روى معظم بيك في مقال له على موقع «ميدل إيست آي» كواليس لقائه مع محمد بديع – مرشد جماعة الإخوان المسلمين في مصر– الذي يقبع في السجن الآن ويواجه خطر الإعدام.
وفيما يلي ترجمة المقال كاملًا:

منذ إطلاق سراحي من معتقل جوانتانامو، وجدت نفسي مهتمًا بقصص السجناء السياسيين في العالم.

لقد قابلتُ زملاء نيلسون مانديلا، الذين سجنوا في جزيرة روبن، والجمهوريين الأيرلنديين الذين شاركوا في الإضراب عن الطعام مع بوبي ساندز، والفلسطينيين الذين سجنوا مع أفراد أسرهم، والسجناء السابقين في ليبيا وسوريا ومصر الذين قضوا عقودًا في السجن وبرزوا كقادة. وكان أحد هؤلاء الرجال هو المرشد الأعلى للإخوان المسلمين، محمد بديع.

تهديد بالترحيل إلى مصر

لم تكن الدول العربية في شمال أفريقيا خيارًا طبيعيًّا كي أزورها بعد إطلاق سراحي من جوانتانامو. أعيد توطين غالبية أسرى جوانتانامو من هذه المنطقة في بلدان حول العالم، فحتى الولايات المتحدة اعترفت بأن إعادتهم إلى بلدانهم ستعرضهم على الفور لخطر السجن التعسفي والتعذيب والإعدام.

شاركت في مناقشات إعادة التوطين مع الحكومات الأوروبية، والتقيت ببعض السجناء بعد إطلاق سراحهم. كان أحدهم مصريًّا أعيد توطينه في سلوفاكيا. لم يعد إلى وطنه لأسباب وجيهة.

خلال أسوأ فترة من استجوابي من قبل وكالة المخابرات المركزية الأمريكية في مركز اعتقال باجرام في أفغانستان، هددوا بترحيلي إلى مصر أو سوريا إذا رفضت التعاون، تمامًا كما فعلوا مع آخرين.

كان أحد هؤلاء الأسرى سعد إقبال مدني، وهو قارئ قرآن باكستاني اختطفته وكالة المخابرات المركزية الأمريكية من إندونيسيا، ونُقل سرًّا إلى مصر عبر جزيرة دييجو جارسيا البريطانية، وسُجن مدني في مصر مدة ثلاثة أشهر قبل نقله إلى باجرام، حيث قابلتُه وتعرفت إلى محنته، بل إن أحد المحققين في باجرام كان مصريًّا.

بعد إطلاق سراحه من جوانتانامو، تحدث مدني عن سنواته التي سُجن فيها دون محاكمة: «كان المكان الذي وضعوني فيه أصغر من قبر. فطوال 92 يومًا، لم أستطع الاستلقاء استلقاء مريحًا».

«سألوني عن مفجر الأحذية – ريتشارد ريد– وعما إذا كانت لدي أي معلومات حول أحداث 11 سبتمبر (أيلول)، وعندما أنكرت ذلك، عذبوني بالصدمات الكهربائية في ركبتي، وقد أغشي علي مرارًا».

تشتهر مصر بتعذيب المسلمين المشتبه في انتمائهم إلى حركات إسلامية نشطة سياسيًّا.

عرف عميل وكالة المخابرات المركزية السابق روبرت باير، الذي كُلف بملف الشرق الأوسط، عن هذا الخوف أفضل من معظم الناس. وأوضح كيف استخدمت الولايات المتحدة ذلك: «إذا كنت ترغب في استجواب جدي، فأنت ترسل السجين إلى الأردن. وإذا كنت تريد تعذيبه، أرسله إلى سوريا. أما إذا كنت تريد أن يختفي شخص ما إلى الأبد، أرسله إلى مصر».

أرسلت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية علي الفاخري – المعروف أيضًا باسم ابن الشيخ الليبي- المشتبه في أنه عضو في تنظيم القاعدة الليبي، للتعذيب إلى مصر تحت قيادة رئيس مخابرات مبارك، عمر سليمان.

«اعترف» الليبي بأن العراق كان يجمع الأسلحة الكيماوية ويعطيها للقاعدة، ونُقلت هذه المعلومات الخاطئة إلى الولايات المتحدة وأصبحت مبررًّا رئيسيًّا لغزو العراق.

«الإيكونومست»: وفاة مرسي تكتب مقطعًا تراجيديًّا أخيرًا في الثورة المصرية

عودة الفرعون

سُجن بديع للمرة الأولى عندما كان شابًا عام 1965 بسبب نشاطه السياسي، بعد حملة الرئيس جمال عبد الناصر على جماعة الإخوان المسلمين، وفي العام التالي، أُعدم عدة قادة من الجماعة متهمين بالتآمر ضد حكومة عبد الناصر، بما في ذلك المفكر الإسلامي سيد قطب.

تلقى آخرون عقوبات سجن قاسية، وكانت إحدى الشخصيات البارزة في جماعة الإخوان المسلمين هي السيدة زينب الغزالي، التي شغلت منصبًا قياديًّا في جماعة الإخوان المسلمين وحضر الآلاف محاضراتها.

في مذكراتها بالسجن – أيام من حياتي- التي أعيد نشرها لاحقًا باسم «عودة الفرعون»، تقدم الغزالي رواية شخصية عن وحشية النظام المصري بعد اعتقالها في عام 1965.

أُحضر الكثير من طلابها أمامها وأمروا بإهانتها. لكنهم رفضوا جميعًا، وروت الغزالي كيف شاهدت طلابها «مقيدين إلى عمود وهم يضربون بوحشية» ردًّا على ذلك.

أحدهم كان محمد بديع. كانت هذه بداية تذوقه مرارة السجون في مصر.

على الرغم من كونه مدنيًّا، فقد حوكم بديع وزملاؤه أمام محكمة عسكرية، فتلقى حكمًا بالسجن مدة 15 عامًا، لكن أطلق سراحه بعد وفاة عبد الناصر، إثر عفو عام عن جماعة الإخوان المسلمين عام 1974 من قبل الرئيس الجديد أنور السادات.

تعذيب وترهيب

توجد أطروحة قوية تشير إلى أن غرف التعذيب في مصر لعبت دورًا مهمًّا في إنتاج بعض قادة أخطر الجماعات المسلحة في المنطقة.

لكن بديع تابع إلقاء محاضرات في العديد من الجامعات، وأصبح أستاذًا في الطب البيطري، بينما استمر عمله في جماعة الإخوان المسلمين بنشاط.

قد واصلت الجماعة الدعوة إلى الإصلاح الإسلامي والانتخابات الديمقراطية، ولكن الجماعات الإسلامية الأكثر تشددًا، والتي كانت في صعود بعد القمع الوحشي، رفضت الأخيرة.

سُجن زعيم القاعدة أيمن الظواهري بعد اغتيال السادات في عام 1981، على الرغم من أنه كان يؤيد الانقلاب على الحكومة، ولكن قيل إنه عارض قتل الرئيس المصري.

خلال محاكمة جماعية استمرت ثلاث سنوات، قال الظواهري أمام المحكمة: «لقد وضعونا في السجون المصرية القذرة وجلدونا بالكابلات، وصدمونا بالكهرباء! وأرهبونا بالكلاب البرية الشرسة!».
إن الإشارة إلى استخدام الكلاب سمعتها قبل سنوات عديدة. فمما لا يصدقه عقل، درب المحققون المصريون كلابًا على اغتصاب المعتقلين، وقد ذكر الظواهري أسماء معتقلين قضوا نحبهم تحت التعذيب.

لم يتبنّ الإخوان المسلمون طريق العنف السياسي الذي تستخدمه الجماعات المصرية، مثل الجماعة الإسلامية أو تنظيم الجهاد، التي استمر الظواهري في قيادتها، لكن هذا لم يمنعهم من تقاسم مصير مماثل أو أسوأ من ذلك على يد الحكومة.

في عام 1999، بعد حملة قمع أخرى ضد الإخوان في عهد مبارك، أعيد اعتقال بديع وزملائه ومحاكمتهم مرة أخرى من قبل المحاكم العسكرية، ولكن أطلق سراحه في عام 2003.

لقائي بالمرشد

في عام 2011، سافرت برفقة الصحفي يفون ريدلي إلى مصر. كان هدفي هو مقابلة سجين سابق أو ضابط استخبارات سابق، ممن عرف بشأن قضية فخاري وتعذيبه بخصوص ملف العراق.

عندما قابلت بديع، وجدته شخصية لطيفة جدًّا وودودة، ولم تحطم سنوات سجنه آماله في المستقبل. كان المئات قد قتلوا في احتجاجات ضد الحكومة، لكن مبارك تنحى في نهاية الأمر.

رُفع الحظر عن جماعة الإخوان المسلمين، وباتت على وشك الدخول في العملية الانتخابية، والحصول أخيرًا على فرصة لقيادة البلاد.

سألت بديع عن علاقات الإخوان الودية بالجيش؛ فكان يعتقد أنه حل وسط ضروري من أجل الصالح العام.

لم يكن بديع يعرف الكثير عن فخاري، لكنه أخبرني كيف قضى بعض الوقت في السجن مع ثلاثة سجناء بريطانيين أدينوا بسبب عضويتهم في حزب التحرير.

أخبرني كيف فسر حلمًا لأحدهم، وقد التقيت الثلاثة بعد عودتهم إلى المملكة المتحدة في عام 2006.

في عام 2012، قدمت جماعة الإخوان المسلمين حزب الحرية والعدالة، وعينت محمد مرسي على رأسه. هزم مرسي جميع المرشحين الآخرين، وبرز كأول رئيس منتخب ديمقراطيًّا في مصر. كل سنوات الاعتداء والسجن والتعذيب أدت إلى هذه اللحظة في التاريخ، لكنها لم تدم طويلًا.

العودة إلى السجن

في العام التالي، نفذ الجيش نفسه الذي حاكم بديع في سن المراهقة، انقلابًا ضد مرسي، وكانت له عواقب مميتة. ومرة أخرى، حُظرت جماعة الإخوان المسلمين، ولكن هذه المرة، لن يُعفى عنها.

عقب عزل مرسي، اشتعلت الاضطرابات، وقتل المئات في المظاهرات والمظاهرات المضادة، كما قُتل مئات الأشخاص أثناء مذبحة رابعة، عندما فتحت قوات الأمن المصرية النار على الآلاف من أنصار مرسي.

سُجنت قيادة جماعة الإخوان المسلمين بأكملها تقريبًا، بينما قُتل آخرون، بمن فيهم ابن محمد بديع.

اختفى بديع، لكنه قُبض عليه في عام 2013 وحُكم عليه بالإعدام في محاكمة جماعية، مع 682 آخرين. وبعد ذلك تلقى أحكامًا بالإعدام والسجن مدى الحياة، ومنذ حينها، مثُل أمام المحكمة كل عام تقريبًا لمواجهة المزيد من التهم.

وفي الوقت نفسه، توفي كل من محمد عاكف، المرشد السابق لجماعة الإخوان المسلمين، ومحمد مرسي في السجن.

يبلغ بديع الآن 76 عامًا، وأمضى ما يقرب من عقدين من حياته في السجن بسبب معتقداته السياسية.

ووفقًا لابنته، فقد حُرم من الزيارات العائلية، وحالته الصحية غير معروفة، وينام على الأرض في الحبس الانفرادي، وإذا لم تغير الحكومة نهجها مع السجناء فسوف يموت هناك.

قد لا تتفق مع الإخوان المسلمين، لكن لا مفر من حقيقة أن هذه الجماعة وأعضائها تعرضوا للتعذيب ولمتاعب لا يمكن تخيلها، كان من الممكن أن يستسلم بديع بعد أول مرة سُجن فيها، لكنه اختار القتال.

لم يضعفه السجن، بل عزز فقط من إصراره، وسواء مات حرًّا أم سجينًا، فسيتذكره التاريخ من كان وماذا فعل له، وسيسير آخرون على نهجه بكل تأكيد.

«إيكونوميست»: لماذا أصبح كثير من المصريين يفتقدون رئيسهم «المخلوع» حسني مبارك؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد