في مقال بمجلة «فورين بوليسي»، قالت الصحافية تيسا فوكس: إنه بالرغم من زعم تركيا أنها تسعى إلى إعادة اللاجئين السوريين إلى ديارهم، لكن الأكراد ومراقبين دوليين يتهمونها بمحاولة تغيير التركيبة السكانية في الشمال السوري.

وأوضحت فوكس أنه بعد شهرين فقط من إطلاق تركيا عملية «نبع السلام» في سوريا، بدأت بالفعل عودة المدنيين إلى المناطق التي تحتلها الآن القوات التركية.

أطلقت تركيا عمليتها التي طال انتظارها في أكتوبر (تشرين الأول) من أجل إبعاد وحدات حماية الشعب الكردي عن المنطقة الحدودية بين سوريا وتركيا وإنشاء منطقة آمنة لإعادة ملايين اللاجئين السوريين الذين فروا إلى تركيا خلال الحرب السورية إلى ديارهم.

تصنف الحكومة التركية وحدات حماية الشعب منظمة إرهابية وذراعا لحزب العمال الكردستاني المحظور، الذي شن حملة قاتلة استمرت عقودًا من أجل الاستقلال الذاتي الكردي داخل تركيا.

وفقًا لـ«مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)»، لا يزال أكثر من 75 ألف شخص مشردين من مناطق في شمالي شرق سوريا ويسكنون في منازل الأقارب ومخيمات النازحين داخليًا بعد فرارهم من العملية التركية. وقد عبر أكثر من 17 ألف شخص الحدود إلى كردستان العراق بحثًا عن الأمان، وفقًا للمفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة.

بالنظر إلى أساس العملية – تشير فوكس – يبدو أن عودة السوريين إلى ديارهم في الشمال الشرقي مسيسة للغاية.

وتضيف: «لطالما أكدت الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا منذ وقت طويل بأن تركيا تقوم بعملية تطهير عرقي للأكراد وترى أن أحدث عملياتها جزء من حملة تغيير التركيبة السكانية على طول الحدود التركية».

بيد أن تركيا تزعم أنها تمهد الطريق لعودة اللاجئين السوريين إلى وطنهم، وبالتالي عودة التركيبة السكانية إلى ما كانت عليه قبل الحرب السورية. تحدثت تقارير إعلامية عن عودة سوريين عرب إلى المناطق التي تم تطهيرها مؤخرًا من الإرهابيين المزعومين، وخاصة المناطق التي تسيطر عليها تركيا الآن في تل أبيض ورأس العين، وهي البلدات التي كان بها دائمًا عدد كبير من السكان الأكراد.

على سبيل المثال – تضيف فوكس – ذكرت وكالة الأناضول التركية الحكومية أن حوالي 70 سوريًا يعيشون في تركيا منذ سبع سنوات، عبروا الحدود إلى سوريا وعادوا إلى رأس العين.

وذكرت وزارة الدفاع التركية أيضًا أن 295 شخصًا قد انتقلوا مؤخرًا من جرابلس، وهي بلدة حدودية سورية غرب نهر الفرات، إلى تل أبيض الآن وجرى استعادة «السلام والأمن». زُعم أن هؤلاء السوريين فروا من وحدات حماية الشعب، وهم يعودون إلى وطنهم بفضل تركيا.

لكن المرصد السوري لحقوق الإنسان يرى الأمر شكلًا من أشكال التغيير الديموغرافي المُهندس، مشيرًا إلى أن المدنيين يحتاجون فقط إلى تسجيل أسمائهم بواسطة القوات التركية لكي يتم نقلهم بواسطة المناطق التي تحتلها تركيا.

منطقة الشرق

منذ 8 شهور
«فورين بوليسي»: هل كانت تستطيع تركيا تجنب التدخل العسكري في سوريا؟

123 ألف شخص عادوا إلى سوريا منذ بدء العملية

فرّ محمود قميطية، زعيم الجالية الكردية في تل أبيض، من المدينة بعد أن بدأت تركيا عملياتها وهو الآن في القامشلي، في أقصى الشمال الشرقي من سوريا. تحدث مؤخرًا مع «فورين بوليسي» عبر الهاتف.

أكد قميطية أن جاره العربي أبلغه أنه لم يعد أحد إلى المدينة سوى بعض العرب. قال: «بعض الناس يأتون من خارج المدينة لتغيير تركيبتها وإزالة ثقافتنا».

تُظهر بيانات الأمم المتحدة أن حوالي 123 ألف شخص قد عادوا إلى ديارهم منذ بدء العملية، إلى أماكن تسيطر عليها تركيا الآن. اعتبارًا من بداية شهر ديسمبر (كانون الأول)، استولت تركيا على حوالي 1900 ميل مربع، تمتد من غرب تل أبيض إلى الشرق من رأس العين.

أوضحت المتحدثة باسم الأمم المتحدة دانييل مويلان أن عدد الأشخاص الذين عادوا بالفعل يبلغ حوالي 102 ألف، وهذا يعني أن حوالي 83% من النازحين عادوا بعد شهر من نزوحهم. وبالنظر إلى تدهور الوضع الأمني، فمن غير المرجح أن يعود آخرون في أي وقت قريب.

أكدت مويلان أيضًا على تقارير تفيد بأن حوالي 300 عائلة نزحت سابقًا من تل أبيض ورأس العين قد عادت مؤخرًا إلى مناطقها الأصلية في جرابلس، بالإضافة إلى 200 عائلة سورية عائدة من تركيا.

لكن لا يوجد دليل على أن هذه الأسر السورية كانت تعيش في شمال شرق سوريا – تستدرك فوكس – علاوة على ذلك، تتجاهل عودة العائلات التي لجأت إلى جرابلس خلال السنوات القليلة الماضية الحاجة إلى عودة الموجة الأخيرة من النازحين داخلياً.

يرى الأمين العام للجمعية النمساوية للدراسات الكردية، توماس شميدينجر، أن نقل الأشخاص من مناطق أخرى، بما في ذلك جارابلس وتركيا، يعتبر عملية استيلاء على الأراضي.

«لم يهرب أحد من رأس العين تقريبًا إلى جرابلس أو تركيا خلال العملية الأخيرة، لذا فإن الأشخاص الذين يذهبون إلى هناك يأتون الآن من مناطق مختلفة تمامًا في سوريا»، وفقًا لما قاله شميدينجر لـ«فورين بوليسي». لكنهم يسيطرون على المنازل التي جرى إخلاؤها مؤخرًا من قبل الأشخاص الذين فروا في أكتوبر.

كان هناك تدفق مستمر وموجات مختلفة من النازحين داخليًا واللاجئين في شمال شرق سوريا منذ بدء الحرب السورية. في عام 2012، أصبحت رأس العين خط المواجهة بين الإدارة الكردية وقوات المعارضة المدعومة من تركيا والميليشيات.

قال شميدينجر «لذلك فر الأكراد من المنطقة الواقعة غرب رأس العين إلى المنطقة الخاضعة لسيطرة الأكراد في الجزيرة»، في إشارة إلى المنطقة السورية الشرقية التي تضم القامشلي.

كانت التركيبة السكانية لرأس العين ثابتة إلى حد ما – تنوه فوكس – على الرغم من أن التعداد الأخير لم يميز العرق. ويقدر شميدينجر أن رأس العين كانت تتشكل من 70% من الأكراد، و15% من العرب، ومثلهم من السريان المسيحيين وغيرها من الأقليات، مثل الشيشان والتركمان. في حين كان أغلبية سكان تل أبيض عرب قبل الحرب. في عام 2011، كان 70% من السكان من العرب و25% من الأكراد، وفقًا لمعهد واشنطن.

عندما استولى الأكراد على المدينة من «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» في 2015، فر الآلاف من المدينة، مع توجه العديد منهم إلى تركيا. يزعم شميدينجر أن معظم هؤلاء الأشخاص كانوا يعملون مع «داعش» أو ينتمون إليه.

أضاف شميدينجر: «كان هناك ما لا يقل عن قرية واحدة تسمى البلو طرد الأكراد العرب منها لأن القرية كانت معروفة بأنها موالية لداعش، لم يطرد الناس بسبب إثنيتهم، ولكن لدعمهم (داعش)».

اتهمت منظمة العفو الدولية الإدارة الكردية بالتشريد القسري وهدم المنازل في عام 2015 ووثقت حالات لم يكن لها أي مبرر لأسباب أمنية أو حماية للسكان.

وفقًا لمويلان من مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية، فإن ما لا يقل عن 750 ألف شخص كانوا قد نزحوا بالفعل من المنطقة قبل 9 أكتوبر، عندما بدأت تركيا عملياتها. الآن، يبدو أن تركيا تجلب السوريين العرب الذين فروا من تل أبيض في عام 2015، بالإضافة إلى أشخاص من أجزاء أخرى من سوريا واللاجئين الذين كانوا يعيشون في تركيا منذ عدة سنوات.

تنقل فوكس عن قميطية، زعيم الجالية الكردية في تل أبيض، قوله إن الأشخاص الذين جيء بهم كانوا أصلًا من الغوطة وإدلب وحلب، ولا يعتقد أنهم كانوا ذات يوم من تل أبيض.

انتهاكات جسيمة في حق الأكراد

في الواقع إن المناطق التي تسيطر عليها الآن القوات المدعومة من تركيا ليست آمنة – تقول فوكس – إذ تؤكد إليزابيث تسوركوف من معهد أبحاث السياسة الخارجية: «الفصائل التي تحكم المنطقة ترتكب انتهاكات فظيعة، وهناك سيارات مفخخة تنفجر يوميًا في المناطق التي تم الاستيلاء عليها حديثًا».

وزعمت تسوركوف أن الأكراد واليزيديين معرضون للانتهاكات، إذ جرى الاستيلاء على العديد من منازلهم عبر فصائل مختلفة من الجيش الوطني السوري المدعوم من تركيا.

أضافت تسوركوف: «سنستمر في رؤية عودة العرب والشيشان، لكن معظم الأكراد سيضطرون إلى عدم العودة إلى ديارهم بسبب العنف وسوء المعاملة التي سيعانون منه».

صرح قميطية لـ«فورين بوليسي» قائلًا: إنه من المرجح أن ينتقل إلى الرقة، عاصمة «داعش» السابقة التي تخضع الآن للسيطرة الكردية، بدلًا عن العودة إلى منزله في تل أبيض. «لا يمكنني العودة لأن هناك لصوصًا وعصابات».

وقد أظهرت مقاطع مصورة بثها ناشطون الممتلكات التي تعرضت للنهب والمصادرة في أماكن مثل رأس العين.

إن توطين أشخاص ليسوا أصلًا من مناطق مثل رأس العين وتل أبيض يجري عبر نموذج إداري وزعته القوات التركية المدعومة، ويمكن للمقاتلين من أي منطقة في سوريا أن يسجلوا أنفسهم للتقدم بطلب نقل أسرهم إلى مناطق الآن تسيطر عليها تركيا.

قال تسوركوف: إن المنازل التي استولت عليها مختلف الفصائل في الجيش الوطني السوري تنتمي عمومًا إلى أفراد متهمين بأن لهم صلات مع وحدات حماية الشعب.

أصدرت «هيومن رايتس ووتش» بيانًا في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) تفصل فيه الانتهاكات التي ارتكبتها الفصائل في الجيش الوطني السوري، بما في ذلك النهب ومصادرة الممتلكات، فضلًا عن منع عودة المدنيين الأكراد.

وبينما كان الغرض من عملية ربيع السلام هو إنشاء منطقة آمنة للاجئين للعودة إليها، يبدو أن مستوى الأمان الذي يتمتع به أولئك الذين يعودون يعتمد على أصلهم الإثني – ويأتي حسب تقدير مختلف الفصائل التي تسيطر على الأرض.

عربي

منذ 7 شهور
«فورين بوليسي»: في ظل العمليات التركية.. كيف تبدو الحياة في شمال سوريا الآن؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد