تخيَّل أنَّك كنت موجودًا لحظة الضرب المبرح الذي تعرَّض له الشاب المصري الراحل خالد سعيد على أيدي أفراد الشرطة، أو عندما طُحِنَ الشاب المغربي محسن فكري في شاحنة النفايات على يد الشرطة المغربية، بعد أن ألقى نفسه داخلها لإنقاذ أسماكه التي صادرتها الشرطة بحجة كونها محظورة. هل كنتُ ستقدم على فعل شيءٍ ما لإنقاذ حياة الشابين؟ هل كنت ستحاول منع رجال الشرطة من انتهاك القانون بهذا الشكل؟ وأي اعتبارات أخلاقية ستتبادر إلى ذهنك إن قررت الإقدام على فعلٍ خطير كهذا؟ فكما تعلم من الممكن أن تعتقلك الشرطة، أو حتى تقتلك!

من ثورة 25 يناير (كانون الثاني) في مصر إلى احتجاجات «#طحن_مو» في المغرب ومظاهرات فنزويلا وحراك السترات الصفراء في فرنسا، شهد العالم في السنوات الأخيرة احتجاجاتٍ من المواطنين في دولٍ عديدة، بعضها كان لمطالب اقتصادية، وبعضها كان احتجاجًا على فساد السلطات. وبينما جاءت استجابة السلطات في تلك الدول على احتجاجات مواطنيها متباينةً، إلا أنَّ هناك سؤالًا مهمًا يُطرَح عادةً في تلك السياقات: كيف يرد المواطنون حين تستخدم الدولة العنف؟ وهل يملك المواطن العادي حق الدفاع عن نفسه والآخرين حين تخرج حكومته عن القانون؟

«الجارديان»: رئيسان لقيادة البلاد.. ماذا يحدث في فنزويلا؟

في تقريره في قسم الأفكار بمجلة «أيون» الأمريكية، يرى جايسون برينان، أستاذ الاستراتيجية والاقتصاد والأخلاقيات والسياسة العامة بجامعة جورج تاون، أنَّ البشر بالفعل يملكون حق الدفاع عن النفس، بغض النظر عن هوية المعتدي أو إن كان يرتدي لباسًا رسميًا. فالأمر لا يتعلق بما إن كان الاعتداء صادرًا من مواطنٍ آخر أم فردٍ من السلطة، بل بما إن كان التصرف نفسه في سياق القانون أم لا، لكنَّ خطورة فرضيةٍ كهذه تستدعي الكثير من التوضيح، وأول ما يحتاج التوضيح هو ماهية الظروف التي يصبح خلالها الدفاع عن النفس واستخدام العنف مبررًا، مقارنةً مثلًا باستراتيجيات العصيان المدني التي يفضلها الكثيرون.

العصيان المدني ليس الحل في كل الحالات

يُعرِّف برينان العصيان المدني بأنَّه عملٌ عام يهدف إلى تغييرٍ قانوني أو اجتماعي. ويضرب مثلين من التاريخ الأمريكي، وهما اعتقال المؤلف الأمريكي هنري ديفيد ثورو عام 1846 لرفضه دفع الضرائب لتمويل الحروب الأمريكية، وتحركات مارتن لوثر كينج الابن التي أثار بها غضب السلطات الأمريكية عام 1963 لإحراج الولايات المتحدة ودفعها إلى احترام حقوق السود. ففي هذه الحالات وغيرها من أمثلة العصيان المدني، يخرق المواطنون المتمردون القانون ويتقبلون العقاب، وذلك لجذب الانتباه إلى قضيةٍ ما.

لكنَّ المقاومة المبررة حسب برينان لا تحتاج إلى أن تتعلق بالحقوق المدنية، ولا يجب أن يكون هدفها تغيير قانون، أو إصلاح مؤسساتٍ مختلة، أو استبدال بقادة فاسدين، وإنَّما تتعلق فقط بمنع وقوع ظلمٍ مباشر. فإن أوقفت عملية سرقة، تحاول بهذا وقف السرقة في تلك اللحظة، وليس إيقاف جميع السرقات في كل مكان. وبالمثل لو كنتَ تدخلت لإيقاف ضباط الشرطة المصريين أو المغاربة، كانت هذه ستصبح محاولةً لإنقاذ خالد سعيد أو محسن فكري، وليس إصلاح جهازي الشرطة.

بالطبع نتفق جميعًا أنَّه من الخطأ الكذب أو الغش، أو السرقة والخداع والتلاعب بالناس، أو تدمير الممتلكات ومهاجمة الآخرين. لكنَّ بعض الناس يرون أنَّ هذه الأفعال محظورةٌ في المطلق، بينما يرى الحس الأخلاقي السليم أنَّ هذه الأفعال تصبح جائزةً في حالة الدفاع عن النفس أو الآخرين (حتى لو كان القانون لا يتفق مع ذلك). فربما تحتاج إلى الكذب على قاتلٍ يقف على بابك، أو تحطيم نافذة شخصٍ اختطف ابنك، أو قتل شخصٍ يحاول اغتصابك.

هل يمكنك مقاومة الشرطي المخالف للقانون؟

وقد ترى أنَّ هذه الأمثلة الأخيرة مقبولةٌ، وأنَّه من الجائز استخدام الخداع والحيلة وحتى العنف للدفاع عن نفسك أو الآخرين حين يكون المعتدي مواطنًا مثلك. لكنَّ برينان يطرح هنا سؤالًا فلسفيًا. تخيَّل مثلًا أنَّ صديقك أخطأ ولم يتوقف عند إشارةٍ حمراء أثناء القيادة وبجانبه والده. فغضب والده بشدة، وأخرجه من السيارة، وراح يضربه بقوة، واستمر في ضربه على مؤخرة رأسه، رغم أنَّه منبطحٌ على الأرض في خضوع. هل ستستخدم العنف إن كان ضروريًا لوقف الأب؟

والآن تخيل المشهد ذاته مرةً أخرى، لكن استبدل بضابط شرطة هذه المرة الأب المعتدي. هذا ما حدث فعلًا في ولاية أوهايو الأمريكية عام 2017، حين هاجم شرطي الضحية ريتشارد هيوبارد الثالث. هل يغير هذا من الأمر شيئًا؟ هل يجب عليك حينها ترك ضابط الشرطة يؤذي هيوبارد، وربما يقتله، بدلًا عن التدخل؟

سيجيب الكثيرون على هذا السؤال الأخير بالإيجاب، وسيرون أنَّه من غير المسموح التعرض لأفراد الأجهزة الحكومية حتى لو كانوا ينتهكون الحقوق، لكنَّ برينان يرى ذلك محيرًا؛ فذلك الاعتقاد يمنح جيرانك القدرة على حرمانك من حق الدفاع عن النفس والآخرين بمجرد إقرار قانونٍ ظالم، أو الاستعانة بمسؤول حكومي. وضمن ذلك الاعتقاد تختفي حقوقنا في الحياة، والحرية، والإجراءات القانونية، والأمن، بمجرد إصدار أمرٍ سياسي، أو حين يمر ضابط شرطة بيومٍ سيئ.

ويضيف برينان أَّنه في كتابه «When All Else Fails: The Ethics of Resistance to State Injustice» الصادر عام 2019، يُجادل بأنَّنا في هذه الحالة يجب أن ندافع عن أنفسنا والأخرين ضد عملاء الأجهزة الحكومية، بنفس الطريقة، وتحت نفس الظروف التي كنا سندافع بها عن أنفسنا، والآخرين من اعتداءات المواطنين الآخرين.

ويرى أنَّ المواطنين وعملاء الأجهزة الأمنية متساوون، ولدينا الحقوق ذاتها في الدفاع عن أنفسنا والآخرين من كلتا الفئتين. ويرى أيضًا أنَّه علينا أن نفترض أنَّ عملاء الحكومة لا يمتلكون حصانةً خاصة تمنعنا من الدفاع عن أنفسنا، إلا لو كان هناك سببٌ منطقي للاعتقاد بعكس ذلك، والحجج التي تُساق لتبرير هذه الحصانة الخاصة ضعيفة.

ماذا يقول المعارضون للفكرة؟

وبينما يقول البعض: إنَّ الناس لا ينبغي لهم أن يدافعوا عن أنفسهم ضد ظلم الحكومة؛ لأنَّ الحكومات وعملاءها يتمتعون بـ«السلطة» (ويوضح برينان أنَّه حسب تعريفها، الحكومة لديها سلطة على المواطنين فقط في حالة كانت قادرةً على إرغامهم على إطاعتها من خلال مرسومٍ قانوني: أي أنَّك يجب عليك فعل ما تأمر به؛ لأنَّها أمرت به)، يرى الكاتب أنَّ حجة السلطة غير منطقية هي الأخرى. فأن تقول إنَّك يجب عليك أن تدفع الضرائب وتلتزم بالسرعات المقررة يختلف تمامًا عن الالتزام بالسماح للحكومة وعملائها باستخدام العنف المفرط، وإهمال حقك في الإجراءات القانونية. وسلطة الحكومة محدودة حسب جوهر الليبرالية.

ويقول آخرون: إنَّنا يجب أن نقاوم ظلم الحكومة بالفعل، لكن عبر الوسائل السلمية. لكن يوضح برينان أنَّ هذا أمرٌ ينطبق على الدفاع عن النفس من اعتداءات المدنيين واعتداءات الحكومة كذلك. فالقانون العام للدفاع عن النفس محكوم بشرط الضرورة، يمكنك الكذب أو استخدام العنف فقط إن كان ذلك ضروريًا، أي إن لم تكن الوسائل السلمية فعالةً. وهذه الأخيرة تفشل عادةً في وقف الاعتداء.

وهناك حجةٌ أخرى يسوقها البعض، وهي أنَّه لا ينبغي للمدنيين تنفيذ القانون بأياديهم. لكن يجادل برينان بأنَّ استدعاء تلك الحجة يعني وجود سوء فهم في المقام الأول لمبدأ معارضة تدخل المدنيين لتنفيذ القانون. فوفقًا له، هذا المبدأ يقضي بأنَّه في حالة وجود نظام عام فعَّال لتنفيذ القوانين، ينبغي للمواطنين الإذعان وترك عملاء الحكومة في محاولاتهم حسنة النية لإقامة العدل.

فمثلًا لو كان هناك ضباط شرطة يحاولون وقف سرقةٍ ما، لا يجب عليك التدخل بأي حال. لكن إن تجاهل ضباط الشرطة الأمر، أو لم يكن بإمكانهم إيقافه، يكون بإمكانك حينها التدخل. وإن كانت الشرطة هي من ترتكب جريمة السرقة، مثلما يحدث في مصادرة أموال وأملاك المدنيين دون وجه حق، لا يمنعك حينها ذلك المبدأ من الدفاع عن نفسك والآخرين. أو بعبارةٍ أخرى، يقضي المبدأ بأن تترك مهمة إقامة العدل لعملاء الحكومة الأكثر كفاءة، وليس أن تسمح لهم بارتكاب الظلم.

متى نقرر أن مقاومة السلطة مهمة؟

قد تبدو تلك الفرضية خطيرةً للبعض، وقد يزعم الكثيرون بأنَّه من الصعب أحيانًا تحديد إن كان الدفاع عن النفس أمرًا مبررًا، وأنَّ البشر يرتكبون أخطاءً، وقد يقاوموا حين ينبغي لهم الإذعان. ويُقر برينان بأنَّ الخطأ ممكنٌ بالفعل، لكنَّه ممكنٌ أيضًا في حالة الدفاع عن النفس ضد المدنيين الآخرين، ومع ذلك لا أحد يعتقد في أنَّنا يجب ألَّا ندافع عن أنفسنا ضد الآخرين نظرًا لصعوبة تطبيق المبدأ. بدلًا من ذلك، علينا أن نُقِر بأنَّ بعض المبادئ الأخلاقية صعبةٌ في تطبيقها.

ويضيف برينان أنَّ هذا الاعتراض يعود بنا إلى البداية مجددًا في هذه المشكلة. ففي الحياة الواقعية، الناس ينصاعون ويخضعون أكثر من اللازم لسلطة الحكومة. ويبدون استعدادًا تامًا مثلًا لصعق الآخرين (كما في تجربة ميلجرام)، أو قتل اليهود بالغازات السامة (كما فعل النازيون)، أو قصف المدنيين حين تصلهم أوامر بذلك، لكنَّهم في الوقت نفسه يعزفون عن الوقوف بوجه الظلم السياسي. ولذلك، على العكس مما يعتقده الناس، يوضح برينان أنَّ الفرضية الخطيرة هنا هي الاعتقاد في أنَّ الناس يجب أن يذعنوا لعملاء الحكومة حين يبدو أنَّهم يرتبكون ظلمًا ما. ويذكرنا الكاتب مرةً أخرى بأنَّ الدفاع عن النفس ضد الدولة يتعلق بوقف ظلمٍ فوري يتحقق أمامنا، وليس إصلاح أي نظمٍ أو قواعد معطوبة.

ويختتم برينان بتوضيح أنَّ الوسائل السلمية الاستراتيجية بالتأكيد هي الوسيلة الأكثر فاعلية في تحقيق أي تغييرٍ اجتماعي مستدام، لكنَّ ذلك لا يعني أنَّ علينا أن نفترض أنَّ هذه الوسائل كالتي استخدمها كينج الابن تنجح دائمًا وحدها.

مترجم: بعد الإطاحة بمرسي.. ما الذي يقف حائلًا بين الإخوان المسلمين والعنف؟

ويشير في هذا السياق إلى كتابين نُشِرَا مؤخرًا، وهما كتاب «This Nonviolent Stuff’ll Get You Killed» للكاتب تشارلز كوب الابن، وكتاب «We Will Shoot Back» للكاتب أكينييل أوموالي أوموجا. يوضح هذان الكتابان أنَّ مرحلة اللاعنف اللاحقة في نشاط الحقوق المدنية في الولايات المتحدة نجحت في تحقيق ما حققته فقط لأنَّ السود في مراحل مبكرة سلَّحوا أنفسهم وقاوموا دفاعًا عن أنفسهم.

وعندما أدرك الغوغاء والبيض من أفراد الشرطة أنَّ السود يدافعون عن أنفسهم، اتجهوا إلى وسائل قمع أقل عنفًا، وبالتالي بدأ السود يستخدمون تكتيكات اللاعنف. فالحيل والخداع والعنف دفاعًا عن النفس نادرًا ما تكون هي الملاذ الأول، لكنَّ هذا لا يعني أنَّها غير مبررة على الدوام.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد