نشرت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية تقريرًا لمراسلها في موسكو سابقًا، نيل ماكفاركهار، حول تطرف المتعصبين البيض عبر الإنترنت، وكيفية اجتثاثه، والعراقيل التي تقف حجر عثرة في طريق مكافحة هذا التوجه العنصري. وأشار ماكفاركهار إلى أن جهودًا جديدة لاجتثاث التطرف تحول الأشخاص الذين يبحثون عن مواد مفعمة بالكراهية عبر الإنترنت إلى اتجاه آخر. 

وأضاف أن أبرز عشرين عبارة جرى البحث عنها في الولايات المتحدة للحصول على مواد حول التعصب للبيض عبر الإنترنت العام الماضي، جاء في مقدمتها مصطلح «RaHoWa» اختصارًا لـ«Racial Holy War» (أي الحرب المقدسة العنصرية) وهو اسم فرقة موسيقية تدعو لسيطرة ذوي البشرة البيضاء. ثم جاء «Ku Klux Klan phone number» (أي رقم هاتف مجموعة كو كوكس كلان). كما تملأ عبارات مثل «كيف تقتل أسودًا» و«وشم الصليب المعقوف» معظم القائمة.

وفي خضم هذا التصاعد في وتيرة هجمات الكراهية التي تتسم بالعنف، تولت وكالات إنفاذ القانون الاتحادية ومجموعات أخرى فحص النشاط الإلكتروني مثل عمليات البحث عبر الإنترنت من أجل مكافحة التطرف.

تقنية جديدة.. من مكافحة داعش إلى تفوق العرق الأبيض

ويشير الكاتب إلى أن هناك شركة ناشئة خاصة طورت حلًا غير مألوف يعتمد على أدوات تسويق عادية عبر الإنترنت؛ تحول عن طريقه الأشخاص الذين يبحثون عن عبارات متطرفة على جوجل إلى مقاطع فيديو تعزز آراءً مناهضة للتطرف.

Embed from Getty Images

تحت اسم «Redirect Method» (طريقة إعادة التوجيه) استُخدِمت هذه التقنية لأول مرة لمكافحة عمليات التجنيد المحتملة لصالح داعش، ولكن مؤخرًا أُعيد توظيفها لمناهضة العنصرية البيضاء في الولايات المتحدة.

تعاونت شركة «Moonshot CVE» التي تتخذ من لندن مقرًا لها مع «Anti-Defamation League» (رابطة مكافحة التشهير) ومؤسسة «Gen Next Foundation»، وهي منظمة خيرية، من أجل تطوير برنامج تجريبي صمم خصِّيصًا للولايات المتحدة. وعمل البرنامج عدة أشهر في الصيف الماضي، وأيَّد كبار مسؤولي مكافحة الإرهاب النهج الذي يتبعه.

واستشهد ماكفاركهار بما قاله راسل ترافرز، القائم بأعمال مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب، «أعتقد بشكل عام أن عمل الحكومة الأمريكية في مجال منع (التطرف) بطيء نوعًا ما، لكن هذا البرنامج جدير بالاهتمام وينبغي أن يستمر». مضيفًا أن «أي شيء يمكنك فعله لوقف استهلاك الأفراد لهذا النوع من المحتوى المتطرف المروع الذي تراه عبر الإنترنت، وتحويلهم إلى مكان آخر، يعد أمرًا جيدًا حسبما تقتضي الفطرة السليمة».

وتأسست شركة «Moonshot» على يد الأمريكية فيديا رامالينجام وروس فرينيت الذي درس التطرف لأول مرة في مسقط رأسه بأيرلندا. وعمل كلاهما في معهد أبحاث يركز على قضايا التطرف الإسلامي وغيرها من قضايا التطرف قبل أن يؤسسا شركة «Moonshot CVE» عام 2015. «CVE هي اختصار لمكافحة التطرف العنيف».

«Moonshot» تتصدى مباشرة لوقف التطرف عبر الإنترنت

في ذلك الحين، كانت معظم الجهود عبر الإنترنت موجهة صوب إزالة المحتوى. هذه الجهود ربما تعرقل النشاط، لكنها لا تتصدى للمشكلة الأساسية، كما تسعى «Moonshot» لفعل ذلك. «بدلًا من مراقبة المحتوى، ستحاول الشركة وقف عملية التطرف»، هكذا قال كلارك هوجان تايلور، رئيس قسم الاتصالات في «Moonshot».

ويتابع الكاتب أن الجهد الذي سيُكشف عنه النقاب في الولايات المتحدة خلال الأشهر القادمة سيستجيب إلى مجموعة واسعة من عبارات البحث. مشيرًا إلى أن شركة «Moonshot» التي طورت في وقت سابق 48 إعلانًا، تمتلك الآن 1064 إعلانًا. ووسَّعت قوائم التشغيل الخمس لتصل إلى 86 قائمة تشغيل.

وتشتري «Moonshot» إعلانات كأي شركة أخرى عبر جوجل وتدفع مقابل كل نقرة. وفي بعض الأحيان تمول جهودها ذاتيًا، كما فعلت في نيوزيلاندا وأستراليا لمدة 24 ساعة بعد الهجمات على المساجد في مارس (آذار)، عندما أدركت أن عمليات البحث عن المحتوى المتطرف ستزداد وتيرتها. وهي تستخدم الأموال المكتَسَبة من البرامج الحكومية أو من تدريس حلقات دراسية عن مكافحة الإرهاب. وفي أغلب الأحيان، تحصل على تمويل من حكومات وشركات أو مؤسسات خاصة.

حتى نفهم هذه الطريقة، يشير المقال إلى أنه من المفيد النظر في أكثر 20 عبارة بحث أخرى مثل «The Turner Diaries» (أي مذكرات ترنر)، وهي رواية بائسة صدرت عام 1978 عن العنصريين البيض الذين يحكمون سيطرتهم على الولايات المتحدة.

البحث عن كلمة «Diaries» (مذكرات) يمكن أن يفتح إعلانًا على جوجل أعلى الصفحة يقول: «هل تفخر بتراثك؟ تعرف على ما لم يخبروك به. لمزيد من المعلومات شاهد قائمة التشغيل الخاصة بنا».

النقر على الإعلان سينقل الشخص إلى أعلى قائمة تشغيل عبر يوتيوب تحتوي على خمسة إلى ثمانية مقاطع فيديو يتحدث فيها شخصيات متنوعة، من بينهم متطرفون سابقون، يشرحون لماذا تُعد أيديولوجية العنصرية البيضاء مضلَّلة.

قائمة التشغيل يمكن أن تحتوي على مقطع من فيلم «American History X» الذي يمر بطله المتعصب للعرق الأبيض بتحول بعد أن أصبح صديقًا لرجل أسود في السجن. 

هل تركز التقنية الجديدة على الأشخاص أم البيانات؟

واستشهد المقال بما قالته لودوفيكا دي جيورجي، مديرة برنامج «Redirect Method»: «الفكرة لا تتمثل في تعنيف معتنقي الأيديولوجية المتطرفة، بل لمساعدتهم في تغيير آرائهم بأنفسهم».

Embed from Getty Images

وأضافت لودوفيكا أن الشركة واجهت مشكلة جمع أموال عامة أو خاصة بأرقام كبيرة في الولايات المتحدة لاستخدامها؛ حيث أثارت هذه الطريقة مخاوف تتعلق بالحريات المدنية بشأن برنامج يراقب نشاط الناس على الإنترنت. لكنَّ Moonshot تتعهد بأنها تحصل على بيانات فقط عن مصطلحات البحث وليس عن الأشخاص.

وفي كندا، منحت الحكومة شركة «Moonshot» أكثر من 1.5 مليون دولار لتشغيل البرنامج لمدة 18 شهرًا، تنتهي بحلول مارس (آذار) القادم. وقررت وزارة «السلامة العامة في كندا»، المعنية بالتصدي للإرهاب والجريمة، أن هذه الطريقة هي «محاولة مبتكرة» للتصدي للتطرف عبر الإنترنت، حسبما كتب تيم وارمنجتون، المتحدث باسم الوزارة، عبر بريد إلكتروني.

وأشار ماكفاركهار إلى أنه من الصعب تقييم تأثير البرنامج، لأسباب أقلّها أن مؤسسيه لا يمكنهم حشد مجموعة مركَّزة من المتعصبين للعرق الأبيض لسؤالهم عن كيفية تأثير هذه الطريقة على تفكيرهم.

«إنهم يطبقون ما يفعله المسوقون التجاريون يوميًا، عبر وضع إعلانات جوجل أمام الناس»، بحسب تود هيلموس، المؤلف المشارك لورقة صادرة عن مؤسسة راند عام 2018 تقيس مدى فعالية هذه الأساليب، موضحًا أن «الابتكار يتمثل في تطبيق ذلك على التطرف».

وتابع الكاتب قائلًا إن هناك بعض المؤشرات على أن الإعلانات تلاحظ على أقل تقدير، مضيفًا أن أحد الأشخاص نشر مؤخرًا تعليقات على قناة تيليجرام يصف الإعلانات بأنها دليل على أن جوجل ويوتيوب يحاولان جاهدين نزع التطرف من عقول الناس. لكنه لم يكن راضيًا عن هذا النهج، لذلك قال: «قاطعوا العدو واحرموهم من بياناتكم».

من جانبه، أوضح جون دي كوهين، منسق مكافحة الإرهاب في الأمن الداخلي سابقًا، أن ارتفاع وتيرة عنف العنصريين البيض غيَّر طبيعة تقييم التهديدات على مدار السنوات الخمس الماضية، مع إيلاء اهتمام خاص بالتركيبة النفسية للمجنَّدين المحتملين.

ويقضي فريق «Moonshot» شهورًا في جمع قاعدة بيانات مصطلحات البحث، ورفع قائمة تبلغ قرابة 20 ألف مصطلح ستسهم في ظهور الإعلان على جوجل. بعض هذه المصطلحات مشهورة مثل «موسوليني» في حين هناك مصطلحات أخرى لأسماء قادة متعصبين للعرق الأبيض في دول بعينها. واستُمدت العديد من المصطلحات البحثية من ألمانيا النازية، أو تشير إلى مجموعات متعصبة للعرق الأبيض مثل «عضوية كو كلوكس كلان».

كلمات مفتاحية تساعد التقنية

وتقيِّم الشركة أيضًا التعاطف تجاه العنف، فمثلًا: كتابة «هتلر» لن تكون كافية لتحفيز أدواتها، ولكن كتابة «البطل هتلر» يمكنها ذلك. ويشير المقال إلى أن عمليات البحث عن ارتكاب جرائم الكراهية تزداد بعد وقوع هجمات مثل حادث إطلاق نار في متجر وول مارت بمدينة إلباسو في أغسطس (آب)  أو إطلاق نار في معبد «Tree of Life» في مدينة بيتسبرج. وتكون بعض عمليات البحث صريحة لدرجة تقشعر لها الأبدان مثل: «أريد أن أقتل السود» أو «أريد أن أقتل اليهود».

Embed from Getty Images

وبالإضافة إلى مكافحة أركان الأيديولوجية المتعصبة للجنس الأبيض، تبذل الشركة أيضًا جهدًا بالغًا في إنشاء قوائم تشغيل تتحدى عملية التطرف. 

وعلى سبيل المثال في قطاع الموسيقى، هناك إحدى الفرق الموسيقية المتعصبة للجنس الأبيض يُطلق عليها «Blink 1488». واسمها، الذي يشبه اسم فرقة موسيقى روك مشهورة، هو عبارة عن شفرة، ذلك أن الرقم 14 هو عدد الكلمات في شعار مشين، والرقم 88 يشير إلى «Heil Hitler»، لأن حرف H بالإنجليزية هو الحرف الثامن من الحروف الأبجدية.

وأصدرت الفرقة أغنية أطلقت عليها «What’s My Race Again؟» تحتوي كلماتها على عبارات مثل «التنوع ما هو إلا إبادة جماعية للبيض». ولكن البحث على جوجل عن هذه الأغنية أو الفرقة ربما يؤدي إلى هذا الإعلان: «هل أنت من محبي فرقة Blink 1488؟ هل تبحث عن مقترحات؟ اعثر على موسيقى جديدة ستحبها واكتشف أفضل الفنانين الجدد عبر مشاهدة قائمة التشغيل خاصتنا».

والنقر على مثل هذا الإعلان يوجه الشخص إلى قوائم تشغيل لأنواع موسيقى مشابهة – حتى وإن كانت فرقًا موسيقية أخرى – لكنها لا تحتوي على كلمات مفعمة بالكراهية.

اختتم الكاتب مقاله بنقل ما قالته السيدة دي جيورجي: «الكلمات قد تبدو غير ضارة لكن يمكنها أن تساعد في تكيّف الناس اجتماعيًا مع التطرف»، مضيفة أنه «إذا كان بإمكاني منعك من الاستماع إلى أغنية تتحدث عن قتل الأقليات، وأجعلك تستمع إلى أغنية عادية، أظن أن هذا انتصار».

«فورين بوليسي»: كيف روج الإعلام العالمي لليمين المتطرف في تغطية هجوم نيوزيلندا؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد