منذ بدأت رئاسة دونالد ترامب، اكتست الأجواء بمناخٍ مفعم بالتوتر، وهيمنت التحيُّزات الحزبية، وغابت الحقائق في أغلب المواقف.

وفي خضم الخلاف الحالي المستمر بين ترامب وأجهزة الدولة في الولايات المتحدة، وخاصةً أجهزة الاستخبارات بعد تشكيكه في استنتاجاتها بشأن قضايا مختلفة، يشهد الكونجرس ظاهرةً جديرةً بالملاحظة. إذ اتجه عددٌ من العاملين السابقين بوكالة الاستخبارات المركزية إلى العمل السياسي، وفاز بعضهم بمقاعد في الكونجرس في الانتخابات النصفية الأخيرة.

من هؤلاء أبيجايل سبانبيرجر. وحسبما أوضحت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية في تقريرٍ عن تلك الظاهرة، كانت أبيجايل تضطلع بمهمة الإشراف على الجواسيس وتجنيدهم في أوروبا، حيثُ تخصَّصت في قضايا مكافحة الإرهاب وانتشار الأسلحة النووية. ولم تكن تتخيَّل أبدًا أن يأتي يومٌ تكشف فيه غطاءها وهويتها. إذ كانت تتطلَّع لتعيينها في أي مكانٍر رئيسة محطة، وهو ما يُعادل منصب سفيرٍ في أوساط وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، لكن انتهى بها المطاف إلى مُغادرة الوكالة عام 2014 بحثًا عن حياةٍ أقل ترحالًا بعد أن أنجبت ثلاثة أطفال.

ثم قررت أبيجايل أن تفعل شيئًا راديكاليًا في أساسه بالنسبة لجاسوسةٍ سابقة. إذ ترشَّحت لمقعدٍ في مجلس النواب، وفازت به على حساب النائب الجمهوري ديف برات في الدائرة السابعة بولاية فرجينيا. في 3 يناير (كانون الثاني)، حين اجتمع الكونجرس في دورته رقم 116 للمرة الأولى، انضمت إلى طليعةٍ صغيرةٍ من عملاء الاستخبارات السابقين الذين تحوَّلوا إلى صُنَّاع سياسة.

10 كتب يرشحها لك ترامب لتقرأها في 2019

أبيجايل هي واحدةٌ من أصل ثلاثة عملاء استخباراتٍ يخدمون في الكونجرس في دورته الجديدة. وبحسب «واشنطن بوست»، يقول ليون بانيتا، مدير وكالة الاستخبارات المركزية السابق، والذي ترأَّس الوكالة بعد العمل لأكثر من 15 عامًا كعضوٍ في الكونجرس عن ولاية كاليفورنيا، إنَّ الأجيال السابقة من جواسيس وكالة الاستخبارات المركزية كانت سترى فكرة ترشُّح عملاء الوكالة للمناصب السياسية الوطنية على أنَّها تدنيسٌ لسمعتها. ويُرجِع سبب ذلك إلى أنَّ عملاء الوكالة اعتادوا الحفاظ على سرية هوياتهم، أكثر من أي عملاءٍ آخرين في المجتمع الاستخباراتي، حتى بعد مغادرتهم وظائفهم. وحتى مع اتجاه بعض أفراد وكالة الاستخبارات المركزية إلى حياة الشهرة بعد مغادرة الوكالة، كالعمل في الإعلام أو صناعة السينما، لكنَّهم تجنَّبوا العمل في الكونجرس تحديدًا، لأنَّ إشرافه على عمل الوكالة خلق حالةً من العداء المستمر.

ويضيف بانيتا: «سيقول القدماء: (ما الذي يحدث بحق السماء؟ يجب أن تكونوا أكثر سريةً ومجهولي الهوية، وتتركوا اللعبة السياسية للآخرين الذين لا يعرفون ما يفعلونه). لكنَّ شباب وكالة الاستخبارات المركزية هذه الأيام لا يرتبطون تحديدًا بالإرث التاريخي للعمل الاستخباراتي، ويُدركون أهمية الانخراط في السياسة كي لا يتركوا الفرصة لأشخاصٍ يُمكن أن يُفسدوا عمل وكالات الاستخبارات».

وتشير «واشنطن بوست» إلى أنَّ أبيجايل، التي عملت في الوكالة على مدار ثمان سنوات، ستشغل مقعدها في الكونجرس إلى جانب عميلين سابقين في الوكالة، وهما إليسا سلوتكين (42 عامًا)، وهي مُحلِّلةٌ أرسلتها الوكالة إلى العراق ثلاث مراتٍ، وفازت بمقعدها عن الدائرة الثامنة بولاية ميشيجان مُتفوقةً على منافسها الجمهوري؛ والنائب ويل هورد (41 عامًا)، الذي عمل مُتخفِّيًا في الشرق الأوسط وجنوب آسيا، ويشغل مقعده في الكونجرس عن الدائرة الثالثة والعشرين بولاية تكساس منذ عام 2015.

أبيجايل وإليسا يتحدثان مع المراسلين أمام مقر الكونجرس في يناير 2019.

وتقول أبيجايل: «بالنسبة لمن يمتلكون خلفيةً مثلنا في الأمن القومي، من المهم أن نساهم بتاريخنا في الخدمة العامة، إذ لم نكن ننتمي لأيٍ من الحزبين. منحنا ذلك مجموعةً من المهارات. كنا نُؤدِّي واجباتنا في ظل الرؤساء الجمهوريين منهم والديمقراطيين».

لكنَّ صحيفة «واشنطن بوست» توضح أنَّ تلك الخطوة التي اتخذتها أبيجايل وإليسا ليست الأولى من نوعها، رغم أنَّهما لفتتا الكثير من الأنظار بتحولهما للعمل السياسي.

إذ تُشير الصحيفة إلى عددٍ من العملاء الذين تحوُّلوا مثلهما إلى العمل السياسي، مثل بورتر جوس الذي بدأ حياته المهنية عميلًا سريًا في الستينيات، ثم خدم في الكونجرس من عام 1989 وحتى عام 2004، مُمثلًا الدائرة الرابعة عشر بولاية فلوريدا، قبل أن يعود إلى الاستخبارات المركزية ليشغل منصب مدير الوكالة. وهناك أيضًا بوب بار، المُحلِّل الأمريكي اللاتيني السابق، الذي مثَّل ولاية جورجيا في الكونجرس منذ عام 1995 وحتى عام 2003. (ورشَّح بار نفسه للانتخابات الرئاسية عام 2008 بوصفه تحرريًا، وكذلك ترشَّح إيفان ماكمولين، مسؤول عمليات وكالة الاستخبارات المركزية السابق، لتولي منصب الرئاسة عام 2016 مرشحًا مستقلًا).

ويشارك بالكونجرس هذا العام 10 نُوَّاب آخرين على الأقل ممن سبق لهم التعامل مع موادٍ سريةٍ داخل الجيش أو مجلس الأمن القومي، بالإضافة إلى أبيجايل وإليسا وهورد، بحسب شركة «كوروم» لتحليلات الشؤون العامة. وبحسب الصحيفة، يرى بانيتا أنَّ هجمات الرئيس ترامب ضد المجتمع الاستخباراتي شجَّعت أفراده السابقين على دخول الحياة السياسية مؤخرًا.

هاجم ترامب وكالات الاستخبارات الأمريكية في مناسباتٍ عديدة. إذ شبَّه أعضاءها بالنازيين قبل تسعة أيامٍ من تنصيبه، بعد تداول تقاريرَ إخباريةٍ عن علاقته بروسيا. وقلَّل من شأن النتائج الرئيسية التي توصَّلت لها الوكالات، مثل النتائج المُتعلِّقة بتهديدات كوريا الشمالية النووية، والتزام إيران بالاتفاق النووي الذي أُبرِمَ عام 2015 مع الولايات المتحدة، وتورُّط ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في قتل جمال خاشقجي، المُعارض السعودي الذي عَمِلَ ككاتب أعمدةٍ مُشارك في صحيفة «واشنطن بوست».

ووفقًا للصحيفة، تقول أبيجايل إنَّها أُصيبت بالصدمة حين زار ترامب المقر الرئيسي لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في يومه الأول بمنصبه، وألقى خطابًا مُشبَّعًا بإجلال الذات والأخطاء أمام نصبها التذكاري الذي يُكرِّم العملاء الذين لقوا حتفهم أثناء تأدية واجبهم. وتفاخر ترامب بمدى شعوره بشبابه، وهاجم المراسلين بوصفهم «البشر الأكثر خداعًا على وجه الأرض»، وزعم كذبًا أنَّه ظهر على أغلفة مجلة «تايم» أكثر من أي شخصٍ آخر.

وتضيف أبيجايل: «كان من المُحزن أن أشهد تلك اللحظة، على هذه الأرض المقدسة»، ويُذكَر أنَّ أبيجايل وقتها كانت في مسيرة النساء بواشنطن، وشاهدت لقطاتٍ من الخطاب على التلفاز.

خطاب ترامب في وكالة الاستخبارات المركزية عام 2017.

لكن ما يُقلقها أكثر من أي شيءٍ آخر بحسب الصحيفة هو رفض ترامب لاستنتاجات المجتمع الاستخباراتي بشأن التدخُّل الروسي في الانتخابات الرئاسية عام 2016. إذ قالت: «أعلم ما يتطلَّبه جمع التقارير الاستخباراتية، وفكرة أنَّه يُفضِّل الوقوف إلى جانب عدوٍ أجنبيٍ بدلًا من بلادنا هي فكرةٌ مُروِّعة».

وفي الكونجرس، تتوقع أن يُساعدها الوقت الذي قضته في إدارة العملاء على بناء جسور التواصل مع الجمهوريين. إذ كانت أثناء عملها في وكالة الاستخبارات المركزية مع العملاء والمخبرين «مسؤولةً عن أمنهم وأمانهم، لذا فإنَّ العمل مع الآخرين يقوم على أساس بناء الثقة والعلاقات مع الجمهوريين، وخاصةً من لا يرغبون منهم في العمل مع الديمقراطيين. وتكمُن المهارة في حجم الروابط المشتركة بيننا التي يمكنني إيجادها».

وتضيف أنَّ العمل في وكالة الاستخبارات المركزية هيَّأها لأن تُصبح خبيرةً في المواضيع المُعقَّدة في وقتٍ سريع. فوفقًا للتقرير، توضح أنَّها كانت تعمل أحيانًا على قضايا الأسلحة النووية، وأحيانًا قضايا المخدرات أو قضايا القيادات السياسية، وكانت تضطر أحيانًا لحضور جلسات إحاطة مع علماء وتسألهم أسئلةً محددة مهمة، وتشير إلى أنَّها «أكثر خبرةً في هذا من عضو الكونجرس العادي».

وكشفت أنَّها ترغب في العمل بلجنة الزراعة بمجلس النواب، لكنَّها تأمل أيضًا في أن تحظى بمقعدٍ في لجنة الاستخبارات. وقالت عن ذلك للصحيفة: «حين تقدَّمتُ بطلباتي للمشاركة في اللجان، سألتُ نفسي: «أين يُمكن أن أقدِّم أكبر فائدة؟». هم لا يضمُّون عادةً أعضاء الكونجرس في فترتهم الأولى إلى لجنة الاستخبارات. وسأكون مُتفاجئةً صراحةً إذا حصلت على المنصب. لكن هناك العديد من الأسباب المقنعة التي قد تجعل ذلك الاختيار أمرًا منطقيًا».

وأشارت «واشنطن بوست» إلى أن إليسا تأمل في تطبيق خبراتها على مواضيع مثل الأمن السيبراني والتدخُّل الروسي في الانتخابات. وشبَّهت دورها المستقبلي داخل الكونجرس بمنصبها مُحلِّلةٍ في الوكالة. وقالت: «كانت وظيفتي تنطوي على فصل المعلومات ذات القيمة عن المعلومات غير المجدية، وتقديمها إلى المسؤولين».

وأضافت إليسا أنَّ أكثر ما يُثير ضيقها في السياسة هو سماح الكونجرس بتفاقم الصراعات حول القضايا المحورية. وأوضحت: «حين يدور خلافٌ حول حيازة الأسلحة، يتجاهلون المسألة ولا يتخذون قرارًا بشأنها. لكن إذا كُنتَ جزءًا من مجتمع الاستخبارات وكان هناك تهديدٌ كبير، يجتمع الأعضاء داخل الغرفة ويدور نقاشٌ مُفعمٌ بالحيوية، ونغادر جميعًا الغرفة ولدينا خطة».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد