رصد تقرير نشرته صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية ظاهرة اغتيال رجال الدين والأئمة في مدينة عدن جنوب اليمن، حيث قتل حوالي 27 من رجال الدين خلال العامين الماضيين في عدن والمناطق المحيطة بها. وكان صفوان الشرجبي آخر رجال الدين الذين قتلوا في سلسلة من جرائم القتل التي لم يكشف عن فاعلها حتى الآن.

وذكر التقرير أن هوية القاتل ما زالت غامضة، وذلك على الرغم من أن التكهنات تنتشر بسرعة في المدينة. ولم تعلن أي جماعة مسؤوليتها عن أي من حوادث القتل، ولم يتم توقيف أي من مرتكبي هذه الاغتيالات.

بحسب التقرير، ارتفعت وتيرة الاعتداءات بحدة منذ أكتوبر (تشرين الأول) مع مقتل 15 من رجال الدين، من بينهم اثنان في الشهر الماضي، بحسب مسؤولين يمنيين وأعضاء من الجماعات الدينية. تعرضوا جميعًا لهجوم في حوادث إطلاق نار من مركبات أو قتلوا بالقرب من مساجدهم. وقد فر عشرات من رجال الدين الآخرين من المدينة، كما قلل آخرون ساعات عملهم للبقاء على قيد الحياة.

في هذه المدينة اليمنية الجنوبية التي تعج بالفوضى، حيث تعمل الحكومة المحلية بالكاد، ويسيطر خصومها من المسلحين على الشوارع؛ ملأ رجال الدين فراغ القيادة الذي تشهده عدن. وباعتبارهم قادة مجتمع بارزين، يتنافسون الآن على السلطة مع الميليشيات الطموحة وتنظيمات القاعدة وداعش، وقد جعل ذلك رجال الدين مستهدفين.

ونقل التقرير عن ليلى الشبيبي، وهي ناشطة يمنية في مجال حقوق الإنسان والديمقراطية، قولها: «مع كل عملية قتل، يتم إضعاف المجتمع. كان رجال الدين قادة فاعلين في مجتمعاتهم. قاموا بحل النزاعات وقدموا المشورة. كانوا معلمين ومتحدثين في مجتمعاتهم».

تبدو عمليات القتل -بحسب التقرير- مرتبطة بصراع على السلطة بين وكلاء حليفين للولايات المتحدة: المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. يقف هذان البلدان في الخليج العربي معًا في حملة مسلحة ضد الحوثيين، الذين أطاحوا بالحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا. لكن السعوديين والإماراتيين لديهم رؤى مختلفة لمستقبل اليمن.

التقرير ذكر أن العديد من رجال الدين الذين تم اغتيالهم، بما في ذلك الشرجبي، كانوا أعضاء في حزب سياسي إسلامي ذي نفوذ، معروف باسم الإصلاح. ينظر السعوديون إلى الحزب على أنه حليف وله دور حيوي لإعادة بناء اليمن. ومع ذلك، فإن الإماراتيين يعتبرون أعضاء حزب الإصلاح متطرفين خطرين مرتبطين بجماعة الإخوان المسلمين، التي تنظر إليها بعض القوى الإقليمية باعتبارها مجموعة متطرفة.

كما دعا بعض رجال الدين المقتولين إلى وحدة اليمن، في حين أن مجموعة قوية من الميليشيات الموالية للإمارات تفضل انفصال الجزء الجنوبي من البلاد. وقال بيتر ساليسبري، وهو محلل يمني في مجموعة الأزمات الدولية: «هذه حملة ممنهجة ومدروسة بعناية. الأشخاص المستهدفون هم خارج التيار الرئيسي الجديد في الجنوب، وهو مؤيد للانفصال».

القتل السياسي في تزايد

لعقود من الزمن، تعود إلى الفترة التي كانت فيها عدن مستعمرة بريطانية، كانت الاغتيالات وسيلة لكسب النفوذ في جنوب اليمن.

في هذه المدينة المترامية الأطراف التي انهارت فيها أجهزة إنفاذ القانون والنظام القضائي، أصبحت عمليات القتل السياسي متزايدة. قام كل من تنظيم القاعدة وداعش بتنظيم العديد من التفجيرات الانتحارية التي استهدفت مسؤولين حكوميين وجنودًا ومدنيين. يتجول الرجال والصبية الذين يحملون البنادق في شاحنات صغيرة، ولا أحد يعرف ولاءهم.

يشهد اليمن حربًا منذ أربع سنوات بين قوات مؤيدة لهادي وقوات موالية للحوثيين

تنتشر عمليات الاغتيال إلى درجة أن جماعات حقوق الإنسان تعقد مؤتمرات حول كيفية التعامل مع التهديدات. تظهر الملصقات واللوحات الإعلانية التذكارية للضحايا حول عدن. كانت المدينة في حالة اضطراب منذ عام 2015، عندما طردت قوات التحالف بقيادة السعودية ورجال القبائل الحوثيين.

أما في الجنوب، فالحكومة الآن تحت قيادة الرئيس اليمني المخلوع عبد ربه منصور هادي، لكن الشوارع يحكمها خليط من الميليشيات المؤيدة للانفصال تسمى «المجلس الانتقالي الجنوبي» وداعمها الرئيسي هو الإمارات. لطالما شكك الانفصاليون بحكومة هادي المؤيدة للوحدة، واتهموها بالفساد وقمع الجنوب. ويزعمون أن حزب الإصلاح، الذي يؤيد أيضًا وحدة اليمن، يؤثر على هادي ويسيطر على حكومته.

في يناير (كانون الثاني)، حاول الانفصاليون الاستيلاء على القصر الرئاسي الذي يضم حكومة هادي، مما أرغم السعودية والإمارات على إرسال مبعوثين للتوسط في وقف إطلاق النار.

وقال مسؤول أمريكي رفيع إن بعض عناصر المجلس الانتقالي الجنوبي من المحتمل أن يكونوا وراء مقتل رجال الدين. وقال المسؤول الذي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته: «يواجه حزب الإصلاح بالفعل ضغوطًا شديدة في عدن وأماكن أخرى سواء من الناحية السياسية أو الأمنية».

لكن العميد شلال علي شايع، رئيس أمن عدن والقيادي البارز في المجلس الانتقالي الجنوبي، نفى التكهنات بأن قواته وراء عمليات القتل. وألقى باللوم على المتطرفين الإسلاميين. وقال مسؤولون انفصاليون إن حزب الإصلاح مسؤول عن اغتيال رجال الدين. وقال هؤلاء المسؤولون إن حزب الإصلاح كان يقتل رجال الدين المعتدلين ليحلوا محل هؤلاء الذين هم أكثر تطرفًا.

سيد الشهداء

وفي مراسم جنائزية نظمت يوم 12 مايو (آيار)، أي بعد يومين من اغتيال الشرجبي، وصفه الأقارب والأصدقاء بأنه كان ودودًا ومحبوبًا، وبأنه كان واعظًا لا يناصبه أحد العداء. في إحدى اللوحات التذكارية له، ارتدى الشرجبي سترة بلون كريمي وقميصًا ورديًّا ونظارات شمسية، وكان يبدو وكأنه نجم سينمائي أكثر من رجل دين.

مثله مثل غيره من رجال الدين، لعب الشرجبي دورًا هامًا في المجتمع القبلي اليمني التقليدي. قدم محاضرات دينية عن القرآن والأخلاق. وتوسط في الصفقات بين الجيران الغاضبين وحل الخلافات التجارية. وقدم المشورة للشباب المشوشين وكان وسيطًا لإتمام الزواج بين العائلات.

الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي-اليمن

انضم الشرجبي إلى رجال دين آخرين لحشد المقاومة ضد المتمردين، وجمع المال والغذاء للمقاتلين المناهضين للحوثيين.

في خطبه وعلى صفحته على فيسبوك، لم يتوان الشرجبي عن التعبير عن وجهات نظره ضد حكام عدن، بحسب زملائه وأصدقائه. وحث الشباب على الابتعاد عن الميليشيات المؤيدة للانفصال وندد بالتطرف. في بعض مشاركاته الأخيرة على موقع فيسبوك، قام بشجب السلطات التي «تسببت في معاناتنا» وكتب أن «سيد الشهداء من يقول كلمة حق عند سلطان جائر ويقتل في سبيل ذلك».

وقال وائل فارع، رجل دين آخر في حزب الإصلاح: «كان صفوان يدعو دائمًا إلى الوحدة، كما فعل جميع رجال الدين المعتدلون الآخرون الذين قُتلوا. ولم ير أي شيء جيد سينتج عن الانفصال».

اعترى المقربون من الشرجبي مخاوف من الحديث عن حادثة اغتياله، لكن آخرين عبروا عن رأيهم في الأطراف التي تتحمل مسئولية مقتله. وقال أشرف علي محمد، وهو صحفي محلي، موجهًا أصابع الاتهام إلى الإمارات والميليشيات الانفصالية: «لقد تمت هذه الاغتيالات لخدمة بعض الأطراف من الخارج والداخل. هددت هذه الأطراف بطرد الإصلاح من المجتمع».

وفي عدن، كان للاغتيالات أثر مروع على المساجد التي أغلق البعض منها. وتوقف بعض رجال الدين عن إمامة الناس في صلاة الفجر، الوقت الذي يتخفى فيه القتلة تحت ستار الظلام. كما عمل آخرون على تغيير الجدول اليومي لإمامتهم للصلوات اليومية لتجنب معرفة مواعيد عملهم، فضلًا عن انتشار ظاهرة الحراس الشخصيين.

ولم يعد هناك إمام في مسجد هائل سعيد. فر الإمام علي أحمد محفوظ الخطيب من عدن في وقت سابق من هذا العام بعد اغتيال اثنين من رجال الدين في المساجد القريبة. كما اكتشف أن اسمه كان على قائمة الأهداف المنشورة على الشبكات الاجتماعية، بحسب ما نقل عنه التقرير.

وقال الخطيب: «لم تفعل قوات الأمن والسلطات المسؤولة عن التحقيقات أي شيء لحماية رجال الدين أو التحقيق مع من يقفون وراء عمليات القتل هذه». وذكر إنه يعرف ما لا يقل عن 20 من رجال الدين الذين فروا من عدن، مشيرًا إلى أن تقارير وسائل الإعلام المحلية تشير إلى أن الرقم يصل إلى 120. وقال: «طالما أن الحرب مستمرة، فمن الطبيعي أن تستمر هذه الأعمال».

ورصد التقرير وجود صورة معلقة على الجدران لإمام أحد المساجد الأخرى في عدن، وهو الإمام شوقي كمادي الذي قتل قبل ثلاثة أشهر من اغتيال الشرجبي. وكان كمادي المشرف على تدريب الشرجبي قبل أن يقتل بالقرب من مدرسة كان من المقرر أن يلقي فيها دروسًا في القرآن.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد