تسعى الولايات المتحدة الأمريكية إلى تقويضِ كل جهود واتفاقيات السلام الدولية السابقة في مساحة الشرق الأوسط، لتبدأ من صفحةٍ جديدة ترسمها خطة ترامب للسلام، أو ما عرفت بـ«صفقة القرن» التي تسعى لحذف صفة السيادة عن الدولة الفلسطينية، مع إلغاء أيّ سيادة فلسطينية حقيقية على الأرض. يبحث الكاتب والمحرر المتخصص في السياسة الأمريكية الخارجية كولوم لينش، الاستراتيجية الأمريكية وطرقها لتحقيق ذلك في تقريره الجديد ضمن مجلة «فورين بوليسي».

Embed from Getty Images

تعديلاتٌ وتلاعبٌ بالألفاظ

عرقلت إدارة ترامب هذا الأسبوع محاولة الفلسطينيين للفوز بدعمِ مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لقرارٍ يدين خطة السلام الإسرائيلية- الفلسطينية التي طرحها البيت الأبيض، إدانةً من منطلقِ أنها تمثل خرقًا للقانون الدولي. ويأتي هذا بعد محاولات الإدارة السابقة إقناع الفلسطينيين وحلفائهم بالتخفيفِ من حدّة القرار الذي يسعون لتقديمه، وذلك عبر سلسلةٍ من التعديلات الأمريكية التي تزيل الإشارات إلى إسرائيل بوصفِ «سلطة الاحتلال» وحذفِ كلمة «السيادة» من وصف كلّ من الدولتين الإسرائيلية والفلسطينية. تنُشر التعديلات السرية ضمن سلسلة صحيفة «فورين بوليسي» لوثائق الأسبوع.

يتناقض الموقف الحالي للولايات المتحدة مع الحكم الذاتي الفلسطيني بشدّة، رغم ترويج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لمبدأ السيادة الوطنية خلال خطابه في سبتمبر عام 2019 أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، حين أكّد في تصريحه أن: «المستقبل ملكٌ للدول المستقلة وذات السيادة التي تحمي مواطنيها، وتحترم جيرانها، وتقدّر الاختلافات المحقّقة لكل دولةٍ خصوصيتها وفرادتها».

صارت السيادة بالنسبة للفلسطينيين «مفهومًا ضبابيًّا» لا يمكن الوثوق به في أيدي قادتهم، وذلك وفقًا لمقترح ترامب للسلام في الشرق الأوسط، والذي جاء تحت عنوان «رؤية للسلام والازدهار ومستقبل أكثر إشراقا لإسرائيل والشعب الفلسطيني» المُعلن في مؤتمر صحفي عقده البيت الأبيض للرئيس الأمريكي في 28 يناير (كانون الثاني) بصحبةِ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

تقول الخطة المعلنة إن «الحل الواقعي يمنح الفلسطينيين السلطة الكاملة لحكم أنفسهم ولكن ليس القوة لتهديد إسرائيل. يسلتزم هذا بالضرورة قيودًا على بعض السلطات السيادية في المناطق الفلسطينية.. مثل استمرارية مسؤولية الأمن الإسرائيلية والسيطرة الإسرائيلية على المجال الجوي غرب نهر الأردن».

تقول الخطة إن «الحل الواقعي يمنح الفلسطينيين السلطة الكاملة لحكم أنفسهم ولكن ليس القوة لتهديد إسرائيل. يسلتزم هذا بالضرورة قيودًا على بعض السلطات السيادية في المناطق الفلسطينية»

Embed from Getty Images

مساعٍ قانونية تتعرض للإجهاض

في وقتٍ سابق من هذا الشهر، عمِد الفلسطينيون – بدعمٍ من إندونيسيا والحكومة العربية الوحيدة في مجلس الأمن تونس – إلى تعميمِ مشروع قرار «يأسف بشدة» لأن خطة ترامب للسلام «تنتهك القانون الدولي» و«تتعارض» مع مجمل قرارات الأمم المتحدة والمرجعيات المعتمدة دوليًّا لتحقيق حل عادل وشامل ودائم للصراع الفلسطيني- الإسرائيلي.

يشير التقرير إلى لجوء كبار المسؤولين الأمريكيين في واشنطن وعواصم العالم للضغط على الحكومات الممثلة في المجلس المؤلف من 15 دولة لمعارضة المبادرة، وذلك في محاولةٍ منهم لتفادي تمرير مشروع القرار. ويذكر التقرير مثالًا على ذلك، إذ استُدعي الأسبوع الماضي سفير تونس في الأمم المتحدة منصف البعتي بصورةٍ مفاجئة إلى العاصمة ليُطرد من منصبه، وذلك بسبب قيادته مفاوضاتٍ متعلقة بمشروع قرارٍ فلسطيني أولي.

جاءت إقالته بعد اتصال مستشار ترامب في الشرق الأوسط وصهره جاريد كوشنر بكبار المسؤولين التونسيين لتحذيرهم من أن هذه الخطوة قد تضر بالعلاقات الأمريكية مع بلد تونس. أصدرت وزارة الخارجية التونسية بيانًا على إثر ذلك تقول فيه إن قرار إعفاء المندوب الدائم لدى منظمة الأمم المتحدة صدر «لاعتبارات مهنية بحتة تتعلق بضعف الأداء، وغياب التنسيق، والتفاعل مع الوزارة في مسائل مهمة مطروحة للبحث في المنتظم الأممي»، مضيفةً أن «عضوية تونس غير الدائمة بمجلس الأمن تقتضي التشاور الدائم والتنسيق المسبق مع الوزارة بما ينسجم مع مواقف تونس المبدئية ويحفظ مصالحها».

وزّعت الوفود الفلسطينية والإندونيسية والتونسية بعد ذلك مسودة «ضعيفة» وفقًا لوصف التقرير، تتميز بلهجةٍ أقلّ انتقادًا من النسخ السابقة، ويُشار فيها ببساطة إلى أن الخطة الأمريكية «تنطلق من الاختصاصات والمعايير المعتمدة دوليًّا لتحقيق حل عادل وشامل ودائم لهذا النزاع، على النحو المنصوص عليه في قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة».

لكن الولايات المتحدة الأمريكية استمرت بمناوراتها – بدعمٍ من بريطانيا – بهدفِ وقف تمرير القرار صباح يوم الاثنين، مُعرِبةُ عن قلقها من احتوائه انتقادًا ضمنيًّا لجهود السلام التي بذلها ترامب. واقترحت الولايات المتحدة للتعويض عن ذلك إضافة عبارةٍ تقرّ باتفاق خطة ترامب «مع هدف تحقيق حل عادل وشامل ودائم لهذا النزاع».
Embed from Getty Images

ليس واضحًا بعد ما إذا كانت الولايات المتحدة ستصوت في النهاية لدعم القرار في حال اعتمادِ التعديلات الأمريكية المقترحة، أم أنها تستخدم التعديلات لتجنب اللجوء لحق النقض (الفيتو) لمنع تمريره من الأساس. ينوّه التقرير أن الفلسطينيين قرروا في النهاية سحب مشروع القرار، متجنبة واشنطن بذلك الحاجة لاتخاذ إجراءٍ ضده. توفر التعديلات الامريكية على أيّة حال لمحةً مهمة لاستراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية المتبعة في التفاوض وراء الكواليس.

الاستراتيجية الأمريكية: البدء من الصفر

يذكر الكاتب أمثلةً متعددة على التوجه الأمريكي العام تجاه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، يتمثل في سعي الولايات المتحدة إلى إلغاء الأحكام التي اعتبرت ضم إسرائيل للأراضي الفلسطينية أمرًا غير قانوني، أو الأحكام التي دعت الدول إلى معارضة أي تغييرات على حدود إسرائيل قبل عام 1967 مما لم يتفق عليه الفلسطينيون والإسرائيليون. أزالت الولايات المتحدة الأحكام التي تدين التغيير الديمغرافي للأراضي الفلسطينية المؤكدة مجددًا على عدم شرعية المستوطنات في الأراضي التي استولت عليها إسرائيل منذ عام 1967، بالإضافة إلى «عدم جواز الاستيلاء على الأرض بالقوة».

اقترحت الولايات المتحدة أيضًا إلغاء أي إشارة صريحة إلى ما يقارب من عشرة قرارات سابقة لمجلس الأمن، فضلًا عن الاتفاقات الدولية السابقة مثل مبادرة السلام العربية، والتي حددت الشروط الأساسية للتسوية المستقبلية للصراع الإسرائيلي الفلسطيني المتواصل منذ عقود. وقدّمت الولايات المتحدة مقترحًا بديلًا لها يتلخص بصورةٍ مبسطة بأن يذكر المجلس قراراته ذات الصلة.

تعكس هذه الخطوة الشكوك العميقة التي عبر عنها كوشنر وغيره من كبار المسؤولين في إدارة ترامب، حول دور الأمم المتحدة في عملية السلام في الشرق الأوسط، وجدوى قرارات الأمم المتحدة الحالية التي شكّلت أساس محادثات السلام في الشرق الأوسط منذ عقود. تحاول إدارة ترامب قلب دبلوماسية الشرق الأوسط تمامًا عبر البدء من صفحةٍ بيضاء جديدة.

يتضح ذلك فيما تقوله خطة إدارة ترامب المؤلفة من 181 صفحة: «منذ عام 1946، صدر ما يقرب من 700 قرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة وأكثر من 100 قرار من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة فيما يتعلق بهذا النزاع. وفي حين أننا نحترم الدور التاريخي للأمم المتحدة في عملية السلام، فإن هذه الرؤية لن تردد صدى الجمعية العامة ومجلس الأمن والقرارات الدولية الأخرى بشأن هذا الموضوع لأن تلك القرارات لم ولن تحلّ النزاع».

عربي

منذ شهر
بالأرقام المفصلة.. هذا ما ستأخذه الدول العربية مقابل تمرير «صفقة القرن»

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد