اختفى الإسلاميون عن المشهد السياسي العربي بالكامل تقريبًا، ولم يظهر لهم أثرٌ في الاحتجاجات التي تجتاح الجزائر هذه الأيام. وتقول الأسطورة المُتكرِّرة، التي يُردِّدها المُراقبون الغربيون دائمًا، إن الإسلاميين اختفوا كليًا نتيجة عجزهم عن التحوُّل إلى الديمقراطية.

لكن فرانسوا بورغا، الباحث وأُستاذ العلوم السياسية والخبير في شؤون الحركات الإسلامية، يُخالفهم الرأي. إذ أكَّد بورغا، في مقال رأي بموقع «ميدل إيست آي» البريطاني، أن الإسلاميين سيظلون جزءًا من المشهد السياسي في الجزائر.

ما مستقبل أقارب بوتفليقة في السلطة بعد تخليه عن «العهدة الخامسة»؟

بدون شعاراتٍ إسلامية

أورد بورغا، في مقاله، بعض المخاوف التي تنتاب المُحلِّلين السياسيين مثل الكاتب بوعلام صنصال الذي يرى أن إسلاميي الجزائر «يُخطِّطون لشيءٍ ما» خارج الحسابات السياسية، ويُشاركه لوران فوكييه وغيره تلك المخاوف.

ويخشى أولئك المُحلِّلون من احتمالية اختطاف الإسلاميين للتظاهرات الشعبية الحاشدة في الجزائر. في حين يرى البعض الآخر أن الإسلاميين اختفوا إلى الأبد من المشهد السياسي وأصبحوا الآن «جزءًا من الماضي»، بناءً على أمر واحد هو أنهم لم يسمعوا «هتافًا إسلاميًا واحدًا من وهران إلى قسنطينة‎».

ويرى بورغا أن الرد على تلك الآراء يتطلَّب تفكيك الافتراضات الأساسية لكلٍ منها، بداية من السؤال بشأن وجود الإسلاميين في التظاهرات التي عمَّت الجزائر منذ 22 فبراير (شباط) من عدمه.

وهنا، استحضر الكاتب تاريخ «الحركات الإسلامية» ليقول إن استخدام هذا الوصف التمييزي تحديدًا يُؤكِّد أن وضعية الإسلاميين، الذين حققوا انتصارهم الانتخابي الوحيد في الجزائر المستقلة عام 1991، هي وضعيةٌ سلبيةٌ للغاية، وذلك من وجهة نظر غالبية المُراقبين السياسيين والمُتحدِّثين باسم النظام والوكلاء الثقافيين.

قمعٌ دموي

يعتقد بورغا أننا بحاجةٍ لإثبات أن الإسلاميين ظلَّوا غرباء ومنفصلين عن الشعب الذي شارك في الاحتجاجات القوية، حتى نتمكَّن من قول إنهم قادرون على «اختطاف» على التظاهرات -إذ غابوا تمامًا عن أمواج الجزائريين البشرية، من مختلف الأعمار ومناحي الحياة، التي انطلقت إلى شوارع المدن والقرى الكبيرة والصغيرة في كافة أرجاء البلاد دون كلل.

لكن هذه الفرضية بشأن غياب الإسلاميين هي الأقل يقينًا، وفقًا لبورغا الذي يرى أن تأكيدها يتطلَّب إثبات أن الإسلاميين ظلُّوا مُحصَّنين ضد السأم الذي قد يصيبهم من طول عُمرِ النظام الذي يبدو راسخًا رسوخًا لا يُمكن العصف به.

ويعتقد بورغا أن هذا الإثبات يتطلَّب منا أن نتناسى أن هذا النظام تأسس في البداية بناءً على الكفاح المُناهض للاستعمار في الستينيات، ونجح في «إعادة إحياء» نفسه والبقاء في السلطة لثلاثة عقودٍ من الزمن عن طريق القمع الدموي لإسلاميي الجزائر إثر فوزهم بالانتخابات عامي 1990 و1991.

وبحسب الكاتب فالطبيعة السلمية للتظاهرات الحالية في الجزائر ليست أمرًا جديدًا. وعلى الرغم من أن بعض المُراقبين يُثنون على تلك السلمية بسذاجةٍ وكأنها طبيعةٌ غير مسبوقةٍ في تاريخ الجزائر المُعاصر.

يشير الكاتب إلى أن مُناهضي النظام افتربوا من الوصول إلى السلطة عام 1991 من خلال صناديق الاقتراع وليس عن طريق الكفاح المُسلَّح والعنف، وذلك بغض النظر عن التوتُّرات الكبيرة التي شهدتها الحملات الانتخابية في تلك الفترة وعُمقِ الانقسام بين الجبهة الإسلامية للإنقاذ ومن وصفتهم الجبهة بـ«حزب فرنسا».

نقاط التحليل العمياء

يُؤمِن بورغا أن هناك نقاط تحليلٍ عمياء في الرؤية الغربية أدَّت إلى عجز دول شمالي المتوسط الدائم عن إدراك النطاق الكامل للتعبئة السياسية التي تحدُث جنوب المتوسط.

إذ يعجز المُحلِّلون الغربيون عن إدراك أن موجة مد عام 2019 في الاحتجاجات الجزائرية لا تستند إلى مبادرات القوى السياسية الراسخة، على غرار ما حدث خلال الثورتين المصرية والتونسية عام 2011 بحسب بورغا.

وذكر بورغا أن القوى السياسية، مثل حركة حماس (مجتمع السلم) ومُؤسِّسها محفوظ نحناح بالتأكيد، اضطرت إلى التنازل عن مواقفها المناهضة للنظام من أجل الحفاظ على وجودها السياسي لدرجةٍ أفقدتها كامل مصداقيتها بوصفها قوى مُعارِضة.

ويُستثنى من ذلك عددٌ قليلٌ من الأفراد مثل علي بلحاج، أحد الزعماء التاريخيين في الجبهة الإسلامية للإنقاذ، الذي ما يزال يُواجه النظام من داخل الجزائر دون كللٍ رغم ما يتعرَّض له من اضطهادٍ على يد الشرطة. وأُجبر المُعارضون الآخرون من كافة الأطياف السياسية على المنفى بعد أن رفضوا «المُصالحة الوطنية» الزائفة والمنافقة.

الهوس الغربي

يجري حاليًا تشكيل مُعارضةٍ جزائريةٍ ذات مصداقيةٍ مثل حركة رشاد، بحسب بورغا، الذي أشار إلى أنه لا تُوجد أدلةٌ تُثبِتُ أن كافة مُتظاهري عام 2019 لا يكترثون أو يرفضون الإسلامية بكافة أشكالها لأن هذا الالتباس تحديدًا حدث بالفعل في حالة تونس.

ويرى الكاتب أن جملة «لم نسمع هتافًا إسلاميًا واحدًا من وهران إلى قسنطينة‎»، التي كرَّرها كثير من المُراقبين، هي جملةٌ صحيحةٌ تمامًا، لكنه رأى أن المشكلة تكمُن في «صندوق الأدوات» الفكرية الخاصة بأولئك المراقبين التي لا تحوي سوى أفكارٍ هزليةٍ عن مُعاداة الإسلامية المبتذلة التي وصفها بورغا بأنها قصيرة النظر ومُضلِّلة.

وذكر بورغا أن غالبية المُعلِّقين الغربيين أصابهم الهوس بـ«الإسلاميين» لدرجةٍ سمَّمت عقولهم وضلَّلت مُشاهديهم. أما نقطة التحليل العمياء الثانية، والأكثر خبثًا: فهي الرقابة -التي تُفرَض ذاتيًا على الأغلب- على فكرة أن الإسلاميين لهم مطالب وأهدافٌ ليست «دينيةً» بحتة.

ويرى أن الإسلاميين بمختلف أنواعهم ليسوا بحاجةٍ إلى الانفصال بأنفسهم عن الاحتجاجات الجماهيرية المُتَّفق على أهدافها بين عموم الجزائريين، مثل منع الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة من الترشُّح لفترةٍ خامسةٍ أو القضاء على هذا النظام الفاسد والمتهالك، وخاصةً في هذه اللحظة التاريخية الرائعة.

جزائرٌ مُتنوِّعة

يجيب الكاتب عن سؤال بشأن موقع الإسلاميين في مستقبل الجزائر قائلًا إن الاحتجاجات المُناهضة للنظام ستعقبها عملية إعادة توزيع بقايا النظام، وذلك في حال حققت الاحتجاجات أهدافها، وهو أمرٌ لم يتضح بعد نظرًا لتنازلات بوتفليقة الكاذبة وانقلابه الدستوري الحقيقي على السلطة. وحينها سيختفي الإجماع الوطني، لأن الأصوات ستنقسم بين البرامج السياسية المُتنوِّعة للمرشَّحين المُتنافسين.

لكنه يرى أن هذا لا يعني أن الإسلاميين سيصعدون إلى المشهد السياسي من خلال الشعارات والبرامج «الدينية» لأن آفاقهم وأهدافهم وطموحاتهم ليست مُقتصرةً على ذلك، حتى على الجانب الثقافي.

ويشير بورغا إلى أن شعبية الحركة الإسلامية -التي مثَّلها علي بلحاج بعناده العقائدي وحشاني عبد القادر، أحد مُؤسِّسي الجبهة الذي اغتيل على يد العسكريين عام 1999 حتى لا يُضطروا للتعامل مع العديد من فروقات وتسلسلات شرعيته الصارمة، ظهرت حين فاز الإسلاميون بأول انتخاباتٍ حرةٍ في تاريخ الجزائر على مدار عامين مُتتاليين.

واتضَّحت تلك الشعبية بجلاءٍ داخل البلدان المُجاورة لاحقًا، رغم اختلاف مشاهدها السياسية. وبرهنت أول انتخاباتٍ أُجرِيَت داخل تونس ومصر في أعقاب الربيع العربي على تنوّع تلك الحركة وانتشارها في كل مكان.

لا بديل للحركة الإسلامية

تكرَّر الأمر نفسه مؤخرًا في لبنان وتونس والعراق، بغض النظر عن التباين الكبير والتنوع الواضح لتكويناتها السياسية. وفي الواقع، لم تظهر حركةٌ «إسلاميةٌ بديلةٌ» قادرةٌ أن تحل محل الجيل الحالي من الإسلاميين من وجهة نظر بورغا.

ويعتقد الكاتب أن محاولة استنتاج الموقع والدور الذي ستلعبه الحركة الإسلامية في المشهد الانتخابي الجزائري مستقبلًا، هي محاولاتٌ سابقةٌ لأوانها حاليًا.

لكنه قال إن كل الأدلة تُشير إلى أن الإسلاميين سيظلوا جزءًا من العملية السياسية وسيقاوموا أسطورة «هزيمتهم» وانقراضهم، التي جرى تداولها بانتظامٍ على مدار العقود الأربع الماضية -وخاصةً داخل دولةٍ نزع الاستعمار ثقافتها ووُلِدَت نتيجةً لذلك أرضٌ خصبةٌ لنهوض الحركة الإسلامية.

ويرى بورغا أن الحيرة بين أسطورة القضاء على الإسلاميين وأسطورة عجزهم عن التحوُّل الديمقراطي تنبع من أحلام المُراقبين الغربيين، نتيجة عجزهم الأساسي عن إقامة علاقاتٍ مع أي أطرافٍ سياسية، باستثناء عددٍ قليلٍ من المخبرين المحليين الذي يُخبرونهم بالأمور السلبية التي يرغبون في سماعها فقط.

ولذا يُؤكِّد بورغا، بما لا يدع مجالًا للشك، أن الإسلاميين سيظلون جزءًا من المشهد السياسي في الجزائر، لكنه قال إن الفارق الوحيد هو أن التوجُّه الإسلامي في عام 2019 يختلف تمامًا عن نظيره عام 2012.

ويرى بورغا أن الخصلة التي ستظهر من التوجُّه الإسلامي الآن والدور الذي ستُؤدِّيه تعتمدان بشكلٍ أساسيٍ على أوضاع التحوُّل الديمقراطي الذي لا يزال في مهده حاليًا، لكن قال إن الإسلاميين في الجزائر جاهزون للمشاركة حاليًا أكثر من أي وقتٍ مضى.

«روسيا تدخل على الخط».. هل تسعى موسكو إلى إفشال الحراك في الجزائر؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات