قاسم سليماني، رجل الظل في إيران، وسيف حكامها، هو في عيون الإيرانيين بطلٌ شعبي، وفي عين أعدائه الشيطان الرجيم، الذي تجب العجلة إليه والقضاء عليه.

وفي تقريرٍ بموقع «ميدل إيست آي» البريطاني، تحكي جاين كوربين، كبيرة مراسلي هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، كيف أثر سليماني في خريطة الشرق الأوسط، وأي الأدوار يُخشى منه بسببها. فإليك نص التقرير:

بطلٌ في عيون البعض، وشيطانٌ بالنسبة لآخرين؛ هذا هو الجنرال قاسم سليماني، الذي يراه كلٌ من حلفائه وأعدائه واحدًا من أقوى اللاعبين في الشرق الأوسط اليوم.

«نيوزويك»: ماذا يعني تكريم خامنئي لقاسم سليماني ومنحه أرقى وسام في إيران؟

كقائدٍ لفيلق القدس التابع للحرس الثوري لأكثر من عقدين، كان العقل المدبر للعبة الشطرنج الإستراتيجية الإيرانية في المنطقة، وعلى مدار سنين عديدة غطيتُ فيها المنطقة في هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، تابعتُ تقدم قائد الظل هذا، الذي يحرك الخيوط من خلف الكواليس.

يقول الجنرال ديفيد بتريوس، الذي قاد القوات الأمريكية في العراق، قبل أن يصير مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية: «رأينا سليماني شيطانًا عالي الكفاءة والمهنية، ومحنكًا قوي الشخصية».

وصرّح الشيخ جلال الصغير، وهو إمام شيعي عراقي، عرف سليماني منذ عدة أعوام وحارب إلى جانبه: «سليماني كنز نادر يصعب العثور عليه، فهو روحاني ومثالي، مختلف عن الشخصية الحازمة القاسية التي تجدها عادةً في القادة العسكريين».

قاسم سليماني.. الشهيد الحي

من عائلةٍ من الطبقة الكادحة في ريف إيران، نشأ سليماني إبان الثورة الإسلامية، وصنع اسمه كقائد عسكري في حرب إيران والعراق في الثمانينيات، التي مات فيها مئات الآلاف من الإيرانيين. وبطريقةٍ ما، نجا ليُجسد أسطورة الشهيد الحي.

وعندما غزا التحالف بقيادة الولايات المتحدة العراق واحتلها عام 2003، مطيحًا صدام حسين، كان هدف سليماني الأول هو ضمان عجز العراق عن زعزعة استقرار إيران مرة أخرى، وبدأ في استخدام نفوذه. وعندما تسلحت القوات الشيعية العراقية ضد الغزاة والمقاتلين السنة، بدأ فيلق القدس بتدريب وإمداد هذه المليشيات بأسلحة متطورة.

قاد اللواء جوناثان شاو القوات البريطانية في البصرة عام 2007، في ذروة العنف، إذ قُتل 41 من قواته في غضون عدة أشهر بعبوات ناسفة، هرَّبتها إيران عبر المستنقعات الجنوبية.

كانت لعبة كر وفر، وقال شاو عنها: «عرفنا أنَّهم قادمون، لكن لم نتمكن من إيقافهم، زادت دفاعاتنا وتضاعفت قنابلهم، كانت حملة ترهيب مدبرة من سليماني، ولم تكن حربًا شاملة، لكنَّها أطبقت علينا، وكانوا يقولون: «من الأفضل أن تخرجوا»، كنت فقط تشعر بتضاؤل رغبة القوات البريطانية في القتال بالعراق».

انسحب البريطانيون من البصرة منذ أكثر من عقد، لكن بقيت المدينة تحت النفوذ الإيراني، كما هو الحال في أغلب العراق إلى اليوم.

خارج الظل

انقلبت الطاولة في 2014، عندما اجتاح تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) شمال العراق، واستولى على الأراضي والسلاح من الجيش العراقي.

وبينما تباطأ الغرب في الرد، أدرك سليماني سريعًا التهديد الذي يشكله داعش على إيران، وأرسل طائرات محملة بالسلاح لكلٍ من البيشمركة الكردية المرابطين على الحدود، وميليشيات الشيعة العراقية التي انضمت للمعركة.

وصرَّح رئيس الوزراء العراقي نور المالكي: «طلبنا المساعدة من إيران، ولبَّت النداء، ونحن ممتنون للغاية». شوهد سليماني علانيةً في ساحة المعركة، يقود العمليات، خرج من الظل وأصبح نجم وسائل التواصل الاجتماعي، إذ انتشرت صوره مع المقاتلين في المنطقة.

وعندما انضمت قوات الولايات المتحدة وبريطانيا أخيرًا إلى الحرب ضد داعش، وجدوا أنفسهم في نفس الجانب مع إيران. وقال الجنرال الأمريكي ستانلي ماكريستال: «عندما كانت داعش هي الشيطان الرجيم، كان سليماني ذلك الفارس الأبيض الذي يحاربه، والآن إلى حدٍ ما، يبدو كحليف أمريكي، لكنَّه تحالف غريب لم يستمر طويلًا».

وقال قادة البيشمركة إنهم وُضعوا في موقفٍ محرج، عندما وجدوا أنفسهم مغمورين بالأسلحة من الجانبين. وصرَّح محمد حجي محمود القائد المعروف: «تساءل جنودنا أي الذخيرة أفضل، الأمريكية أم الإيرانية؟ لم نرغب في نشر الذخيرة الإيرانية، حتى لا يدرك التحالف أنَّنا نستخدمها».

أشار محمود إلى أنَّه عندما كان سليماني أو المليشيات الشيعية في المنطقة، لم تقدم الولايات المتحدة الدعم الجوي. ووفقًا لبتريوس كان الأساس المنطقي لذلك هو تقليص سلطة سليماني، حتى تستجيب الميليشيات الشيعية في سيناريو ما بعد داعش لـ«السلطات العراقية الشرعية، وليس لقادة المليشيات الشيعية، الذين يتبع بعضهم سليماني بشكلٍ أساسي».

مواجهة إسرائيل

أخبرني محللون غربيون أنَّ هدف سليماني الأساسي هو إنشاء ممر بري من طهران إلى لبنان وشواطئ البحر الأبيض المتوسط عبر العراق وسوريا، لتستطيع إمداد حلفائها بالأسلحة الإيرانية ومحاصرة إسرائيل.

وبعد دعم نظام الأسد، استخدم سليماني قواعد فيلق القدس في سوريا للتحقق من دفاعات إسرائيل في الشمال. وقبل عام، صرَّحت إسرائيل بأنَّ فيلق سليماني أطلق طائرةً مسلحة بدون طيار في المجال الجوي الإسرائيلي. منذ ذلك الحين، تقول إسرائيل إنَّها نفذت عشرات الغارات الجوية في سوريا ردًا على الهجمات الصاروخية الإيرانية.

ووفقًا لإسرائيل، يقوم سليماني أيضًا بتسليح حزب الله المدعوم من إيران في دولة لبنان المجاورة، ويوفر تكنولوجيا متطورة لتحديث عشرات الآلاف من الصواريخ.

وتحدَّث إلي الجنرال نيتسان ألون، قائد المعركة العسكرية الإسرائيلية في تلك الجبهة الأمامية الجديدة، في مرتفعات الجولان، المطلة على قواعد فيلق القدس في سوريا، وقال: «أعتقد أنَّ سليماني يحط من شأن القدرات الإسرائيلية، وربما يبالغ في تقدير قدراته أمام إسرائيل».

أصبح سليماني رمزًا شعبيًا في إيران، حتى أُنتج له فيلم رسوم متحركة «النضال لأجل الخليج الفارسي Battle for the Persian Gulf»، حيث يؤدي دور البطولة كقائد يهزم أمريكا في حرب خيالية. وصرَّح علي أنصاري، رئيس معهد الدراسات الإيرانية بجامعة سانت أندروز: «أصبح سليماني بطريقةٍ ما واحدًا من أبطال الأساطير الإيرانية القديمة، فارس معاصر بدرع لامع، كقوة مطلقة من الإرادة والصلاح، قادر على إبعاد كل الشرور».

وكان قاسم سليماني قد حذرَّ الولايات المتحدة في تصريحاته الأخيرة، قائلًا: «ستشعلون فتيل الحرب، لكنَّنا سنقرر نتيجتها».

«فورين بوليسي»: تعرف إلى الجنرال الإيراني الذي ضمن للأسد بقاءه

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات