كتب الكاتب توم ويستكوت تقريرًا نشره موقع «ميدل إيست آي» يسلط فيه الضوء إحدى أقدم المكتبات ببغداد. ويروي الكاتب قصة عبد المالك عبد الكريم، الذي كان يعمل أمينًا للمكتبة، قصة مكتبة القادرية.

ينتقل عبد الكريم بهدوء بين أرفف مكتبة القادرية، ويرفع الأغطية الحريرية من على الحافظات الزجاجية، ليكشف عن بعض من أجمل المجلدات التاريخية. بها عدة نسخ للقرآن الكريم مزينة بزخارف مدهشة، مثل طبعتين مكتوبتين يدويًا، يبلغ طول صفحاتهما حوالي متر، أهداهما أمير هندي من تاج محل للمكتبة قبل مئات السنين.

يقول عبد الكريم: «لدينا هنا شيء مميز جدًا وفريد من نوعه»، وهو يكشف عن نسخة أخرى للقرآن الكريم، تتميز صفحاتها بإطار مزين بشكل متشابك مع زهور ملونة، ومزخرفة بلون ذهبي، وكانت هذه النسخة هدية من أم سلطان تركي يدعى عبد العزيز منذ عدة مئات من السنين.

نسخة من القرآن مكتوبة باليد هدية من أم السلطان التركي عبد العزيز – المصدر: ميدل إيست آي

وأضاف عبد الكريم للكاتب: «في نهاية كل آية تصميم فريد من نوعه؛ زهرة أو نجمة سداسية أو وعاء من الفاكهة، والعديد من الرسوم المختلفة والفريدة في جميع أنحاء الكتاب». «يأتي العديد من خبراء الخط والعلامات والرموز هنا لدراسة هذا الكتاب، لكن هذه الصور غامضة للغاية ولا أحد يفهم أهميتها بشكل كامل».

تقع المكتبة في أحد أركان مجمع المسجد الواسع والجميل الذي يضم ضريح الشيخ عبد القادر الجيلاني، وهو عالم فارسي من القرن الحادي عشر عاش معظم حياته في بغداد وكان مؤسس جماعة القادرية الصوفية.

كيف أُخفيت الكتب أثناء فوضى الغزو؟

أحد أكثر المعروضات روعة، كتاب ممزق ويحوي بقعًا، يعود للقرن الثالث عشر، ونجا من نهب بغداد عام 1258، على يد حفيد جنكيز خان «هولاكو»، الذي قتل 800 ألف إنسان.

يقول عبد الكريم: «عندما جاء المغول إلى هنا عام 1258، أحرقوا المكتبات وألقوا العديد من الكتب في نهر دجلة، فاكتسى الماء باللون الأسود بسبب الحبر» وأضاف: «هذا الكتاب الذي يحتوي على تفسيرات للقرآن والإسلام، واحد من الكتب النادرة التي أُنقذت من النهر في ذلك اليوم».

 أمين المكتبة عبد السلام عبدالكريم – المصدر: ميدل إيست آي

هذا الكتاب، بجانب مجموعة مكتبة القادرية بأكملها، نجوا من تدمير ونهب مكتبات بغداد في عام 2003 بعد غزو الولايات المتحدة للعراق. إذ دُمرت 10 مكتبات في بغداد وحدها، وفقدنا العديد من مجموعات الكتب القيمة، كان الحادث «كارثة وطنية تفوق الخيال» كما وصفه المدير العام لدار الكتب والوثائق الوطنية في بغداد، الدكتور سعد إسكندر.

وينقل الكاتب عن ثالث أكبر رجل دين بالمسجد، الشيخ عبد الرحمن، «هذه كانت المكتبة الوحيدة التي لم تتعرض للهجوم لأن الله يحميها، ولأن جميع موظفينا ومتطوعينا، أُناس عاديون، ليسوا من الشرطة أو حراس الأمن، وأقاموا هنا لحمايتها».

لقد جلس الشيخ عبد الرحمن بجانب مقبرة الجيلاني منذ عام 1974، حيث كان يرحب بالزوار، ويجيب عن الأسئلة ويتلقى طلبات الدعاء عبر الهاتف من المحبين في جميع أنحاء العالم. ويروي الشيخ: «جاء الأمريكيون إلى هنا وتحدثوا إلينا وشرحنا لهم أننا أُناس بسطاء نمكث مع ضريحنا وأشيائنا الدينية، ولم يكن لدينا سوى سلاحين من طراز كلاشينكوف للأمن، وسمحوا لنا بالاحتفاظ بهما».

خوفًا من استهداف مكتبة القادرية، مثلما كانت المكتبات الأخرى في بغداد تتعرض للنهب والإشعال، قضى رئيس المكتبة عبد المجيد محمد يومًا كاملاً مع موظفين آخرين يخفون أثمن المجلدات بالقبو بعناية، حتى أثناء سماعهم أصوات إطلاق النار في جميع أنحاء العاصمة.

رئيس المكتبة عبد المجيد محمد (MEE / Tom Westcott)

ويضيف محمد: «انتهيت في الساعة العاشرة مساءً وعندما غادرت المكتبة، كانت الشوارع مهجورة تمامًا نظرًا للفوضى وغياب القانون بذلك الوقت، ولم تكن هناك سيارات أجرة، لذلك رجعت إلى المنزل مشيًا على الأقدام، لكن الأمر كان يستحق المخاطرة لحماية الكتب». بعد إخفاء الكتب، أغلق العاملون جميع أبواب المكتبة باستثناء واحد.

ويلفت الكاتب إلى أن المجمع، الذي تحيط به اليوم حواجز الإسمنت العالية وحراسة من قبل الشرطة العسكرية، نجا من هجوم بسيارة مفخخة عام 2007 بأضرار بسيطة وعدد قليل نسبيًّا من الضحايا المدنيين، على الرغم من وقوعها في منطقة وسط المدينة الصاخبة.

باقون رغم التهديدات

ولكن تم تهديد المجمع مرة أخرى في عام 2014 بخطاب ألقاه زعيم تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) أبو بكر البغدادي، وأعلن أن مقاتلي الدولة الإسلامية «سيقومون بهدم ضريح حسين بن علي في كربلاء وضريح عبد القادر الجيلاني في بغداد» ، والتي وصفها بـ«مراكز الشرك» للصوفية والشيعية.

«لم نشعر بالارتياح تجاه هذه التصريحات، لكننا لم نكن قلقين لأننا نؤمن بالله»، هذا ما نقله الكاتب عن الشيخ عبد الرحمن، وهو ينهض من على كرسيه المقرب من قبر الجيلاني، لاستقبال مجموعة حجاج باكستانيين يحملون قماشًا أحمر مطرزًا لمباركة الضريح. وأضاف الشيخ عبد الرحمن عن داعش «قالوا إنهم مسلمون، لكننا هنا منذ مئات السنين نمثل الإسلام والمسلمين، انظر إلى النتيجة اليوم. نحن ما زلنا هنا، أين داعش الآن؟».

نسخة من القرآن الكريم مغطاة بالذهب مهداة إلى المكتبة – المصدر: ميدل إيست آي

يقول الكاتب وفقًا للمتطوعين بالضريح، يزور مئات الحجاج العراقيين كل يوم قبر الجيلاني، من السنة والشيعة، ويأتي حجاج من مناطق بعيدة مثل باكستان وموريتانيا، بالإضافة إلى الزوار المسيحيين، والهندوس والبوذيين الذين يزورون الضريح كل عام.

ومع ذلك، قلة من هؤلاء الحجاج يلاحظون المكتبة، التي يقول عنها موظفوها إنها موجودة منذ ما يقرب من 1000 عام، وتعتبر كتابات الجيلاني أساس المجموعة الأصلية. وتعتمد المكتبة على إيرادات أراضيها وممتلكاتها القريبة، بالإضافة إلى التبرعات.

على مر القرون، تبرع محبو الجيلاني بالكتب إلى المكتبة. والهدايا لا تزال محفوظة حتى يومنا هذا، وفي خزانة مقفلة بالقرب من المدخل يوجد قرآن ذو غلاف ذهبي مزخرف، هدية من أحد محبيه في سوريا تم تقديمها إلى المكتبة قبل 10 سنوات.

على الرغم من أن العديد من الكتب الأكثر تبجيلًا في المكتبة هي نسخ تاريخية من القرآن الكريم، إلا أن بالمكتبة العديد من النصوص والمخطوطات العلمية القيمة، وأقدم كتب المكتبة؛ كتاب في علم اللغة العربية عمره 950 عامًا. يقول عبدالكريم: «نحن نهتم بالكتب بعناية شديدة لأن لها قيمة عظيمة ويجب الحفاظ عليها». وأضاف «يأتي الخبراء هنا في كل مرة لحماية الكتب من التلف، كما يستخدمون أيضًا أدوات خاصة للعناية بمخطوطاتنا القديمة البالغ عددها 1.950 لأنها قيمة جدًا.

تفاؤل نحو المستقبل

ويقول الكاتب يجلس مجموعات صغيرة من الطلاب بمدرسة المسجد لكي يتلقوا دروسًا في الدراسات الإسلامية والخط العربي على طاولات طويلة ملونة ومزينة بالزهور. أما السيدة نورا التي ينحدر أصلها من نسل الجيلاني، تدرس الدكتوراة في لندن الآن، وتقضي شهرًا واحدًا كل عام هنا في دراسة المخطوطات.

لكن المكاتب الموجودة في مكتبة القادرية غالبًا ما تكون فارغة. فقد تضاءل عدد الزوار من الطلاب والباحثين وأساتذة الجامعات العراقيين بسبب صعود الإنترنت.

تحتفظ المكتبة بالعديد من كتب علم الفلك، وكذلك بعض أجهزة علم الفلك (MEE / Tom Westcott)

يقول عبدالكريم: كان يأتي الكثير من طلاب الماجستير والدكتوراة إلى هنا، وأخذنا صورًا لجميع النصوص الأكثر قيمة، حتى يتمكن الطلاب من دراستها بينما نحتفظ بالنسخ الأصلية، لكن الآن، أصبح عدد الزوار الطلبة قليلًا في معظم الأيام، بسبب الإنترنت.

رغم قلة عدد الزوار، يواصل موظفو المكتبة الحفاظ على الأبواب مفتوحة خمسة أيام بالأسبوع. ومؤخرًا قاموا بإنشاء عرض جديد لـ«100 عام من الصحف العراقية» في الطابق العلوي. -يقول الكاتب- إنهم يسعون دائمًا إلى تحسين ما يمكنهم تقديمه، حتى لو كان هناك عدد قليل من الزوار أن نقدر ذلك.

تقع مكتبة القادرية في أحد أركان مجمع المسجد الذي يضم ضريح الشيخ عبد القادر الجيلاني (MEE / Tom Westcott).

ويعترف عبدالكريم بأن تشجيع الزوار لزيارة المكتبة ليس الأولوية الرئيسية في مجمع ضريح الجيلاني، الذي لا يزال تركيزه منصبًا على الوفاء بواجباته الدينية المتمثلة في الترحيب بالحجاج وتوفير الطعام للفقراء المحليين. فمطابخ المسجد تغذي مئات العائلات كل يوم. ومع ذلك، بقي موظفو المكتبة متفائلين حول المستقبل ويأملون في المزيد من الزائرين، وربما اعتراف دولي، بالمجموعة التي يعتنون بها.

بالإضافة إلى الكتب النادرة، يقدر عبد الكريم أن المكتبة تحتوي على ما بين 80 – 85 ألف كتاب، ويعتقد أن مكتبة القادرية الآن واحدة من أكبر المكتبات في بغداد بعد تدمير مكتبات كثير في عام 2003.

يقول عبد الكريم «نحن نرغب بالتواصل مع مكتبات أخرى في جميع أنحاء العالم، لكننا نفتقد للتكنولوجيا المتعلقة بذلك، حتى أننا ليس لدينا عنوان بريد إلكتروني، لذا فنحن نعتبر منقطعين عن العالم الخارجي، ولكننا سعداء ونحب عملنا هنا مع الكتب».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد