نشرت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية تقريرًا عن كتاب تاريخي حديث الصدور يسعى لتسليط الضوء على صفحة منسية من محاولات التعاون بين العرب، واليهود المزراحيين (المشرقيين) في فلسطين في فترة الانتداب البريطاني. قال التقرير:

من شأن المشاعر التي عبر عنها السياسي الفلسطيني جمال الحسيني، في مقاله الذي كتبه عام 1922 في صحيفة الصباح العربية، أن تدهش الكثيرين، بعد مرور 95 عامًا على صدورها. فقد طلب الحسيني في مقاله المعنون «تعالوا إلينا»، من اليهود المزراحيين (يهود الشرق الأوسط ومنطقة شمال أفريقيا) أن يشكلوا جبهة واحدة مع العرب ضد الحركة الصهيونية.

وكتب الحسيني: «إننا نفتح أذرعنا اليوم لمواطنينا اليهود، الذين فهموا أهداف الحركة الصهيونية والضرر الذي سوف تحدثه، ونقول لهم: تعالوا إليها! نحن أصدقاؤكم! لديكم نفس حقوقنا في فلسطين، ونفس واجباتنا… لأننا نتشارك معكم نفس الوطن، سواء أحب الصهاينة ذلك أم كرهوه».

ولما زادت قوة الحركة الصهيونية، وتنامى الخوف بين العرب من طرد الصهاينة لهم من فلسطين، سعى الحسيني لاستقطاب اليهود المزراحيين من خلال التأكيد على الانفصال بينهم وبين اليهود الأشكناز، وتسليط الضوء على القرابة بينهم وبين العرب الفلسطينيين.

وقال التقرير: بعد مرور كل هذه السنوات، يبدو من الصعب أن نعرف إذا ما كانت رؤية الحسيني لتحالف يهودي عربي تحظى بأي فرص للنجاح. كتب لمقاله أن تختبئ في أرشيف مترب، وأن تستدعى قراءتها الآن، خليطًا مؤلمًا من المشاعر والحنين إلى الماضي، بالنظر إلى كل الدماء التي أريقت بين اليهود والعرب في الفترة التي امتدت لما يقارب القرن منذ نشر المقال.

سوف يشهد هذا العام المئوية الأولى لوعد بلفور، والذكرى الـ70 للتصويت على خطة الأمم المتحدة لتقسيم فلسطين، والذكرى الـ50 لحرب الأيام الستة. وبهذه المناسبة يسعى بحث تاريخي جديد لتسليط الضوء على بعض من الأصوات المنسية التي كان جزءًا من الخطاب اليهودي العربي الحي في فلسطين أثناء فترة الانتداب البريطاني.

وقال البروفيسور موشيه ناعور من جامعة حيفا: «تحدثت هذه الأصوات عن خيار آخر، عن طريق غير مطروق، تمركز حول هوية يهودية عربية مشتركة. من المهم أن نعترف بهذه الأصوات، خصوصًا بالنظر إلى الواقع المتشظي الذي نشهده حاليًا». وأضافت الدكتورة أبيجيل جيكوبسون من معهد فان ليير: « نريد أن نؤكد على عمق هذا النقاش وألا ننظر للانقسام بين العرب واليهود على هذا المستوى التبسيطي».

نشر الكتاب المشترك لناعور وجيكوبسون، والمعنون «جيران شرقيون: اليهود والعرب الشرق أوسطيون في فترة الانتداب البريطاني» شهر ديسمبر (كانون الثاني) الماضي. ويشتمل الكتاب على ثروة من الأمثلة لمحاولات خلق حوار بين العرب واليهود المزراحيين ــ وهي جهود ركزت على التقارب العرقي، واللغوي، والثقافي، والجغرافي، على الرغم من التوترات بين الحركة الصهيونية والحركة الفلسطينية.

توسط المزراحيين

انقسم اليهود المزراحيون الذين عاشوا في فلسطين في فترة الانتداب البريطاني ــ التي استمرت من شهر أبريل (نيسان) 1920، حتى شهر مايو (أيار) 1948 ــ إلى أقسام ثلاثة: أحفاد اليهود الذين وصلوا بعد طردهم من إسبانيا والبرتغال: والمهاجرين من البلاد العربية، واليمنيين. مع بداية حقبة الانتداب البريطاني كان أولئك اليهود المزراحيون يشكلون ما نسبته 40٪ من السكان اليهود في فلسطين. ومع وصول موجات جديدة من أوروبا، تناقصت هذه النسبة بنحو الربع.

أظهر التعاون السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي الموثق في الكتاب ــ كيف أنَّ بعض الناس في ذلك الوقت كانوا يتطلعون إلى خلق «شرق أوسط جديد» يستفيد فيه اليهود المزراحيون من هويتيهم اليهودية والعربية للتوسط وسد الفجوة بين الشعبين والحركتين.

كان أحد أولئك الأشخاص ديفيد أفيسار، وهو تربوي وكاتب من أصول عراقية يهودية. أكدت منظمة رواد الشرق، التي كان أفيسار يرأسها، على أنَّ اليهود المزراحيين لطالما عاشوا مع العرب في «أخوة وصداقة»، وأنَّ «الغرباء يسعون لبذر الشقاق بينهم».

نشر أفيسار بيانًا، عام 1923، بعنوان «المسألة العربية»، ناقش فيه «التقارب العرقيي والثقافي بين الشعبين ــ اليهود والعرب» و«إمكانية إقامة حياة مشتركة في فلسطين».

ونشر أفيسار عام 1929 – وهو العام الذي وقعت فيه أعمال شغب الجليل التي هزت يهود فلسطين في ذلك الوقت – خطة لدولة ثنائية القومية، سماها «مقترحًا للتفاهم والاتفاق مع عرب فلسطين»، كتب أفيسار أنَّ اليهود المزراحيين ينبغي لهم أن يتكلموا مع العرب مباشرة، وكان شديد الانتقاد لليهود الأشكناز القادمين من أوروبا، الذي فعلوا ما فعلوا «دون علم هذه الجماهير» ودون مراعاة «الوجود العربي الذي استمر في فلسطين لألف وثلاثمائة عام».

دعت خطة أفيسار للإعلان عن دولة واحدة على كلا ضفتي نهر الأردن، يعيش فيها اليهود والعرب، الذين يتشاركون «العرق، والعقيدة، والتاريخ، واللغة، والأمل» جنبًا إلى جنب.

وتساءل التقرير: هل كان يمكن لرؤية، كتلك التي كانت لأفيسار، الذي ناصر التعاون الثقافي والاجتماعي بين اليهود والعرب، أن تفعل أي شيء لمنع تصعيد الأعمال العدائية بين الشعبين؟

قالت جيكوبسون: «بصفتي مؤرخة، فإنني حذرة من الانجراف وراء هذا الحنين المسكر الذي قد يكون مضللاً. لكنَّ بحثنا يشير إلى أنَّ هذا الأمر كان ينطوي على فرصة ضائعة».

وقال ناعور: «في ضوء المد القومي اليهودي والعربي، الذي كان شديد القوة، فإنَّ هذه الأصوات لم يكن لها فرصة للنجاح. لكن من المهم الاعتراف بوجهة النظر القائلة إنه من أجل تحقيق السلام، فإننا بحاجة إلى الاعتراف ببعضنا البعض واحترام بعضنا البعض».

أحد الأصوات البارزة الأخرى، في العصر ذاته، كان إلياهو (إلياس) ساسون، الذي جاء إلى فلسطين من سوريا عام 1927 وترأس القسم العربي للقسم السياسي بالوكالة اليهودية (وأصبح لاحقًا، عضوًا في الكنيست، ودبلوماسيًا). فقد كتب ساسون عام 1928: «ثمة مسؤوليات جسام على عاتق اليهود السفارديين الناطقين بالعربية في عملية نهضتنا القومية» وذلك لأنَّ اليهود الأوروبيين «غريبون عن تقاليد هذه الأرض ولا يعرفون لغتها».

«مؤامرة ضد الصهيونية»

التقى ممثلون لمجموعات من اليهود المزراحيين، عام 1932، في يافا لمناقشة عقد «قمة يهودية عربية». ونشرت جريدة العالم الإسرائيلي، التي كانت تصدر من بيروت، تقريرًا عن المبادرة وقالت إنَّ يهود الأراضي العربية سوف يتوصلون لتفاهم مع العرب الفلسطينيين لأن «نفسيتهم، وعاداتهم، وتقاليدهم لا تختلف في جوهرها عن تلك التي للعرب».

لم تحظ هذه المبادرة بالكثير من الاهتمام بين اليهود في فلسطين. كان محرر هآرتس، موشيه جلوكسون، من بين القلائل الذين أشاروا إلى المبادرة علنًا ووصفها بأنها «مؤامرة ضد الصهيونية» وقال إنَّ العرب كانوا يحاولون استخدامها «لكسر جبهتنا القومية، وللاتفاق مع يهود الشرق ضد إخوتهم الأشكنازيين».

أسقطت المبادرة في النهاية. لكن كان هناك عدد قليل ممن لم يكونوا على استعداد للتخلي عنها. إذ نشر الأستاذ في شؤون الشرق الأوسط يوسف يويل ريفلين، والد الرئيس الإسرائيلي الحالي، رؤوفين ريفلين، عام 1942، بعد هذه المبادرة بعقد من الزمان، مقالاً متفائلاً في مجلة هيد هاميزراح قال فيه: «إنَّ نمط حياة العامل اليهودي المزراحي يشبه نسبيًا نمط العامل العربي في فلسطين. … وليس وجه الشبه مقتصرًا على اللغة المنطوقة فحسب، وإنما على اللغة العقلية أيضًا … على طريقتهم في التفكير وأسلوب الحياة. في مكان ذي لغة واحدة … وأسلوب واحد للتفكير، فإنه ما يزال ثمة إمكانية لإيجاد حل».

وعبر ديفيد أبو لافيا، رئيس مجلس الجالية السفردية في القدس، عن موقف مشابه بعد ذلك بأربع سنوات حين قال: «إننا نضطلع بدور خاص في مصير الصهيونية فيما يتعلق بعقد علاقات سلمية وتفاهم مع عرب هذه البلاد. سوف نكون قادرين على تقديم مساعدة مهمة في تعزيز التعاون على أساس العلاقات المتكافئة بين هذين الشعبين الشقيقين».

ومع ذلك، فلم يمض وقت طويل على ذلك حتى كان هذا الأمل قد اختفى، عندما صوتت الأمم المتحدة على خطة التقسيم التي مهدت الطريق لإنشاء إسرائيل. كل هذه الكلام الحلو عن التعاون والتفاهم حل محله تقارير عن الشغب والقتل والنهب ضد اليهود في البلاد العربية. فر مئات الآلاف من ديارهم لفلسطين. وترتب على ذلك خلال حرب الاستقلال، أنَّ الكثير من السكان العرب إما فروا أو طردوا.

بعد مرور حوالي 70 عامًا، بدأت الأصوات التي تقترح طريقًا آخر، والتي بدا أنها قد اختفت تمامًا، في معاودة الظهور، في الكثير من المطبوعات. كان عنوان النسخة الصيفية لعام 2016 من مجلة زمانيم «اليهود والعرب في الشرق الأوسط» وجاء في المقالة الافتتاحية «لا يمكن لأي فحص للتاريخ المشترك بين اليهود والعرب في الشرق الأوسط أن يتجاهل الحروب ومحو مجتمعات تاريخية قديمة. لكنه لا يمكنه أيضًا أن يتجاهل التعاون والخبرات الذاتية المشتركة».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد