كلما اتخذ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قرارًا لا معقولًا أو أدلى بتصريح مثير للجدل تتحول الأنظار إلى ابنته إيفانكا في انتظار تعقيب منها، أو تدخل في تلك القرارات ضمن حدود سلطتها، ولكنها تلتزم الصمت حيال هذه الأزمات الكبيرة، وتتذرع بأن التدخل في تلك المسائل يقع خارج حدود سلطتها.

في مقال منشور بمجلة «ذي أتلانتك» الأمريكية، تتأمل الكاتبة إيلينا بلوت مسيرة إيفانكا منذ أن تولى والدها زمام الحكم وتحاول أن تفسر سر صمتها إزاء حكومة ترامب.

مواقف إيفانكا المتباينة

تريد إيفانكا – وفقًا للمقال – أن تحظى بكلا الأمرين؛ فمنذ أن انضمت إلى والدها في البيت الأبيض كأحد كبار المستشارين في مطلع عام 2017، احتفظت ابنة الرئيس بحق التبديل بين الصرامة والتساهل فيما يتعلق باختصاصها.

وبحسب رأي الكاتبة، إذا ما سنحت الفرص المبهرة، مثل فرصة أن تضطلع إيفانكا بدور دبلوماسي مع كيم جونج أون، تصبح حدود سلطتها، التي عادة ما تعتبر أنها تقف عند «التمكين الاقتصادي للمرأة»، ضبابية بكل أريحية.

ولكن عندما تصبح قضية الساعة فوضوية على نحو خاص، تسارع بتوضيح حدودها، وبذلك تعفي نفسها من المسؤولية عن المشاكل التي تقع خارج هذه الحدود. يورد المقال مثالًا على ذلك، عندما سألتها آبي هانتسمان، مقدمة برنامج «ذا فيو» في فبراير (شباط) عن سبب عدم حديثها عن تفريق شمل الأسر على امتداد الحدود بين الولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك، لتعترض على ذلك قائلة إنها «غير مسؤولة عن كل قضايا المرأة».

هذا التأرجح المحرج، حسبما ترى الكاتبة، يؤكد على الطبيعة الحقيقية لصمت إيفانكا حيال سلسلة من الجدالات الدائرة حول أبيها؛ فهي ترفض التحدث علنًا لا بسبب حدود اختصاصها، بل هي ببساطة لا ترغب في فعل ذلك.

وفي هذا الصدد قالت مسؤولة كبيرة سابقة في البيت الأبيض، تحدثت بشرط عدم الإفصاح عن هويتها كي تتحدث بصراحة: «هذا ناد خاص». وأضافت: «يرغب الناس في تولي زمام كل شيء، ولكن عندما تتعقد مجريات الأمور، يختفون».

Embed from Getty Images

سر اختفاء إيفانكا

أشار المقال إلى أن إيفانكا قد توارت بالفعل بدرجة كبيرة عن أنظار الرأي العام في خضم ما يعد أسوأ أزمة إنسانية ابتليت بها الولايات المتحدة الأمريكية وفي خضم التساؤلات عما إن كان والدها يعتبر غير البيض أمريكيين بدرجة كافية.

كل يوم يحمل في طياته على ما يبدو تقارير بشأن الأوضاع غير الإنسانية داخل مخيمات اللاجئين على امتداد الحدود، حيث تتوفر لكثير من المحتجزين رعاية طبية أو غذاء أو متطلبات صحة أساسية ضئيلة، إن لم تكن منعدمة. وفي يوم الاثنين، 15 يوليو (تموز)، أفادت شبكات إخبارية عدة أن عميل دورية حدود في إل باسو في ولاية تكساس طلب من طفلة هندوراسية تبلغ من العمر ثلاث سنوات الاختيار أي من والديها سيبقى معها في الولايات المتحدة، وأيهما سيرحل إلى المكسيك، بينما تدرس الولايات المتحدة طلب اللجوء لأسرتها.

وأوضح المقال أنه في العاصمة واشنطن، يتعامل البيت الأبيض في الوقت الراهن مع تداعيات تغريدات الرئيس العنصرية عن أربع من عضوات الكونجرس ذوات البشرة الملونة، اللاتي أخبرهن أن «يعدن ويساعدن في إصلاح الأماكن المشوهة التي ترتفع فيها معدلات الجريمة إلى حد كبير، اللاتي أتين منها».

ووفقًا للمقال تعد كل من أزمة الحدود وهجوم دونالد ترامب على موقع تويتر من نوع الأحداث التي خشي كثير من الأمريكيين، وإن كان ذلك غريبًا، أنها ستحدث خلال فترة دونالد ترامب الرئاسية. وتمثل هذه الأحداث، وفقًا للمقال، هذا النوع من اللحظات التي افترض فيها كثير من الناس، سواءً كان ذلك منطقيًا أم لا، أن ابنة الرئيس ستتدخل.

وكما كتبت إيلينا في أبريل (نيسان)، فإن الخرافة الراسخة بشأن إيفانكا ترامب هي أنها ستبرهن على وجود سلطة معتدلة في بيت والدها الأبيض. ولدت هذه الخرافة، إلى حد كبير، من افتراضات جماعية بشأن مركزها كليبرالية ثرية من مانهاتن من شأنها أن تؤثر على مخطط الحكومة. ومن المؤكد من وجهة نظر الكاتبة، على سبيل المثال، أن إيفانكا لن تسمح لوالدها أن يلحق أضرارًا بالغة بإمكانية إجراء عمليات الإجهاض، فكيف من الممكن لشخصية بارزة وسيدة أعمال من نيويورك – ومتزوجة من ديمقراطي – أن تكون أي شيء عدا أن تكون موالية لحق الإجهاض؟

في ذلك الوقت، بدا أن إيفانكا لا تولي اهتمامًا كبيرًا بتبديد هذا التصور. ففي السنة الأولى لإدارة والدها، كان من الشائع، حسبما أوضح المقال، أن نرى تقارير إخبارية مجهولة المصدر تبين بالتفصيل ضيقها عقب قرارًا لا يحظى بشعبية على نحو خاص اتخذه الرئيس. ولا تزال تقارير أخرى تبين محاولاتها لإقناع والدها بتغيير مساره. وحتى إن فشلت تلك المحاولات، فعادة ما يكون هناك «مصدرًا مقربًا إلى إيفانكا» ليُعلم الرأي العام أنها حاولت (لم يستجب طاقم عمل إيفانكا للإدلاء بتعليقات حول هذه القصة).

Embed from Getty Images

أين يكمن ولاء إيفانكا حقًا؟

بدأت وتيرة تلك الإشارات تتضاءل، حسبما أوضح المقال، عقب قرار الرئيس بانسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من اتفاق باريس للمناخ. حرصت إيفانكا على أن تكون الجهود التي بذلتها لإبقاء الولايات المتحدة ضمن الميثاق علنية، جاعلةً من إخفاقها في إقناع والدها بالعدول عن رأيه علنيًا أيضًا.

حينها، وكما أوردت الكاتبة في تقريرها لشهر أبريل عن ترامب، أدركت إيفانكا أهمية استخدام اختصاصها المحدود والمصمم خصيصًا لها، الذي يمتلئ معظمه بقضايا لا خلاف عليها، كمصدر للحماية في الأوقات الحرجة. ويشير المقال أنه من المفترض، وفقًا لزملائها الحاليين والسابقين، أنك لن تلتمس تعليقًا من مستشار الرئيس ستيفن ميلر، الذي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بسياسات الهجرة، عن مثلًا إخفاق البيت الأبيض في إبطال واستبدال خطة أوباما للتأمين الصحي. وتتساءل الكاتبة، لماذا إذًا قد تسأل إيفانكا عما إن كانت تلك المسألة تندرج ضمن اختصاصها؟

يمكن لهذا الوضع، وفقًا للمقال، أن يجعل من صمت إيفانكا التام، اليوم، حيال تفريق الشمل المستمر لأسر المهاجرين أو إهانات والدها العنصرية، يبدو منطقيًا بعض الشيء. ولكن المشكلة تكمن في أنه وبينما داوى الوقت جراح خسارتها لاتفاقية المناخ، بدأت في الاعتماد على ذلك الصمت وحده كلما دعت الحاجة إليه. ويرجح المقال أن من المستحيل تقريبًا معرفة متى تكون حدود اختصاصها مقدسة ومتى تكون غير ذلك.

لم يكن هذا النشاط أوضح قط عما كان عليه في وقت سابق من هذا الشهر، وفقًا للمقال، عندما تبين أن إيفانكا، فضلًا عن زوجها وزميلها كبير المستشارين جاريد كوشنر، قد انضما إلى الرئيس ترامب في اجتماع مع طاغية كوريا الشمالية كيم جونج أون في منطقة منزوعة السلاح، حيث دارت محادثة اشتملت على نقاشات حول الأسلحة النووية، وغيرها من الموضوعات.

وليس من الواضح، من باب التعبير بلطف، حسبما ورد في المقال، كيف سيتماشى برنامج كوريا الشمالية النووي مع ما قامت به إيفانكا من أعمال بشأن التمكين الاقتصادي للمرأة في ساحل العاج، الذي يصر فريقها على أنه في المرتبة الأولى من أولوياتها.

يشير المقال إلى أنه حتى وإن مر وقت لم تتمكن فيه إيفانكا من أن تنجح في أن تكون مراقبة لضمير هذا البيت الأبيض، فقد أرادت أن تبدو وكأنها تحاول على أي حال. ولكن بانكشاف أحداث الأسابيع الأخيرة – وحرصها على المشاركة في التقاط الصور التذكارية التاريخية، ورفضها الانخراط في أشياء أكثر قتامة – فإن حتى تلك الذريعة قد تلاشت.

يقتبس المقال في هذا الصدد تصريحًا لمسؤول كبير سابق آخر بالبيت الأبيض، طلب أيضًا عدم الإفصاح عن هويته، إذ قال: «ربما استوعبت إيفانكا أكثر حقيقة أنها مرتبطة للأبد بكل ما يحدث في الداخل، وأن الأمر لا يستحق حتى أن تحاول أن تنأى بنفسها عن كل ذلك بعد الآن».
تقول الكاتبة إن الكثير من المقربين إلى إيفانكا أخبروها أنها تتحدث عن الوقت الذي تمضيه في البيت الأبيض باعتباره «رمال في ساعة رملية»، أو سباق «للاستفادة القصوى» من «تجربة لا تتكرر في العمر» قبل أن تنفلت بعيدًا.

والمفارقة، وفقًا لما ورد في المقال، تكمن في أن إيفانكا تمتلك بالفعل ساعة رملية رائعة في مكتبها في البيت الأبيض، قرب إحدى النوافذ على بعد بضعة أقدام من مكتبها، لتذكرها بذلك فقط. ومع ذلك، ترى الكاتبة أنه قد يكون من الصعب الآن ألا نصدق أنه عندما تتحدث إيفانكا عن الاستفادة القصوى من وقتها، فهي تعني قضاءه في خدمة الشعب الأمريكي، لا في خدمة نفسها فقط.

8 مواقف جعلت «إيفانكا ترامب» الابنة الأكثر تأثيرًا في تاريخ أمريكا

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد