يُعَد جواب هذا السؤال: «متى يبدأ المستقبل؟» مهمًا. وهو، بالمناسبة، «ليس الآن»؛ لأن البشر عادةً ما يكونوا أكثر تركيزًا على الوضع «الحالي»، وهو ما لا يُعد عيْبًا؛ إذ إنَّ الفشل في استغلال الفرص وتجاوز العقبات في هذه اللحظة قد يكون شيئًا خطيرًا.

ومن منظور تطوري، فإنَّ جميع الناس اليوم ينحدرون من أجداد اهتموا كثيرًا بـ«الوقت الراهن»، ولذا لم يصبحوا طعامًا سهلًا لأي مفترس في طريقهم؛ بينما يتأملون المستقبل.

في الوقت نفسه، فإن المستقبل غالبًا ما يكون في عقولنا، فكثير من الحياة اليومية له معنى في جزء كبير منه بسبب ما ينطوي عليه الحاضر؛ مما قد يصبح عليه المرء في المستقبل.

إن الواجب المنزلي ذو مغزى وقيمة باعتبارِه خُطوةً نحو المستقبل، وإلا سيكون غالبًا مجرد عمل روتيني يمكن التنصل منه.

فالحصول على درجات عالية، والبقاء بصحة جيدة، أو حتى الادخار لوقت التقاعد عادةً ما يتطلب عملًا في الوقت الحاضر، ثم الاستمرار مع مرور الوقت. إنَّ ما نحتاجه اليوم للاستمرار في وجه الشدائد هو جعل المستقبل ذاته جزءًا من اللحظة الحالية، ومتصلًا بالحاضر بدلًا من كونه لاعَلاقة له به، وهو ما يدفعنا للمُضي قدمًا في مواجهة هذه الشدائد.

من خلال سلسلة من التجارِب، وتدخل مدرسي موجز، أشار المختبر الخاص بي إلى أنَّ شعورنا ببَدْء المستقبل يمكن تغييره ليعزز ما نسميه «الحافز على أساس الهوية» أو(IBM)، فيمكن جعل الشعور بالمستقبل وثيق الصلة بالحاضر؛ بل وجزءًا منه.

وبصورة حاسمة، يمكن أنْ يُنتج هذا الشعور المرن بالمستقبل تغيرات في السلوك حاليًا، وفيما بعد على حدٍ سواء.

ولإجراء هذه الدراسة، تعاملنا بدايةً مع طلاب الأقليات، ذوي الدخل المنخفض، في المدرسة الإعدادية؛ وقمنا بتقسيمهم إلى مجموعة الاختبار، ومجموعة المراقبة. وشارك الطلاب، الذين كانوا جزءًا من هذه الدراسة، في عددٍ قليلٍ من الأنشطة التي تتطلب منهم مراعاة الإستراتيجيات والهُويات الأكاديمية.

حيث إنَّ هُوِيات وإستراتيجيات اليوم هذه تم ربطها بمثيلاتها في السنوات القادمة، وبهُوِياتِهم عندما يكبرون أيضًا.

ذهب الطلاب -في مجموعة المراقبة- كالمعتاد إلى المدرسة، وهم يعانون من الصعوبات المعتادة في الواجبات الدراسية، وفي نفس الوقت يفكرون كذلك في مستقبلهم حينما يكونون متحررين بطبيعة الحال من أي تدخل منظم.

قبل إجراء الدراسة، لم تختلف كِلا المجموعتين في أيٍّ من القياسات التي قمنا بها من حيث: الدرجات، الحضور، إتمام الواجب المدرسي، السلوك. وبعد 12 أُسبوعًا من الدراسة حصل الطلاب -في مجموعة الاختبار، والذين تعلموا دمج أفكارهم عن المستقبل بالحاضر- على درجات أفضل، وقضوا وقتًا أطول في أداء واجبهم المدرسي، وأبدوا حضورًا أفضل، كما حققوا معدلاتٍ أعلى في الاختبار الموحد. فوجدنا أنَّ الطلاب الذين تعلموا التفكير في مستقبلهم عندما يكبرون، كشيء قريب ومتصل بالحاضر، حققوا معدلاتٍ عاليةً من الإنجاز. حيثُ قاموا بعرض الصعوبات كضرورة بدلًا من كونها مستحيلًا، وكانوا ينظرون إلى الواجب المدرسي من منطلق النهوض بحياتهم.

وبالإضافة إلى ما سبق فإنَّ متابعة الدراسة مع الطلاب الجامعيين أظهرت نفس الشيء. لكنْ هُنا تمَّ توجيه الطلاب من خلال التخيُّل.

فطُلِب من الطلاب التفكير في أنفسهم في إطار جامعة تتيح للطلاب الحصول على ما يرغبون من التخصصات، والدرجات، والنتائج.
وطُلًب من آخرين تخيُّل جامعة تتسبب في الإحباط والفشل للطلاب. لاحقًا، طُلِب من الطلاب بشكلٍ عشوائي التفكير في النسخة المرغوبة، أو غير المرغوبة من مستقبلهم. وكما تنبأنا؛ كان من المهم إنشاء عَلاقة بين الحاضر والهُويات الممكنة في المستقبل.

فإذا تمّ توجيه الطلاب للتفكير في أفضل ما يمكن أن تكون عليه هوياتهم في أكثر الأوضاع الجامعية ملائمةً، كانوا أكثر تركيزًا على الدراسة والواجب المدرسي، وكانوا يَرَون الصعوبة فيه كعنصر في الطريق إلى النجاح.

وفي مجموعة أخرى من الدراسات، كان على الطلاب الجامعيين تخيُّل مستقبلهم بعد أربع سنوات من الآن في إطارالأشياء القائمة، بالإضافة إلى تلك التي قد تكون فيما بعد ـسواء أكاديميًّا أو اجتماعيًّاـ ثم كان عليهم كتابة ما تصوروه على ورقة. وكان بعض تلك الأوراق مطبوعًا عليه مسبقًا رسم توضيحي لحاويات أو رسم توضيحي لمسار؛ بينما الأوراق الأخرى لم يكن عليها أي رسم على الإطلاق.

وجدنا أنَّه عندما تخيل الطلاب مستقبلهم الأكاديمي كما يرغبون، ثم كتبوا حول هذا الأمرعلى ورقة -موضّحًا بمسار- كانوا أكثر دراسةً، وأكثر طلبًا للمساعدة، ومن ثمَّ حصلوا على درجات أفضل في الاختبار التالي.

إنَّ تخيُّل مسار من الحاضر إلى المستقبل يثير الشعور بأنها رحلة حقيقية. إذ يُعَد سير الناس في مسارات فعل واقعي محدد؛ في حين المستقبل فكرة مجردة، لا تتضح احتياجاته ومتطلباته. فعندما عبّر الطلاب عن أنفسهم في المستقبل من خلال مسار، كان الأثر الإيجابي لهذا الخيال قويًّا من حيث النجاح الفعلي في المدرسة.

لكن لماذا وُجِدت هذه الآثار الإيجابية، على الأكاديميين، فقط للمشاركين الذين تخيلوا مستقبلهم في سياق مسار؟

افترضنا أنَّ الفائدة جاءت مما نعرفه عن الرحلات والمسارات، وبالفعل وجدنا أنَّ المشاركين أبدوا شعورًا بكونهم متأكدين من معرفة كيفية التجهيز والانطلاق في رحلة أكثر من معرفتهم كيفية التخطيط لمستقبلهم.

اكتشفنا أيضًا أنَّ الخيال بما ينطوي عليه من قوة شخصية هو المِفْتاح. وللوصول إلى ذلك الاستنتاج؛ أعطينا بعض الطلاب أوراقًا بها شخص يمشي في مسار، وآخرين أوراقًا بها صورة لقطار يمر على شريط. وبالفعل ظهرت فائدة «المشي في مسار»؛ أما لأولئك الذين طُلِب منهم تخيُّل التجرِبة السلبية بـ«استخدام قطار الكلية»، اختفى ذلك التأثير.

وفي الآونة الأخيرة تساءلنا ما إنْ كان جعل الشعور بالمستقبل متصل بالحاضر سيدفع للعمل حتى على الأهداف بعيدة المدى، مثل الادخار للتقاعد.
طلبنا أولًا من الطلاب، والكبار -من غير الطلاب- تخيُّل أنفسهِم في كلٍّ من هذه المواقف الثلاثة: التجهيز لعيد ميلاد، الادخار لأجل الزواج، والتحضير لعرض تقديمي في العمل (أو لاختبار منتصف الفصل الدراسي بالنسبة للطلاب)، وفي نهاية كل سيناريو كان على المشاركين كتابة متى سيجري هذا الحدث في مساحة فارغة.
كان يلي المساحة الفارغة نصف المدة بأصغر وحدة زمنية، والنصف الآخر كان أكبر وحدة زمنية. ولذا فلأجل إعدادات عيد الميلاد؛ أجاب نصف الناس من حيث الأيام، والنصف الآخر من حيث الشهور. ولأجل الزواج أجاب النصف من حيث الشهور، والنصف الآخر من حيث السنوات.

أظهرت هذه الدراسات أنَّ الناس يتعاملون مع المستقبل الذي يجهزون له كشيء قريب عند التفكير فيه من خلال الوحدات الزمنية الأصغر. تفقّدنا أيضًا الحالة العكسية: عندما يكون توقيت الحدث المستقبلي واضحًا، لكن غير الواضح هو متى يبدأ الإعداد له.
اختبرنا ثلاثة سيناريوهات مختلفة: الادخار للتعليم الجامعي لمولودك بعد 18 عامًا، الادخار لأجل تقاعدك بعد 30 عامًا، أو الادخار لأجل التقاعد بعد 40 عامًا. مرة أُخرى وجدنا أنَّ التفكير من حيث الأيام جعل الناس يشعرون بأنهم أقرب للمستقبل، وأقل احتمالًا للشعور بأنَّ حاضرهم ومستقبلهم ليسا لنفس الشخص. وهو ما تمَّ ترجمته إلى استعداد وحِرص أكثر على التجهيز لهذا المستقبل.

خطط الناس للبدْء في الادخار من أجل التعليم الجامعي لطفلهم بعد أكثر من سنة عند التفكير في السنوات بدلًا من الأيام، ولتقاعدهم الخاص بعد سنتين أو سنتين ونِصف عند التفكير في الأيام. في المتوسط، بدأ الناس بشكل أسرع بمعدل أربع مرات عند التفكير في الأيام بدلًا من السنوات.

ويُعد هذا مهمًا لأنه على الرغم من أنَّ الخطط قد لا تتحقق دائمًا، يميل الناس إلى التقليل من قيمة الفائدة المُرَكبة. إذ تُعتَبر تلك السنوات الإضافية مهمة ليس لأجل كم الأموال المُدخَر فيها؛ لكن لمُضاعفة الوقت المُضاف.

وعَبْر الدراسات يبدو الجواب واضحًا: على الرغم من كوْن المستقبل سيبدأ مؤخرًا، إلا أنَّ طريق النجاح فيه هو جعل الشعور بالمستقبل متصلًا بالحاضر، وهو ما يتطلب العمل الدؤوب حاليًا، وفيما بعد.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد