تمثل التمركزات البشرية السبب الرئيسي لمعظم التغيرات البيئية والمجتمعية على كوكب الأرض، وواحدًا من نتائجها أيضًا، ولذا يحتاج الباحثون إلى خرائطَ تحدد هذه التجمّعات وتغيراتها بدقة. يتناول تقريرٌ حديث منشور على موقع «تكنولوجي ريفيو» التابع لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) الأمريكي الخريطة الأحدث في هذا المجال، وكيف استطاع الباحثون الوصول إلى مستوى دقة غير مسبوق من خلالها.

Embed from Getty Images

الأثر البشري

يعد تقدير الحضور البشري وتأثيره في مختلف أنحاء كوكب الأرض واحدًا من أهم الأهداف الرئيسية لعلم الجغرافيا، ونقطة الانطلاق المثلى لإدراك ذلك تتمثل بفهم أين يعيش البشر. لكن التقرير يوضح أن تحقيق هذا ليس بالأمر اليسير، إذ يبلغ عدد سكان العالم قرابة 7 مليارات نسمة، ويعيش نصفهم تقريبًا في المدن. توجد حاليًا خرائط مفصّلة للعديد من مناطق العالم لدى الشركات الكبرى مثل جوجل ومايكروسوفت، وكذلك المنظمة مفتوحة المصدر «OpenStreetMaps» (وهو مشروع تعاوني يوفر خريطة للعالم بأكمله، ويمكن لأي مستخدم التعديل والمساهمة فيه).

ومع ذلك تميل هذه الأعمال للتركيز أكثر على البلدان المتقدمة، حيث تعلو احتمالية الأرباح، وكذلك على المناطق الحضريّة موضع الكثافة البشرية الأعلى. وعلاوةً على ذلك، تتفاوت دقة الخرائط التجارية وتستند إلى الصور التجارية ذات التكلفة الباهظة. ولأجل هذا وضع الجغرافيون منذ فترةٍ طويلة خرائطهم الخاصة للمستوطنات البشرية التي تتسم بدقةٍ أعلى والاتساق على الصعيد العالمي، وكذلك توفّرها دون قيود.

تطور دقة الخرائط

تستند خرائط الجغرافيين المذكورة سابقًا إلى بيانات الأقمار الصناعية غير التجارية، وتغطي الكوكب بأكمله. يسرد التقرير تاريخ هذه الخرائط وكيف تطورت دقتها مع تطور التكنولوجيا وتقدم الزمن: بدأت خرائط المستوطنات البشرية من هذا النوع في ثمانينيات القرن الماضي، وقاربت دقتها إلى حوالي الكيلومتر الواحد. فيما تصل دقة الخريطة الأحدث إلى 12 مترًا، وتُدعى «Global Urban Footprint» وتستند إلى البيانات المجموعة عام 2012.

تتقيّد هذه الخرائط بحدودٍ تعيبها، فالخريطة الأخيرة مثلًا تعتمد على صور الرادار الملتقطة من زوجٍ من الأقمار الصناعية الألمانية « TerraSAR-X» و«TanDEM-X». إحدى المشكلات الرئيسية في بيانات الرادار هنا تتمثل بالتشابه الكبير الذي تظهر عليه الغابات الكثيفة مع المستوطنات البشرية، وتشكّل الظروف الجوية عاملًا مؤثرًا في تشويه الصور في بعض الحالات.

تستند بعض الخرائط إلى صور الرادار من الأقمار الصناعية، والتي يمكن أن تتأثر بالأحوال الجوية، وقد تتشابه بها مناطق الغابات الكثيفة مع مناطق التمركزات البشرية. فيما تستند خرائط أخرى إلى البيانات البصرية فقط، والتي تتأثر بالظروف الجوية أيضًا، وتختلط بها أحيانًا مناطق التربة الجرداء والرمال، والمستوطنات البشرية.

ينوّه التقرير إلى وجود عيوب مماثلة في خرائط المستوطنات المعتمدة على البيانات البصرية فقط. على سبيل المثال، تستند طبقة المستوطنات البشرية العالمية – وينفّذها مركز البحوث المشترك التابع للاتحاد الأوروبي-  إلى بياناتِ القمر الصناعي «لاندسات 8» بدقة 30 مترًا. يمكن أن يُخلَط أحيانًا ما بين مناطق التربة الجرداء والرمال، وما بين المستوطنات في هذه الصور، وقد تؤثّر الظروف الجوية أيضًا فيها مؤدية لتشويهها أو طمسها.

Embed from Getty Images

بالتالي، يطمح الجغرافيون لخرائط عالية الدقة تتجاوز تلك المشكلات، ويطلبون أن تتسم هذه الخرائط بالاتساق العالمي والإتاحة المجانية.

مترجم: سنودع خرائط «جي بي إس» قريبًا! هكذا سترسم «بلوك تشين» الخرائط

البصمة البشرية بأدقّ صورها

يصل التقرير إلى أحدث الخرائط البشرية وأدقّها على هذا الصعيد، وهي من عملِ ماتّيا ماركونشيني وزملائه في مركز الفضاء الألماني في فيسلينج. تدعى الخريطة هذه باسم «بصمة المستوطنات العالمية 2015» (وهو العام الذي التقطت به الصور)، وهي متاحة مجانًا من خلال موقع تبادل البيانات الأكاديمي «فيجشير». يعد إتاحة هذه الخريطة مدخلًا هائلًا لمجموعةِ بياناتٍ ومعطيات ضخمة، وتمثّل الخريطة نفسها خريطةً عالمية للمستوطنات البشرية تُظهر البصمة الإنسانية على كوكب الأرض بمستوى تفصيلي ودقة أكبر من أيّ وقت مضى.

عمل الباحثون بجهدٍ كبير ووسائل استثنائية لإزالةِ الأخطاء الموصومة بها الخرائط السابقة، أو تخفيضها إلى أدنى حدّ ممكن. ويفعلون ذلك بطريقتين يشرحهما التقرير:

أولًا، للتغلب على التشوهات الناجمة عن الأحوال الجوية الشديدة أو الخارجة عن المعتاد؛ لجأ العلماء إلى دراسة صور متعددة للموقع نفسه. تتخذ هذه الصور تواريخ مختلفة، ولكنها تبقى جميعًا ضمن الفترة المستهدفة من عام 2015. يقارن العلماء هذه الصور مع الأخذ بعين الاعتبار تغيّر المستوطنات البشرية بمرور الوقت تغيرًا مختلفًا عن السمات السطحية الطبيعية الأخرى، مثل تغيّرات الغابات، والأراضي الزراعية، وغيرها. يخفف هذا العامل من التأثير السلبي للأحوال المناخية الشديدة في دقة الصور وفهمها.

ثانيًا، أجرى العلماء هذا التحليل على صور الرادار من القمر الصناعي الراداري «سنتينيل-1» وعلى الصور البصرية من القمر الصناعي «لاندسات- 8»، وهو قمر صناعي مخصص لرصد الأرض. بهذه الطريقة، تتخفف أوجه القصور في صور الرادار بمقارنتها بالصور البصرية، والعكس بالعكس.

Embed from Getty Images

حلّل الفريق ما يفوق مجموعه 300 ألف صورة مأخوذة لسطح الأرض، ووصلت البيانات البصرية منفردةً لما يقارب 1.5 بيتابايت. يعقّب ماركونشيني: «جُمع أخيرًا ما بين نوعي المخرجات كما ينبغي»، مضيفًا أن هذه هي المرة الأولى على الإطلاق يجري فيها تحليلٌ مزودج على هذه الشاكلة.

هذه هي المرة الأولى على الإطلاق التي يجري بها تحليلٌ مزدوج لدراسة ومقارنة كلّ من الصور البصرية وصور الرادار من قمرين صناعيين مختلفين، ومن أوقات مختلفة ضمن فترةٍ زمنية واحدة، عبر خوارزميات الرؤية الآلية، والتحقق البشري الجماهيري أيضًا.

بالطبع، لا يمكن لهذا العمل الضخم أن يجري بجهد بشريّ بحت، بل تُعمل التحليلات أوتوماتيكيًّا بواسطة خوارزمية الرؤية الآلية في كمبيوتر عملاق في جمهورية التشيك، وكذلك عبر منصة الحوسبة السحابية التابعة لجوجل. تدرّب الخوارزمية على اكتشاف المستوطنات البشرية وتمييزها عن فئات الأراضي الأخرى.

يشير التقرير إلى وجود اختلاف مهمّ آخر ما بين خريطة «بصمة المستوطنات العالمية 2015» وسابقاتها من الخرائط، إذ استعان الباحثون في الخريطة الحديثة بالجماهير للتحقق من عينة بلغ تعدادها 900 ألف منطقة مختارة عشوائيًّا، ومقارنتها بالبيانات من أرض الواقع، وبالتالي ضمان دقة التمييز الآلي للمستوطنات البشرية.

من الجدير بالذكر أن البيانات عبارة عن صور «جوجل إيرث» تتراوح دقتها من 1.5 متر لصور الأقمار الصناعية البصرية إلى 15 سنتيمترًا فقط للبيانات المحمولة جوًّا، ولا يمكن استخدام هذه الصور لإنشاء الخريطة نفسها لثمنها الباهظ.

Embed from Getty Images

يصف ماركونشيني وزملاؤه هذا النوع من التحقق بأنه «لم يسبق له مثيل»، وقد نتج منه خريطة ترسم البصمة البشرية على الكوكب بأسره – باستثناء القارة القطبية الجنوبية- بدقةٍ واتّساقٍ منقطعي النظير. ما يزال هناك بعض القيود والعوائق بالتأكيد، فكما يوضّح التقرير: تبلغ دقة الخريطة 10 أمتار ما يصعّب من اكتشاف البنى والمنشآت الصغيرة، مثل الأكواخ، والحظائر، والخيم، أو حتى المساكن المغطّاة بمساحاتٍ نباتية كبيرة، ولذا لا يُعتمد عليها في إظهار الرحّل، أو أيّ شخصٍ يعيش في مسكنٍ صغير معزول.

يختتم التقرير بتوكيدِ مدى أهمّية العمل القيم الذي أنجزه ماركونشيني وفريقه؛ إذ سيكون مصدرًا نافعًا للديمغرافيين وعلماء الاجتماع والاقتصاد، وأيّ باحث أو عالم يريد فهمًا أفضل للمستوطنات البشرية وتأثيراتها، فكما يشرح الفريق «المستوطنات البشرية هي السبب والنتيجة لمعظم التغيرات البيئية والمجتمعية على الأرض» ويأتي هذا العمل ليساعد على فهم كيفية حصول ذلك.

«ذي أتلانتك»: هل يفنى البشر بالحادث نفسه الذي انقرض بسببه الديناصورات؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد