قال ميخال ديكيل في مقال له في مجلة «فورين بوليسي» إن طهران استقبلت بترحاب اللاجئين اليهود والكاثوليك البولنديين، الفارين من جحيم الحرب العالمية الثانية.

وأوضح ديكيل أنه في صيف عام 1942، أصبحت بندر بهلوي (بندر أنزلي فيما بعد)، وهي مدينة إيرانية تقع على بحر قزوين، مدينة لاجئين. عجت شواطؤها بمجموعات من الخيام، ومنطقة للحجر الصحي لمرضى التيفود، ومساحة كبيرة لتوزيع الطعام. وخارج منطقة الخيام علق الباعة المتجولون المحليون سلالًا من الكعك الحلو.

كان اللاجئون مواطنين بولنديين ممن فروا مع اندلاع الحرب العالمية الثانية إلى الاتحاد السوفيتي، وقطعوا قرابة 5 آلاف ميل، وأبحروا من تركمانستان السوفيتية إلى شمال إيران. وصل أكثر من 43 ألف لاجئ إلى بندر بهلوي في مارس (آذار) 1942.

تبعتها موجة ثانية من حوالي 70 ألف لاجئ، ونُقلت مجموعة ثالثة من حوالي 2700 عن طريق البر من تركمانستان إلى مشهد في شرق إيران. من بين هؤلاء، كان هناك حوالي 75 ألفًا من الجنود والطلاب وضباط ما كان يعرف باسم جيش أندرس، الجيش البولندي في المنفى، الذي تجمع في الاتحاد السوفيتي تحت قيادة الجنرال فلاديسلاف أندرس.

Embed from Getty Images

ويشير ديكيل إلى أن الباقين كانوا من الأمهات، والأطفال، وكبار السن من الرجال والنساء. كان أكثر من 3 آلاف منهم يهودًا، منهم أربع حاخامات ونحو ألف طفل يتيم. وكان هناك أيضًا عدة مئات من المتسللين اليهود البولنديين، والمتحولين حديثًا إلى الكاثوليكية، والنساء اللائي تظاهرن بأنهن متزوجات من ضباط بولنديين.

من وجهة نظر العالم اليوم – عالم من الاضطرابات في الشرق الأوسط والسلام في أوروبا، عالم من اللاجئين الفارين من الشرق الأوسط إلى أوروبا، عالم تعيش فيه إيران وإسرائيل في صراع أبدي على ما يبدو- من الصعب تخيل وجود عالم آخر.

في ذلك العالم، فر اللاجئون من أوروبا التي مزقتها الحرب إلى إيران، وتركيا، وفلسطين الخاضعة للانتداب البريطاني، وعاشوا هناك في سلام نسبي طوال مدة الحرب.

حكايات الفارين من الموت

في أوائل سبعينيات القرن العشرين – يضيف ديكيل- تعرف المخرج الإيراني خسرو سيناي صدفة على قصة هؤلاء اللاجئين، في أثناء حضوره مراسم تذكارية في دولاب، المقبرة الكاثوليكية في طهران. يسرد فيلمه الوثائقي The Lost Requiem قصة حياة هؤلاء اللاجئين، أولًا عبر شواهد القبور المنحوتة باللغة البولندية، ثم عبر مقابلات مع البولنديين الذين ما زالوا يعيشون في إيران، والإيرانيين المسنين الذين ما زالوا يتذكرون وصولهم.

«في يوم من الأيام استيقظنا ورأيناهم ينزلون على الشاطئ»، يروي أحد سكان بندر بهلوي، الذي أعيد تسميتها بندر أنزالي بعد الثورة الإيرانية، ويضيف «لقد كانوا في حالة سيئة للغاية، نحيفين ومرضى». بينما ذكر ريدر بولارد، السفير البريطاني في إيران آنذاك، أن «الآلاف من اللاجئين المدنيين – نساء وأطفالًا وشيوخًا- نزلوا في إيران فجأة وبشكل غير متوقع».

وُضع أولئك اللاجئون في فنادق صغيرة، وفي مسرح شير خورشيد. ونُقل المصابون بأمراض خطيرة إلى المستشفيات المحلية، في حين وضع بقية المرضى في الحجر الصحي في منطقة منفصلة، ونُظف اللاجئون وجُردوا من ملابسهم الموبوءة بالقمل، وحصلوا على بطانيات ومجموعة جديدة من الملابس، ثم نُقلوا في غضون أسابيع إلى واحد من ست مخيمات للاجئين في طهران، وأصفهان، أو الأهواز.

كانت الإمبراطوريتان البريطانية والسوفيتية ما تزالان قائمتان – ينوه ديكيل– ولم تكن دولة إسرائيل قد وُلدت بعد، ولا ظهرت جمهورية إيران الإسلامية. قبل أشهر، بعد الغزو الألماني للاتحاد السوفيتي، غزت القوات البريطانية- السوفيتية إيران، وطردت رضا شاه الصديق لألمانيا، ووضعت مكانه ابنه محمد رضا بهلوي الموالي لبريطانيا، الذي ظل يحكم إيران حتى عام 1979.

تعددت العوامل التي حفزت الغزو، وليس أقلها المخاوف من أن حقول النفط الإيرانية، التي كانت تحت سيطرة شركة النفط الأنجلو- إيرانية منذ عام 1909، ستقع في أيدي ألمانيا. ثبت البريطانيون والسوفيت نفوذهم في إيران، أولًا في الجنوب، ثم في الشمال. وبحلول الوقت الذي وصل فيه اللاجئون البولنديون إلى هناك، وعلى الرغم من الهجمات المستمرة التي تشنها الجماعات الإيرانية الموالية لألمانيا، أصبحت إيران مركز ثقل لجنود الحلفاء ومجموعة من اللاجئين اليهود من أوروبا، وآسيا الوسطى السوفيتية، والعراق، والقوقاز.

المصدر فورين بوليسي

في «تقرير عاجل عن اللاجئين البولنديين في بلاد فارس»، كتب العقيد البريطاني ألكسندر روس ، الذي كان مكلفًا برعاية اللاجئين المدنيين، أن جميع الوافدين الجدد تقريبًا يعانون من بعض الأمراض بسبب سوء التغذية، وأن 40% منهم مصابون بالملاريا. وأضاف أنه يتوقع وفاة ربع اللاجئين في إيران، وذكر السفير البولندي ستانيسلاف كوت أنه من بين 9595 طفلًا جرى إجلاؤهم خلال عمليات النقل التي جرت في شهر أغسطس (آب)، عانى 60% من سوء التغذية، وتوفي 366 في الطريق.

لكن إميل لانداو، وهو صبي يهودي من وارسو كان يبلغ 15 عامًا من العمر وقتها، استذكر وصوله إلى إيران في مذكراته بالقول:

«في يوم 16 أغسطس 1942، وفي درجة حرارة تجاوزت الأربعين، غادرت المجموعة الأولى من الركاب على متن قارب، ووصلت بعد نصف ساعة إلى ميناء بندر بهلوي الصغير. يصعب التعبير عن انطباعنا الأولي. شعرنا جميعًا وكأننا قد وُلدنا من جديد، في مكان خارج هذا العالم. كانت مياه الميناء مليئة بالقوارب الملونة، وتحيط به مروج العشب والأزهار. وكانت صفوف من سيارات شيفروليه وستودبيكرز الرائعة تنتظر، وبدا كل شيء جيدًا، كل شيء يبتسم مع الفُرس، ومع الجنود الهنود الذين ينظرون إلى القادمين بشفقة. وقد تعانق الجميع بعد أن بلغنا الشاطئ».

كانت إيران حلم كل لاجئ يهودي ومسيحي بولندي في آسيا الوسطى – يؤكد ديكيل- وهي فترة راحة من سنوات الجوع في الاتحاد السوفيتي. وكانت أول دولة يمرون عليها منذ بداية الحرب دون أن يضربها الجوع والمرض. كتب حاييم زئيف هيرشبرج، الحاخام المولود في وارسو: «بالنسبة لنا، كانت جنة».

نُفي البولنديون المسيحيون واليهود من قبل السوفييت معًا، أولًا من بولندا التي كان يحتلها الاتحاد السوفيتي، إلى الداخل السوفيتي، ثم إلى جمهوريات آسيا الوسطى. في آسيا الوسطى، تلقوا مساعدات من الجمعيات الخيرية اليهودية والكاثوليكية الدولية، ومقرها الولايات المتحدة، ووزعها ممثلو الحكومة البولندية في المنفى؛ وفي مدينتي سمرقند وبخارى التابعتين للجمهورية الاشتراكية السوفيتية الأوزبكية، وُضع أطفال يهود ومسيحيون معًا في دور أيتام بولندية. ووسط التوترات والعداء – تلقى اللاجئون اليهود مساعدات أقل، كان الأطفال اليهود يتعرضون في بعض الأحيان للسخرية والضرب في دور الأيتام البولندية- كما كانت هناك حميمية بين المواطنين الناطقين باللغة البولندية الذين تشاركوا المصير نفسه.

ومع ذلك، فإن عمليات الإجلاء إلى إيران، التي استبعدت معظم اللاجئين اليهود وتركتهم في الاتحاد السوفيتي الجائع، أدت إلى توترات بين اللاجئين المسيحيين واليهود البولنديين إلى نقطة الغليان.

الهجرة إلى فلسطين

في بندر بهلوي – يقول ديكيل- وبجانب الوفد البولندي المؤلف من 75 عضوًا الذي رحب باللاجئين البولنديين، وقف الممثل الوحيد للوكالة اليهودية لفلسطين، الهيئة الحاكمة للسكان اليهود في فلسطين، التي كانت تسيطر عليها بريطانيا آنذاك. كان الرجل، رافائيل زافار، قد هاجر إلى فلسطين قادمًا من بولندا قبل الحرب، وأُرسل الآن إلى طهران سرًّا لمساعدة اللاجئين اليهود وتنظيمهم. أبلغ زافار الوكالة أن اللاجئين اليهود كانوا يصلون إلى إيران: «كادوا يموتون من الجوع، ويرتدون ملابس بالية، ويبدون أسوأ بكثير من البولنديين».

على الشاطئ في إيران، قابل ناشطًا صهيونيًا ومحاميًا معروفًا من مسقط رأسه البولندي، وطلب منه تحديد اللاجئين اليهود البولنديين الآخرين الذين نشطوا في الحركات الصهيونية في بولندا. فدلّه على المحامي ديفيد لاوينبرج، الذي كان يبلغ من العمر 23 عامًا، وهو عضو في الحركة الصهيونية الاشتراكية هاشومير هتسير. قبل الحرب، كان لاوينبرج ضابطًا في الجيش البولندي.

عندما بدأت الحرب، قاتل لاوينبرج في معركة وارسو الأولى، وأصيب بجروح، وأُجلي شرقًا، ثم أسره الجيش الأحمر في نهاية المطاف. وبعد إطلاق سراحه، حاول الانضمام مجددًا إلى الجيش البولندي في المنفى، لكن بعد سماعه بعض الجنود البولنديين في مركز تجنيد في كريمينا يقولون: «كيف نتخلص من هؤلاء اليهود القذرين؟». قايض ملابسه بزي جندي مخمور وأبحر إلى إيران هاربًا.

«كنت غاضبًا بشدة. ذهبت لأنخرط في الجيش مجددًا، لأجد رفاقي، الذين خضت معهم رعب غولاجس، يعدُّونني يهوديًّا قذرًا». في بندر بهلوي، بدل ملابسه وتلقى تعليمات بعدم التحدث بأي لغة سوى العبرية، والادعاء بأنه مبعوث من أرض إسرائيل. وقد عُين مديرًا لما كان يُعرف باسم «دار الأيتام اليهودية»، في ضواحي طهران.

نُقل عدة مئات من الأطفال اللاجئين اليهود الأيتام مباشرة من بندر بهلوي إلى دار الأيتام اليهودية – يواصل ديكيل كلامه- التي كانت موجودة داخل قاعدة جوية إيرانية سابقة اتُخذت مخيمًا للاجئين البولنديين. على بعد خمسة أميال إلى الشرق من طهران، كان في المخيم حفنة من المباني – الجامعة التقنية السابقة للقوات الجوية، ومرابض للطائرات، ومبنى فوج المدفعية- خُصص ستة منها لدور الأيتام اليهودية. وفي مبنى دار الأيتام، عاش أطفال بعمر ثمانية أعوام وما دون؛ فكان ينام 120 منهم على مراتب قطنية ووسائد متناثرة على سجاد من الخيزران.

وقد نُقل غالبية الأطفال المسيحيين الأيتام من بندر بهلوي إلى أصفهان، فأقاموا داخل دير الأخوات الفرنسيات؛ وفي كنيسة الآباء السويسريين؛ وفي بيت الأب إيليف، المبشر البروتستانتي الإنجليزي. وفي مقر حاكم أصفهان السابق الموالي لبريطانيا، الأمير ساريم دوله.

في داخل القاعدة الجوية، درس الأطفال اللغة البولندية، والتاريخ والجغرافيا، واللاتينية، والدين، والتاريخ، والبيولوجيا.

وحدت المدرسة البولندية المنهج – يؤكد ديكيل– وتسلمت الكتب من القدس. صُمم كل شيء بما في ذلك النظام الغذائي، والمناهج المدرسية، والاحتفالات، والأعياد من أجل غرس هوية قومية بولندية كاثوليكية لدى الأطفال، وأصبحت أصفهان حوالي عام 1942 تُعرف باسم «مدينة الأطفال البولنديين».

في هذه الأثناء، استمر الأطفال اليهود في التدفق على دار الأيتام اليهودية، على عكس أصفهان، كانت مساكنهم وطعامهم، ومناهجهم التعليمية فقيرة. لم يكن هناك مجلس للمدرسة، ولا كتب، ولا مدرسون؛ فأولئك الذين لديهم خلفية تعليمية بين اللاجئين اليهود ظلوا في الاتحاد السوفيتي.

كان المستشارون، الذين جرى اختيارهم من بين اللاجئين اليهود البولنديين البالغين في طهران، بالكاد قادرين على إنجاز مهامهم بسبب صغر سنهم، ولم يتلقوا سوى القليل من التعليم اليهودي، ولا يتمتعون بخبرة تربوية. لقد بدأوا بتعليم نشيد هاشومير هتسير: «نحن نغني ونصعد فوق الأنقاض والجثث/ نحن نخطو ونمر في الظلام/ بدون معرفة إلى أين نمضي، نسير في الطريق/ نرتقي ونغني!».

بحلول نوفمبر من عام 1942 – يقول ديكيل- جرى تغيير الاسم البولندي Zydowski sierociniec ليصبح بالعبرية Beit ha-Yeladim ha-Yehudi b’Teheran، أي منزل الأطفال اليهود في طهران. وعُلق علم مطرز بالاسم العبري للمخيم، وجرى تعليم الأغاني العبرية، والاحتفال بيوم السبت. كتب مؤلف إسرائيلي لاحقًا: «تقرر أن الأطفال لم يعودوا أيتامًا؛ والأمة اليهودية الآن وطنهم!».

تسامحت إيران، بتركيبتها الوطنية اللامركزية متعددة الأعراق واللغات، في البداية على الأقل، مع نشوء دولة بولندية، وحتى دولة يهودية مستقلة داخل حدودها.

بحلول أوائل عام 1943، بعد ارتفاع تكاليف الخبز التي تسببت في مظاهرات واسعة النطاق بين السكان المحليين، ترك غالبية اللاجئين البولنديين إيران إلى الهند ولبنان وسوريا. ونُقل أكبر عدد إلى فلسطين التي تسيطر عليها بريطانيا.

هناك، تربى الأطفال اليهود في المدارس الداخلية، ومع الأسر الحاضنة كمواطنين مستقبليين في دولة يهودية، في حين ارتاد الأطفال البولنديون المدارس الكاثوليكية في القدس والناصرة، والمدارس المختلطة في تل أبيب. أصبحت تل أبيب مدينة لاجئين بولنديين.

درس المواطنون البولنديون في الجامعة العبرية في القدس والمعاهد الموسيقية والمدارس الفنية – ينوه ديكيل- وانخرطوا في فرق موسيقى الجاز، وأخرجوا مسرحيات، وأقاموا أمسيات أدبية. نشروا الدوريات باللغة البولندية، وأصدروا طبعات جديدة من كتب الشعر البولندي، وكتبًا مدرسية من طبعات قديمة تملكها الجامعة العبرية. وقد أرسلوا المساعدات إلى اللاجئين اليهود والمسيحيين في الاتحاد السوفيتي وأفريقيا، وأماكن أخرى.

وفي فلسطين، تراجعت التوترات بين المسيحيين واليهود إلى حد كبير. بقي معظم اللاجئين المسيحيين المدنيين هناك حتى عام 1947، عندما انتهى الانتداب البريطاني على فلسطين.

واليوم، يتذكر القليل من البولنديين والإسرائيليين والإيرانيين هذا الفصل في تاريخهم، على الرغم من آثار مقابر الأطفال اليهود البولنديين في المقبرة اليهودية في طهران،  ومقابر البولنديين في القدس ويافا، تحمل شواهد تشكر الله على إنقاذ الأطفال البولنديين، ومذكرات مكتوبة في طهران وتل أبيب، تظل بمثابة شهادات على هذا الماضي المنسي.

تعد الذاكرة الجماعية نشاطًا سياسيًا – يؤكد ديكيل- وفي المناخ السياسي الحالي، لا تخدم الذاكرة طهران بوصفها مضيافة للاجئين اليهود، وتل أبيب بوصفها مضيافة للاجئين المسيحيين البولنديين، أي غرض لدى حكومات البلدان الثلاثة.

ومن المفارقات أن المدن البارزة في بلدين عدوين بعضهما لبعض الآن، كانت في الأربعينيات من القرن الماضي مواطن سلمية لآلاف اللاجئين. لكن من يدري، لعل مثل هذا العالم يعود مرة أخرى.

كيف يمكن أن يدمر «المد السلفي» إسرائيل ذاتيًّا؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد