أهم إرهابيون أم حلفاء في الحرب ضد الدولة الإسلامية، أم أمة في حاجة إلى دولة؟ الإجابة هي: كل ما سبق.

 

يعاني الأتراك من حال لا يرثى لها، فهم معزولون ويتعرضون لتهديد إرهابي، وهذا في معظمه بسبب النهج الذي اتبعوه منذ بدء الحرب السورية، فقد غضوا الطرف طواعية عن كل المتطرفين الذين يقاتلون الأسد، وانجرارها إلى الحرب إثر طلب الولايات المتحدة استخدام القواعد التركية لمحاربة تنظيم الدولة. يمكن سماع أنات أنقرة بفعل هذا الموقف شديد التعقيد، كما يمكن إدراك أن ثمة أزمة دبلوماسية بين الولايات المتحدة وتركيا تلوح في الأفق. استُنزف السوريون بشكل غير مسبوق بفعل حرب طاحنة تخللها اتخاذ قرارات خاطئة والاعتقاد بحلول غير واقعية للأزمة. الله وحده يعلم كيف كان سيصبح حال أميركا لو انجرفت نحو تلك الحرب.

 

تجاهلت وجهة النظر الأميركية وجود المتطرفين الذين يقاتلون في سوريا، واعتقدت الولايات المتحدة أن التدخل الروسي سيخلق بيئة تجبر كافة أطراف الأزمة على التخلي عن مواقفهم المتشددة والجلوس إلى طاولة المفاوضات بحسن نية، ما أبقى أميركا بعيدًا عن الأزمة، لكنه أظهرها بمظهر الضعف والعجز. في حين أن الروس أرادوا من تدخلهم خلق حالة يكون فيها العالم مجبرًا على الاختيار بين الأسد والدولة الإسلامية.

 

يكمن جانب من المشكلة في الطريقة التي تنظر بها واشنطن إلى الأكراد، وماهيتهم، وما الذي يريدونه. عندما يرد ذكر الأكراد فإنه يجري التهوين منهم للغاية. يُنظر إلى الأكراد على أنهم أمة بالكاد تتناغم مع الأهداف السياسية والعلاقات مع الدول التي يقطنون فيها، وهي تركيا وسوريا والعراق وإيران. أهم إرهابيون أم حلفاء في الحرب ضد الدولة الإسلامية، أم أمة في حاجة إلى دولة؟ الإجابة هي: هم كل ما سبق، مما يجعل من الصعب التعامل معهم.

 

السبب في ذلك هو أن هناك 14 مليون كردي في تركيا، العديد منهم منخرطون سياسيًا واقتصاديًا في البلاد، كما انضم العديد من المتدينين الأكراد إلى حزب العدالة والتنمية الحاكم، وهناك أيضًا حزب الشعب الديمقراطي ذو التوجهات الليبرالية، لكن الحزب الحاكم صور حزب الشعب دومًا على أنه لا يختلف عن حزب العمال الكردستاني الذي تعتبره أنقرة منظمة إرهابية، والذي بدأت تركيا معه عملية سلام في 2013م وتوقفت في 2015م، لأسباب عديدة.

 

كان الاعتقاد السائد بعد غزو العراق هو أن تركيا ستغزو شمال البلاد، وذلك بعد أن أعلن حزب العمال الكردستاني إنهاء الهدنة السارية في 2004م. حيث كانت أنقرة تخشى من قيام دولة كردية مستقلة في شمال العراق (وهو ما سيحدث على الأرجح)، إلا أن فرص غزو تركيا لشمال العراق تتضاءل الآن؛ بسبب عدة عوامل، أبرزها: مصالح أنقرة الاقتصادية الواسعة مع إقليم كردستان العراق، وعلاقات حزب العمال الكردستاني الوطيدة مع الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة مسعود برزاني.

 

إلا أن الساحة الكردية في شمال العراق لا تقتصر على الحزب الديمقراطي الكردستاني، بل إن هناك حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، الذي يعتبر جلال الطالباني الرئيس الذي تلا صدام حسين أبرز شخصياته، والذي تقع مدينة السليمانية تحت سيطرته. ويُنظر إلى الحزب على أنه تقل لديه نزعة القبلية، وأنه على استعداد للبقاء ضمن حدود العراق والتعامل مع حكومة بغداد، وقد اشتعلت حرب طاحنة بين الحزبين في منتصف التسعينيات قُتل على إثرها الآلاف.

 

تعاون الحزب الديمقراطي الكردستاني مع حزب العمال الكردستاني لتحقيق التوازن مع التحالف القائم بين أنقرة والحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي تعاون مع تركيا ضد حزب العمال الكردستاني وتباطأ في إرسال المساعدات خلال اجتياح تنظيم الدولة لكوباني، فبرزاني يتجنب إغضاب الأتراك؛ لأن ذلك مهم لتحقيق الاستقلال في شمال العراق. وقد لعب الحزب الديمقراطي الكردستاني دورًا محوريًا في تشكيل وحدات حماية الشعب الكردية في سوريا، التي أظهرت كفاءة قتالية عالية في مواجهة تنظيم الدولة وغدت حليفًا لواشنطن.

 

يخشى الأتراك من تحالف الكيانات الثلاثة السالفة الذكر لإنشاء كيان مستقل في شمال تركيا. وقد سبب ذلك تعارضًا غريبًا في السياسة الأميركية، فبينما تنظر واشنطن إلى حزب العمال الكردستاني على أنه منظمة إرهابية، تقدم الدعم لوحدات حماية الشعب، التي شكلها الأول، في مواجهة تنظيم الدولة.

 

لم يقتنع أحد بمحاولات واشنطن التمييز بين حزب العمال الكردستاني ووحدات حماية الشعب. فقد أعلن أردوغان أنه لا يقبل بوجود منطقة كردية مستقلة شمال سوريا، على الرغم من ادعاء أميركا أنها أقنعت أنقرة بوجهة نظرها حول وحدات حماية الشعب. تشعر أنقرة بتواطؤ كل من واشنطن وموسكو ووحدات حماية الشعب ضدها. فبات الأمريكيون في موقف صعب، بعد أن خيرتهم أنقرة بين التعاون معها، وعليه إهدار كافة ما ساهموا به لمواجهة تنظيم الدولة، أو مع وحدات حماية الشعب وتجاهل تركيا كليًا.

 

حان الوقت لأن تقرر الولايات المتحدة ما إذا كان كل من حزب العمال الكردستاني ووحدات حماية الشعب تنظيمين إرهابيين أم لا، إن لم يكونا كذلك، يتعين على واشنطن تغيير نهجها مع تركيا، فالأتراك ليسوا حلفاء لا يمكن التخلي عنهم، لذا ربما تجدر المجازفة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد