الطبيعي أن تسود علاقة من الود والألفة والمحبة بين الوالدين وأطفالهم وبين مختلف أفراد الأسرة، لكن هناك حالات يسود فيها الشقاق وتحضر الكراهية. تستكشف صحيفة الجارديان في تقرير للكاتبة «ليزي سيرنيك» ما يمكن أن يؤدي إلى القطيعة بين المرء ووالديه، من خلال مجموعة من التجارب الشخصية تحكيها الصحيفة على لسان أصحابها.

قطعت علاقتي بأمي

تبدأ الكاتبة بالحديث عن فتاة تدعى لورا، كانت طفلة تتوق لحب والديها غير المشروط، ولكن بدلاً من أحضان الوالدين الدافئة والنزهات العائلية، فإن ذكرياتها التي لا تنسى تدور حول الخلافات المريرة. وتفسر لورا سبب ذلك فتقول: إن أمها لم تكن تريد أطفالاً، وأنها أخبرتها أن السبب الوحيد وراء عدم إجهاضها هو أنها اكتشفت أمر الحمل بعد فوات الأوان، كما ترك والدها المنزل وهي لم تزل صغيرة للغاية.

وتتابع الصحيفة: انْفَرَطَ عَقْدُ العلاقة بينهما تمامًا عندما بلغت لورا سن المراهقة، وتذكر: «كان حب أمي الأول الرجال دائمًا، وعندما كنت في سن الخامسة عشر، انتقلت إلى أفريقيا بحثًا عن صديقها دون أن تخبرني»، وهو أمر وجدت لورا أنه من المستحيل أن تغفره لها، خاصة أنه لم يكن هناك أي تفسير أو اعتذار، وأضافت: «تتصل بي أمي دائمًا منذ ذلك الحين ولكن ليس لشيء سوى طلب المال، لهذا السبب اتخذت القرار بقطع جميع العلاقات معها». 

Embed from Getty Images

أكره أبي

وتضيف الصحيفة إن لورا أرجعت سلوك والدتها إلى ظروف تنشئتها المؤلمة، لكنها لا تستطيع أن تقدم نفس العذر لأبيها، وكما تقول فقد كانت طفولة والدها أكثر دفئًا، لكن لم تكن لديه أي مشاعر أو تعاطف مع أي شخص، ولم تتحدث معه منذ سبع سنوات، وعلى الرغم من أنها قريبة من والديه اللذين شجعاها هي ووالدها على إصلاح العلاقة المتضررة، لكن ذلك لم يجلب لها إلا المزيد من الألم، وتقول: «بعد أن هجر أمي، شرع في تكوين أسرة جديدة؛ وكان ذلك صعبًا للغاية بالنسبة لي، في وقت لم يبذل فيه جهدًا كافيًا معي».

وتنقل الصحيفة عن لورا: «لقد كان لمشاكلي مع أمي وأبي تأثير سيئ على صحتي النفسية طوال حياتي، وأزور معالجًا نفسيًا الآن بانتظام لمحاولة مساعدتي في التعامل مع تلك المشاعر»، وتقول إنها لن تدعو أيا من والديها عندما تتزوج العام المقبل، وتضيف: «أسفي الوحيد أني لم أخبر والدي كم كرهته، أنا لا أكره أمي؛ لكن أشعر بالأسف لها وأتمنى أن تدرك ما فعلته».

أمي حرمتني الحنان

وتنتقل الصحيفة إلى تجربة ثانية فتقول: قد يبدو أن إنهاء كل العلاقات مع أحد الوالدين أمرًا متطرفًا، ولكن بالنسبة إلى أليس، فقد كان ذلك بمثابة الحفاظ على الذات، وكما توضح: «لقد غادر والدي عندما كنت في الثامنة من عمري ولم أتحدث إلى أمي مرة واحدة منذ أن انتقلت إلى ألمانيا قبل 10 سنوات، لم تكن تمنحني أمومتها، وكان مزاجها سيئ للغاية، ودائمًا ما تُنفس عن غضبها فيّ، ولم تكن أبدًا حنونة وشعرت بأنني غير محبوبة»، ومثل لورا، تعتقد أليس أن والدتها قد مرت بطفولة بائسة، مما يعني أنها كانت تفتقر إلى الأدوات العاطفية لتكون أمًا جيدة.

وتضيف الصحيفة: بعد أن كبرت أليس وأصبح لديها ابنة، ازدادت علاقتها بأمها سوءًا، فقد أصبحت أكثر وعيًا بمدى إهمال أمها لها، فلم تأت والدتها أبدًا لرؤية حفيدتها، لكنها دشنت روابط وثيقة مع عائلة ابنها الجديدة، وتقول أليس: «لقد آلمني أنها بذلت جهدًا لقضاء بعض الوقت مع أطفال أخي وليس أطفالي، ومع مرور الوقت، تعاملت مع حقيقة أنها لم تحبني أبدًا، وأنا لا أكرهها أو أشعر بالأسف لها؛ لكني فقط لا أريدها في حياتي بعد الآن».

أبي لا يمتدحني

وتمضي الصحيفة إلى التجربة الثالثة فتقول إن آندي لم يتحدث مع والدته منذ 25 عامًا، بعد أن توقفا عن التواصل في أوائل العشرينات من عمره، بالنسبة له كانت المشكلة عدم الاحترام وافتقاد القيم المشتركة، ويقول آندي: «نشأت في منزل لا مجال فيه للاستماع إلى الأطفال الذين يجب أن يظلوا تحت المراقبة، وكان رأي والدي هو الرأي الصحيح الوحيد، وكنا نتناول العشاء في صمت ولم يشجعني والداي أبدًا في اهتماماتي أو أنشطتي»، وكما يقول فإن أبيه لم يمتدح أبدًا إنجازاته، ولكنه كان فقط يتعرض للانتقادات عندما يرتكب أشياء خاطئة، ويضيف: «مهما فعلت، فلم يكن ذلك جيدًا بما يكفي، وإذا قمت بعمل جيد في شيء ما، فسيتعين على والدي دائمًا أن يثبت أنه أفضل».  

Embed from Getty Images

قوانين البيت الصارمة

وتشير الصحيفة إلى أن قوانين المنزل كانت صارمة، حيث يؤمر بالذهاب إلى النوم بحلول الساعة الثامنة مساءً كل ليلة، حتى في سن السادسة عشرة، ولكن بدلاً من النوم، وجد آندي نفسه يستمع إلى الراديو هربًا من الملل، وسرعان ما أصبح مهتمًا بالشؤون والسياسة، مما أعطاه نظرة ثاقبة للعالم، وكما يقول: «لقد جعلني ذلك أدرك أن آراء والدي كانت متغطرسة ومتحيزة جنسيًا ومتعصبة وعنصرية، ولم يُسمح لي أبدًا بالتعبير عن أي رأي مخالف لوجهة نظرهم وإلا سيتم إرسالي إلى غرفتي».  

توفي والد آندي عندما كان عمره 18 عامًا، لكنه لم يشعر بأي شعور حقيقي بالخسارة، ويوضح: «كنا نعيش في نفس المنزل لكننا لم نتحدث منذ أكثر من عام، لا أستطيع أن أقول إنني أشعر بالأسف لفقدانه، كان سيئًا لدرجة تجعلك تكره وجوده». 

وتتابع الصحيفة: بعد عدة سنوات، تخرج آندي في الجامعة واشترى منزلاً، وكما يقول: «كنت فخورًا به جدًا لكن أمي أخبرتني أن المنزل بشع، وقالت إنه يبدو كمسكن البلدية وسألت عن سبب رغبتي في العيش في أحد الأحياء الفقيرة»، ومع تقدم حياته المهنية، أصبحت والدته أكثر انتقادًا له وقارنته باستمرار بأخيه.

ويتابع آندي: «كنت في الحادية والعشرين من عمري وشعرت بالنجاح الذي حققته لكنها شعرت بالخزي من كل ما فعلته لأنه لا يتناسب مع مُثُلها الساذجة»، وفي النهاية، توقف عن الاتصال بكل من والدته وشقيقه ولم ينظر إلى الوراء أبدًا، وعلى حد تعبيره: «لم يكن قرارًا صعبًا حقًا لأنه لم يكن لدينا أي شيء مشترك ولم يقبلوني أو يقبلوا خيارات حياتي».  

وتلفت الصحيفة إلى أن آندي يدرك لماذا يرى البعض هذا القرار مفاجئًا، بينما لا يهتمون بالحفاظ على تلك العلاقة بالأساس: ويوضح: «أشعر بأن رؤية الوالدين تحت الإكراه أو من قبيل تأدية الواجب أمر خاطئ، إذا لم تبذل جهدًا كافيًا لبناء علاقة مع أطفالك، فلا أعتقد أنه يمكنك توقع دعمهم لك».

الطلاق يؤذي الأطفال

وتضيف الصحيفة: بالنسبة لأسر أخرى، فإن الصدع يكون نتيجة طلاق الوالدين، كما في حالة هيلين التي فقدت اتصالها باثنين من أطفالها الأربعة هذا العام، بعد إنهاء علاقة مسيئة عاطفيًا مع والدهم، وتقول: «منذ انفصالنا في عام 2011، بدأت عملية بطيئة للنفور من الوالدين، ابني لم يتحدث معي منذ أبريل (نيسان) وابنتي الوسطى تتجاهلني الآن».

Embed from Getty Images

وتشير الصحيفة إلى أن هيلين تعتقد أن شريكها السابق قد استخدم نفس أساليب التلاعب على أطفالها كتلك التي دمرت زواجهما، وتقول: «خلال فترة التلاعب النفسي التي امتدت لسنوات عديدة، كان زوجي السابق يقول الأكاذيب عن سلوكي للأصدقاء والعائلة، وأخبرهم ذات مرة أنني كنت في حالة سكر ولدي ميول انتحارية وأني اختفيت، بينما كنت حينها قد ذهبت إلى السوبر ماركت».

 وتسرد الصحيفة كيف ساهم زوجها السابق في نفور الجميع منها، وكيف كان يتم تصديق جانب زوجها من القصة وشعورها بالغربة عن عائلتها، وتقول: «لقد أثر الطلاق على الأطفال بشكل كبير، وألحق بهم أضرارًا عاطفية».

وتشير الصحيفة في ختام تقريرها إلى أنه ورغم أن انقطاع الاتصال بأطفالها كان تجربة مؤلمة للغاية، إلا أنها لا تلوم أطفالها، فهذا ليس خطأهم – بل ذلك ما تعلموه من والدهم، وترغب في أن تتاح لها فرصة لإعادة التواصل مع أطفالها، لكنها لا ترى كيف سيحدث ذلك، وحسب قولها: «في الوقت الحالي أشعر أنني أقف بالخارج وهم داخل غرفة زجاجية، أنا حقًّا أفتقدهم». 

«أنت لا تفهميني».. لماذا تتدهور العلاقات أحيانًا بين الأم وابنتها؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد