من قتل الربيع العربي؟ تساؤل طرحه «ديريك تشوليت»، مؤلف كتاب «اللعبة الطويلة: كيف تحدى أوباما واشنطن، وأعاد تعريف دورها في العالم»، في تقرير نشره موقع «War On Rocks».

واستعرض تشوليت، الذي كان قد خدم وزارة الخارجية الأمريكية، والبيت الأبيض، خلال ولاية أوباما، ما تناوله الكاتب الأمريكي «مارك لينش» مؤلف كتاب «الحروب العربية الجديدة»، والذي ألقى فيه الضوء على الأسباب التي أفضت إلى وأد الربيع العربي، الذي اندلعت شرارته في عام 2011 في دول مصر وليبيا وسوريا واليمن وتونس.

تشوليت استهل التقرير بقوله «في 19 مايو (أيار) 2011، وقف الرئيس باراك أوباما في غرفة (بن فرانكلين) المزخرفة في الطابق الثامن في وزارة الخارجية، ودعا إلى تغيير واسع في نهج أمريكا مع الشرق الأوسط، موضحًا أنه يساند الإصلاح السياسي والاقتصادي. وفي رد فعل على الأشهر الستة الأولى المذهلة من الربيع العربي، أكد أوباما أن المصالح الأمنية لأمريكا مستمرة، ولكنه اعترف بأن المظالم المتراكمة بين الناس العاديين فقط تغذي الشكوك التي اقترحت لسنوات بأن الولايات المتحدة تسعى لتحقيق مصالحها على حسابهم».

وأوضح التقرير أن خطاب الرئيس الأمريكي آنذاك حظي بإشادات لتشخيصه الحاد لهذه المشكلة. كما فسر على نطاق واسع على أنه البديل الدرامي بعيدًا عن حذر أوباما والنهج «البراجماتي».

وذكر التقرير أنه، وفي ذلك الوقت، كان الربيع العربي لا يزال ينظر إليه باعتباره سبب للتفاؤل. وأشار تشوليت إلى أنه، وبالنسبة للكثيرين ممن كانوا يعملون في البيت الأبيض في ذلك الوقت، فقد استدعى الخطاب الأيام العنيفة من عام 1989، عندما انهارت الجدران وانتهت الحرب الباردة. كما قال أوباما في الأسابيع التي سبقت الخطاب، قال إنه يريد أن ينتهج «قول الحقيقة» حول ما كان يحدث، وكيف أن هناك حاجة للولايات المتحدة لاحتضان هذا التحول، وتغيير نهجها في التعاطي مع قضايا الشرق الأوسط.

مصر وليبيا وسوريا

وقال التقرير إن خطاب الرئيس الأمريكي ـ آنذاك ـ أشار إلى ثلاثة أماكن مما شهدت الربيع العربي، وكيف أنها تنبأت بالتحديات القامة.

الرئيس الأمريكي أشار إلى مدينة «بنغازي» الليبية، في تلك اللحظة التي تحميها الطائرات الأمريكية، والحليفة، التي تهاجم قوات القذافي. والشباب المصري في ميدان التحرير، والذي يطالب بالتغيير السياسي. والمحتجين في سوريا، الذين يتحدون الرصاص وهم يرددون «سلمية سلمية».

وفي مايو (أيار) 2011، بدت هذه الأماكن حذرة وواثقة، ولكن في السنوات اللاحقة، كانت هذه الأماكن الثلاثة – ليبيا ومصر وسوريا – حيث توفي الربيع العربي.

التقرير أشاد بكتاب «مارك لينش» «الحروب العربية الجديدة»، معتبرًا إياه أحد أهم وأوضح المؤلفات التي تناولت أسباب وفاة «الربيع العربي»، والفوضى المتشابكة في الشرق الأوسط اليوم.

و«لينش»، أستاذ العلوم السياسية في جامعة «جورج واشنطن»، كان واحدًا من العلماء الذين عملوا على إلقاء الضوء على ما يحدث في العالم العربي، عندما كان تشوليت كاتب التقرير يعمل في البيت الأبيض مع إدارة أوباما. ومع هذا الكتاب، أعطانا لينش تشريحًا كاملًا لا غنى عنه لما يحدث في الربيع العربي، بحسب وصف تشوليت.

تشوليت أضاف أنه، وبينما كان يقرأ هذا الكتاب، فقد تذكر ما كتبه سفير الولايات المتحدة السابق إلى «يوغوسلافيا»، «وارن زيمرمان»، بشأن تفكك هذا البلد، والانزلاق إلى العنف في التسعينات في وقت مبكر. في برقيته النهائية لواشنطن في مايو (أيار) 1992 قبل 19 عامًا بالضبط من خطاب أوباما في 2011 عن الربيع العربي – وصف زيمرمان أسباب وفاة يوغوسلافيا باستخدام قافية حضانة الأطفال، بقوله:

من قتل الديك روبن؟

أنا قلت سبارو

مع القوس والسهم

أنا قتلت الديك روبن

بحسب تقرير تشوليت، فإن لينش يجعل من الواضح أن الأنظمة الاستبدادية العربية هي ما أطلقت السهم – في الواقع، سهمين – في قلب الربيع العربي. أولًا، من خلال فشلها في الحكم بشكل فعال على مدى عقود، وبالتالي عدم قدرتها على تلبية تطلعات شعوبها لحياة أفضل، وساعدت على خلق الظروف الملائمة لمزيد من الطائفية والتطرف، والسخط الشعبي الذي أشعل الانتفاضات.

وجاء السهم الثاني من خلال ضخ الأسلحة والأموال إلى ليبيا وسوريا، ودعم نظام السيسي في مصر. وكما يكتب لينش، فإن الانتفاضات، لم تفشل بسبب الإسلاميين ممن وصفهم بالمراوغين أو عدم الاستعداد العربي للديمقراطية، «ولكن في المقام الأول لأن الأنظمة تحدت بقتلها».

كما رأى التقرير أن واحدة من نقاط القوة العظيمة لكتاب لينش تمثلت في الكيفية التي نسج فيها السياق الإقليمي والدولي الذي تكشفت فيه هذه الانتفاضات المحلية.

كان الربيع العربي ظاهرة عابرة للحدود حقًا، في أن ما حدث قد تشكل من قبل قوى خارجية في كل بلد على حده، وإن لم يكن حصرًا بطبيعة الحال.

يصف لينش أربعة صراعات متداخلة: أولًا، المنافسة بين المملكة العربية السعودية وإيران. ثانيًا، صراع على الزعامة في العالم العربي السني بين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر وتركيا. ثالثًا، الكفاح من أجل الهيمنة في السياسة الإسلامية، من جماعة «الإخوان المسلمين» لـ«تنظيم القاعدة، وتنظيم الدولة الإسلامية» (داعش). ورابعًا، الصراع الإقليمي الأوسع بين الأنظمة الاستبدادية والمجتمعات. مزيج من هذه القوى يساعد على تفسير قوس الانهيار الإقليمي.

من رأه يموت؟

أنا. قال الطاير

بأم عيني الصغيرة

رأيته يموت

الدور الأمريكي

وفيما يتعلق بالدور الأمريكي، أشار تشوليت إلى ما ذكره لينش ـ بشكل مقنع ـ من أن جهود أوباما لتغيير دور أمريكا في المنطقة – أو بشكل أكثر دقة، للتراجع عن أخطاء إدارة جورج دبليو بوش – كانت على خلفية لا مفر منها لمعارك الربيع العربي العابرة للحدود.

ليس هناك شك في أن جميع شركاء أمريكا اهتزوا بسبب التغيرات السياسية الأخيرة – سواء كان ذلك يعني تعامل واشنطن المباشر (وأحيانًا السري) مع إيران للتوصل لصفقة نووية، ورغبتها في رؤية تنحي مبارك في مصر (وتصور أن واشنطن ضغطت عليه للخروج)، وعدم الرغبة في الذهاب إلى سوريا وإخراج الأسد، أو الخلافات السياسية المريرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل على أعلى المستويات. وكذلك النظر إلى أبعد من المنطقة، وقلق شركاء الخليج، من أن استقلال الطاقة الأمريكية يعني أن لديهم ضغطًا أقل على واشنطن، وأن استراتيجية إعادة التوازن لآسيا يعني أقل من الاهتمام لأولوياتهم.

وعلاوة على ذلك، يلاحظ لينش، أن وضع مزيد من التركيز على الإصلاح السياسي – الذي كان يعنيه خطاب أوباما في مايو (أيار) 2011 – كان له تأثير مضاد لجعل القادة العرب يضاعفون باستمرار مقاومتهم للتغيير الديمقراطي، فضلًا عن شكوكهم في الولايات المتحدة، وفق تقرير تشوليت.

ولكن هل كانت الإجراءات التي اتخذتها واشنطن أو امتنعت عنها مسؤول عن الاضطرابات التي نراها اليوم؟

تشوليت ذكر أن لينش في كتابه يدحض الرواية السائدة، بأنه إذا كانت الولايات المتحدة أكثر انخراطًا في الأزمات، مثل ليبيا وسوريا، فربما كانت قد قضت على عدم الاستقرار، بدلًا من ذلك، كما يقول لينش، فإن التدخل الأمريكي الأكبر – إذا ما كان ذلك يعني بقاء القوات في العراق، بعد عام 2011، تسليح المتمردين السوريين، أو نقض اعتراضات الحكومة الليبية، ونشر قوات حفظ السلام الأمريكية هناك بعد سقوط القذافي – كان من شأنه أن يجعل الأمور أسوأ. لينش يشكك في أن الولايات المتحدة يمكن أن تفعل الكثير لإحداث نتائج أفضل في أي من هذه الأزمات.

وبهذه الطريقة، لينش يقدم دفاعًا جريئًا ومقنعًا لنهج أوباما تجاه الشرق الأوسط. هذا هو الحال مع سوريا، البلد الذي انحدر إلى الهاوية. ولكنه يخاطب النقاد الذين يقيمون سلبية أوباما المزعومة في سوريا على نفس المستوى كما تدخل بوش في العراق، وذلك على الرغم من  أن كل الرؤساء هم تحت طائلة المسؤولية بالتساوي عن الاضطرابات في المنطقة.

من سوف يحفر قبره؟

أنا، قال البومة،

بمجرفتي الصغيرة

سوف أحفر قبره

التقرير رصد عددًا من العوامل التي أدت إلى حفر قبور الربيع العربي، من بينها علل اقتصادية واجتماعية عميقة، وقادة غير فعالين، وضعف المؤسسات والجماعات المتطرفة، والأهم سياسة القوة الإقليمية. لعب التنافس بين القوى في كل ركن من أركان العالم العربي، وكان له حصص ضخمة. كما يصف لينش، كل الحروب الأهلية التي تمزق الدول العربية قد شكلت بعمق التدفقات العابرة للحدود من المال، والمعلومات، والناس، والبنادق.

دول مثل مصر التي نافست ذات مرة على القيادة الإقليمية أصبحت الساحة التي تجري فيها هذه الصراعات. ليبيا تعاني من حرب بالوكالة، مع دعم ميليشيات مختلفة من مختف البلدان. وهذا يمهد الطريق لسوريا، التي كانت منذ البداية مرجلًا للمنافسات الإقليمية، التي سوف نحيا عواقبها الوخيمة لجيل قادم.

من يشيع الربيع العربي

التقرير قال إن الصراعات على السلطة قد تفاقمت مرة أخرى؛ بسبب الخلافات بين واشنطن، وأقرب شركائها الإقليميين. ففي بعض الأحيان لينش يذهب بعيدًا جدًا، مثل تأكيده القاطع بأن الولايات المتحدة «ليس لديها حلفاء حقيقيون» في الشرق الأوسط، ودعوته لـ«التقشف الموحد» – والتي تبدو أنها طريقة أخرى للانسحاب الاستراتيجي. في حين أن بعض هذه العلاقات هي، كما يقول أوباما،«معقدة»، فإنها تخدم مصالح الولايات المتحدة الأساسية.

هناك سبب في وضع الإدارة الأمريكية لرأس المال السياسي، والقوة العسكرية؛ لصنع حلفاء، مثل إسرائيل والشركاء الإقليميين في الخليج. ولكن في الوقت نفسه، خلال السنوات السبع الماضية، قبل وبعد الربيع العربي على حد سواء، فقد تم اختبار هذه العلاقات من خلال تباين أولويات السياسة وتغيير أهداف الولايات المتحدة. إذا كانت المشكلة هي كيفية التعامل مع إيران أو كيفية التعامل مع الأسد، فقد اختلف أقرب شركاء واشنطن في كثير من الأحيان مع استراتيجيات وأهداف البيت الأبيض.

من سيكون كبير المعزين؟

أنا. قالت الحمامة

فأنا حزينة على حبي

سأكون كبيرًا المعزين

وختامًا قال التقرير «مع الأخذ في الاعتبار الإرهاب والمشقة، والمأساة التي هزت الشرق الأوسط منذ عام 2011 – وكيف انتشر ذلك في أماكن أخرى، خاصة في أوروبا – قد يبدو مغريًا للاعتقاد بأن الربيع العربي لديه عدد قليل من المشيعين؛ للاعتقاد أننا جميعًا كان من الممكن أن نكون أفضل حالًا؛ إذا لم يحدث ذلك».

جميع طيور السماء

تنهدوا وانتحبوا

عندما سمعوا قرع الجرس

للديك روبن المسكين.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد