشكل سافر في سياسات مستشاريه ويقيل الوزراء دون سابق إنذار. حتى اشتكى أكثر مساعديه خضوعًا، برنهارد فون بولو، لصديق له قائلًا: «لا يمكن أن تكون لديك أدنى فكرة عن الأشياء التي منعتها، ولا كمية الوقت الذي يتحتم عليّ تكريسه لاستعادة النظام حيث خلق سيدنا الفوضى».

انهيار

قالت كارتر: «إنَّ أكثر أسرار القيصر ظلمة أنه كان يعاني من انهيار كامل كل بضع سنوات، بعد أن تكشف تدخلاته وأخطاؤه عن عجزه، أو تتسبب في كارثة. تسحبه حاشيته من الأرض، ويعتزل في أحد قصوره حيث ينتحب، ساجدًا، ويشتكي من تعرضه للظلم. بعد الشكوى كان يلجأ إلى صمت غير معهود. وأحيانًا ما كان يدمع. ثم يعود تدريجيًا إلى إعادة إحساسه بالواقع ـ أو عدم الواقع – وبعد أسابيع قليلة يعود صاخبًا وعنيفًا كما كان دومًا.

Embed from Getty Images

وقالت كارتر: «إنَّ القيصر لم يكن وحده المسؤول عن الحرب العالمية الأولى، لكنَّ أفعاله وخياراته ساعدت على وقوعها. لو كان ثمة صراع عالمي على وشك الحدوث، فأنت لا تريد شخصًا نرجسيًا يتحكم في قوة عالمية. كانت حساسية غليوم المفرطة، وعدم قابليته للتنبؤ، وحاجته إلى الحصول على اعتراف، هذه الأمور ضربت وترًا حساسًا لعناصر في ألمانيا، كانت في حالة شبيهة بتشنج المراهقين، مجموعات سريعة الإحساس بالإهانة، وتشعر بالحماسة من فكرة استعراض العضلات، ومليئة بشعور بالاستحقاق».

في الوقت ذاته، أثار موقف غليوم التوترات في أوروبا. وأثارت دبلوماسيته الشخصية الخرقاء شكوكًا. تحالفه مع اليمين المتطرف، وإعجابه المهووس بالجيش، دفع البلاد ببطء إلى حافة الحرب. وما إن وقعت الحرب، حتى طرحت الحكومة والجيش القيصر جانبًا.

وقالت كارتر: إنَّ الضرر الأكبر وقع بعد تنازل غليوم عن العرش، في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) 1918. (قضى بقية حياته في وسط هولندا – ذلك أنه عاش حتى عام 1941). إذ غرقت ألمانيا المهزومة في سنوات من الكساد، وزادت حدة مشاعر الاستياء، وترسخت الكذبة السامة بأنَّ النصر المستحق في الحرب قد «سرق» من ألمانيا. أما بقية القصة فهي كما يقولون يعرفها القاصي والداني.

الدرس الوحيد من القيصر غليوم الثاني قد يكون أن مغادرة ترامب للسلطة ربما لا تكون نهاية للمشكلات التي جلبها أو فاقمها، ربما تكون تلك البداية فحسب.

واختتمت كارتر بالقول إنها لا تقترح أنَّ ترامب على وشك البدء في حرب عالمية ثالثة، لكنَّ التطورات الخارجية الأخيرة – التقلبات الشديدة مع كوريا الشمالية والتخلص من الاتفاق النووي مع إيران، وتهديد الحرب التجارية مع الصين – كل ذلك يشير إلى اضطرابات من شأنها أن تخرج سريعًا عن السيطرة الأمريكية.

يفترض بعض منتقدي ترامب أنَّ هذه الأزمات المتصاعدة ربما تتسبب في تراخي قبضته على الرئاسة أو حتى فقدانه لها. ومع ذلك فإنَّ الدرس الوحيد من القيصر غليوم الثاني قد يكون أنَّ مغادرة ترامب للسلطة ربما لا تكون نهاية للمشكلات التي جلبها أو فاقهمها، ربما تكون تلك البداية فحسب.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
s