يرى العلماء والعديد من الصحفيين أن معظم الأنظمة غير الديمقراطيّة تتشابه في العديد من الأمور، فعادة ما يحكمها الطغاة المستبدون وفقًا لأهوائهم ومصالحهم. وقد قطع علماء السياسة عدة خطوات في السنوات الأخيرة في طريقهم لاكتشاف كيفية قيام الحكام الطغاة بتأسيس هذه الأنظمة، واستخدامهم وسائل ديموقراطيّة “ظاهريّا” مثل الانتخابات من أجل ترسيخ حُكمهم.

يفترض العلماء أن كل سمة من سمات الأنظمة السياسية غير الديمقراطيّة  قد وُضعَت بطريقة أو بأخرى من أجل خدمة النظام، ووظيفة هؤلاء العلماء أن يُظهروا كيفية قيام الأنظمة بذلك، وتوضيح مدى التلاعب الذي يمكن أن يحدث داخل تلك الأنظمة، وكيفية تجنّبهم الانتقادات بعبارات مثل: “نحن نتبع سيادة القانون”،  و”لا يمكننا التدخل في العملية القضائية”، و”علينا أن نحترم إرادة الناخبين”.

الدولة المصرية في ظل حكم الرئيس عبد الفتاح السيسي هي دولة ديكتاتورية بكل تأكيد، فهي تزج بالمعارضين في السجن بتهم غامضة، وتقوم بإبعاد الصحفيين الناقدين عن وظائفهم، وتقمع المظاهرات باستخدام القوة المؤدية للقتل، وتستخدم الوسائل القانونية وغير القانونية من أجل حماية النظام السياسي.

وهناك مجموعة من المؤسسات غير الخاضعة للمحاسبة والتي لها دور في الحكم بجانب مؤسسة الرئاسة، على رأسها المؤسسة العسكرية وقوات الأمن، رغم أننا أحيانا نسمع عن خصومات ونزاعات داخل هذه المؤسسات.  

تمتلك هذه المؤسسات نفوذًا كبيرًا، فعندما تريد الرئاسة أو الجيش أو المؤسسة الأمنية شيئًا ما من إحدى المؤسسات الرسمية، فإنها تستطيع أن تجد حلفاء وأنصار لها داخل تلك المؤسسة. وأحيانًا يتصرف هؤلاء الحلفاء وفقًا للجو العام دون انتظار تعليمات، وذلك عند حدوث حالة تطهير للمسئولين الذين يشتبهون في تعاطفهم مع الإخوان المسلمين.

بالرغم من وجود هذه المؤسسات على الساحة بشكل واضح في النظام المصري الجديد – ما بعد حُكم الإخوان المسلمين – إلّا أن هذه المؤسسات لا تزال تعمل لحماية استقلاليتها، وكثيرًا ما تحدث نزاعات داخل هذه المؤسسات حول مقدار ما يجب أن يقدموه للرئيس ليضمنوا مكانتهم، فهم يضعون الحصول على امتيازاتهم في مقدمة أولوياتهم، ليضمنوا ذلك قبل حدوث أي تغيير داخل صفوفهم.

يتجلى هذا النمط في مؤسستين، هما المؤسسة القضائية، والمؤسسة الدينية. في العام الماضي، أعلن السيسي عن استيائه من كلتا المؤسستين لعدم تنفيذهما تعليماته بالحزم وبالسرعة التي يريدها.

السلطة القضائية تصارع من أجل فرض نفسها

نعم، لقد أصدر القضاة أحكامًا بالإعدام، وبعضها مبالغ فيه، كما وصل القضاة إلى حد بعيد في تأييدهم لقمع الإخوان المسلمين، وقاموا بإصدار العديد من الأحكام الاستبدادية والتي هي جزء من النظام القانوني المصري. ولكن السيسي وجد أن بعض المحاكمات تستغرق وقتًا طويلًا، وأن القضاة يريدون حماية أنفسهم أيضًا. في جنازة النائب العام هشام بركات – الذي تم اغتياله – انتقد السيسي القضاء لبطئهم في إصدار الأحكام، وخصوصًا أحكام الإعدام، وصرّح قائلًا: “لن ننتظر خمس أو عشر سنوات في محاكمة هؤلاء الذين يقتلوننا” في إشارة منه إلى ضرورة إصدار أحكام ناجزة، كما وضع جزءًا من  مسؤولية الحد من الإرهاب على كتف السلطة القضائية قائلًا: “سنحترم القانون، ولكننا سنضع قوانين تناسب الوضع الحالي. الأمر يرجع للسلطة القضائية”.

وبالرغم من إصدار القضاء أحكامًا صادمة، إلا إن القضاة لا يزالون يبدون قادرين على إصدار أحكام مستقلة. لذا تحرص الهيئة القضائية على أن يكون صوتها مسموعًا في المسائل التي تؤثر على هيكلها وأدائها.

في السابع من يوليو، وافق المجلس الأعلى للقضاء على قانون مكافحة الإرهاب والذي تمت صياغته على عجالة، ولكنها أعربت عن تحفظها على العديد من المواد في ذلك القانون، مثل وجود ما يقضي بإنشاء محاكم خاصة بالإرهاب، وتقصير عملية الاستئناف، والسماح بحدوث المحاكمات دون حضور المدّعى عليه إذا كان محاميه حاضرًا. أصبح كبار القضاة يعيرون انتباهًا – ولو بشكل محدود وحذر للغاية – لبعض الأصوات المعارضة القادمة من منظمات حقوق الإنسان ونقابة الصحفيين المصرية والعديد من الأحزاب.

قام القضاة بالضغط على الرئيس لإجراء تغييرات أخرى، وقد نجحت المحكمة الدستورية العليا في إحداث تغيير في قانون يفرض عليهم الحكم الفوري في أي طعن على قانون الانتخابات. ومن المفارقات أن الذي كان قد أصدر هذا القرار رئيس المحكمة العليا عدلي منصور عندما كان رئيسا مؤقتًا. وقد تم وضع هذا القانون لمنع المحكمة من أخذ وقت طويل في حكمها، فقد ينتهي الأمر بحلِّ البرلمان بعد انتخابه. ولكنه يضع عبئًا كبيرًا على المحكمة أيضًا، لذا اضطر السيسي إلى العودة للنظام القديم الذي يسمح للمحكمة بأن تأخذ وقتها في إصدار الحُكم. إذًا سوف يأخذ أعضاء البرلمان مقاعدهم مع العلم بأن المحكمة يمكن أن تقوم بحلّ البرلمان في أيّ لحظة.

المؤسسة الدينية تحاول التراجع قليلًا

لم يسلم الأزهر أيضًا من توبيخ السيسي، بل كان أكثر حِدة. في يناير، دعا السيسي رجال الأزهر لريادة “حملة دينية” قائلًا: “أنتم الأئمة مسؤولون أمام الله .. العالم كله ينتظر كلمتكم لأن هذه الأمة تتمزق”. وفي مارس، حذرهم السيسي بأن حساب الله سيكون أقسى، وأن الخطأ في الدين أكبر من أيّ خطأ آخر، وقال لهم: “المسؤولية مُحمَّلة عليكم أكثر من أيّ شخص آخر”.

استجاب البعض داخل المؤسسة الدينية – وكان أبرزهم وزير الأوقاف – لدعوة الرئيس بِهمة، فكانت دافعًا لهم للتحرك ضد المعارضين للنظام الجديد وضد الداعمين للتطرف.

بينما شعر آخرون بأنهم تلك الانتقادات غير عادلة. تصدّت قيادات الأزهر لعاصفة الانتقادات الموجهة إليها في الصحافة، قائلين بأن هذه الانتقادات تطالبهم بفعل أمور هم يقومون بها على أية حال. قامت مؤسسة الأزهر بإطلاق تصريحات تدين فيها أعمال الإرهاب، وقامت أيضًا بتنظيم المؤتمرات وإرسال البعثات التعليمية، كما أعطت اهتمامًا كبيرًا لعملية مراجعة منهجها، بالرغم من قيامها بهذه الإجراءات قبل إعطاء الرئيس تعليماته بفترة طويلة.

وفي الآونة الأخيرة، حاول الشيخ أحمد الطيب – الإمام الأكبر للأزهر – توزيع اللوم حيث أعرب عن أسفه من أن وسائل الإعلام وكلًا من الخطاب الديني والثقافي والتعليمي لم يقوموا بواجبهم لتجديد الأفكار الدينية. ردًا على ذلك، حاولت الرئاسة إعطاء الأزهر مكانته إذ أدلت بتصريحات تؤكد فيها على ضرورة استمرار الأزهر في القيام بدوره في تصحيح الخطاب الديني والقضاء على الأفكار الخاطئة وذلك من أجل مكافحة الإرهاب والتطرف. بينما انتقد السيسي الأزهر لتقصيرهم في القيام “بالثورة الدينية” التي أرادها، وذلك خلال احتفالات وزارة الأوقاف بلَيلة القدر. وأضاف: “أنتم المسؤولون عن تجديد الخطاب الديني، وسيسألني الله عن إذا ما قمت بدوري كاملًا أم لا”. وقال أيضًا: “إن دور رجال الدين ليس إلقاء الخطب في المساجد، ولكن نشر السلام بين البشر”.

الرئاسة والجيش والأجهزة الأمنية في المقدمة

خرجت بعض الأمور عن سيطرة السيسي، مثل سلطة تعيين بعض المناصب التي كانت متاحة للرؤساء السابقين. على سبيل المثال، سيقوم كبار علماء الازهر بتعيين من يخلُف الطيب، وكذلك قيام مجلس القضاء بتعيين البديل للنائب العام السابق هشام بركات والذي تم اغتياله، كما ستقوم المحكمة الدستورية العليا بتعيين رئيسها حين يترك عدلي منصور منصبه.

القول بأن مؤسسات الدولة المصرية تسودها خصومات داخلية لا ينفي أن بعض المسؤولين وبعض المؤسسات هم المسيطرون، فالرئاسة والجيش والمؤسسة الأمنية هم من يحددون الملامح الأساسية لسياسة الدولة. وبالرغم من أنهم – في بعض الأوقات – لا يستطيعون إجبار المؤسسات الأخرى على فعل ما يشاءون، إلا أن هذه المؤسسات الأخرى لا تستطيع التدخل في شئونهم.

وبما أن الرئاسة قد تحمّلت مسؤولية أمن مصر ومشاكلها الاقتصادية بشكل كامل، فمن الطبيعي أن نسمع اعتراضات من بعض الشخصيات القيادية على أداء الرئاسة. وقد تردد في الصحافة أيضًا شائعات وجود استياء من جانب الأعضاء البارزين في الجيش، ورجال الأعمال، والمؤسسة الأمنية.

قد تقوم الرئاسة بالتحكم في الدولة، ولكنها لم تقم بتأسيسها كما يجب، ولا تملك السيطرة التامة عليها.

قام الجيش أيضًا بلعب أدوار سياسية واقتصادية هامة، وحصل على موافقة السيسي على مجموعة من القوانين التي تقضي بإعفاء المنشآت العسكرية من الضرائب، والسماح للجيش والشرطة بإنشاء شركات أمن خاصة.

في السادس من أغسطس، قررت مصر الاحتفال بافتتاح الممر الثاني لقناة السويس والتي شارك الجيش جزئيًا في حفرها. فالعديد من المشروعات الضخمة المقترحة والتي تتضمن مشاركة الجيش فيها بشكل كبير في إطار خطة السيسي للإصلاح الاقتصادي، لم تؤتِ ثمارها باستثناء قناة السويس.

وفي الوقت نفسه، فإن المؤسسة الأمنية – والتي تشمل الشرطة والمخابرات – تبدو غير خاضعة للمحاسبة. في عهد الرئيسين السابقين أنور السادات وحسني مبارك، كان رئيس الدولة قادرًا على التحكم في هذه المؤسسات واتخاذ القرارات السياسية بمفرده. بينما تحت حكم السيسي، فإن الصورة غير واضحة. فبالرغم من قيام السيسي ببعض التغييرات في مناصب هامة، إلا إن الأجهزة الأمنية تبدو أنها تتصرف بإرادتها تمامًا.

الديكتاتورية المصرية غير المتزنة

في مصر، يظهر الخلل في النظام المصري الجديد في جانبين. أولهما، الخدمة السيئة للمجتمع، إذا أن عملية صنع القرار مبهمة وتستجيب لمطالب المؤسسات دون الاستجابة لاحتياجات الشعب. وثانيهما، الخلل في النظام المصري نفسه وقيامه ببعض التصرفات العشوائية، فعندما يعود البرلمان في نهاية العام الحالي، سيقوم البرلمان فورًا بمراجعة حصيلة هائلة من التشريعات التي صدرت خلال العامين الماضيين. وبالتالي، ستكون عودة البرلمان بمثابة إضافة عنصر مؤثر للمعادلة.

بالتأكيد سيحاول السيسي استخدام هذا الخلل لصالحه، إذ يمكنه تقديم التبريرات للدبلوماسيين بأنه لا يُحكِم السيطرة على الدولة. قد تستمر “مصر السيسي” مثلما استمرت “تشيلي بينوشيه” أو “برتغال سالازار” ولكنها لم يتم تأسيسها كما يجب، أو تم تأسيسها بشكل خاطئ تمامًا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد