عندما وصل المحققون الإيطاليون إلى القاهرة، وعدتهم السلطات المصرية بالتعاون الكامل، لكن هذا الوعد كان كاذبًا، إذ قدّمت الحكومة شتى أنواع الروايات المتضاربة، والتعقيدات، والذرائع. وهو ما صعّب مهمة الإجابة عن السؤال الذي شغل الرأي العام في مصر وإيطاليا، واتّخذته صحيفة «الجارديان» عنوانًا لتقريرها الموسّع، عن طالب الدكتوراه الإيطالي، والزينوفوبيا المصرية، والأخطاء الحمقاء: «من قتل ريجيني؟».

في يوم الثالث من فبراير (شباط) الماضي، كان سائقٌ يقطع الطريق الصحراوي الواصل بين القاهرة، والإسكندرية في مصر. ثقب شيءٌ ما إحدى عجلات الشاحنة، واضطر السائق إلى التوقف إلى جانب الطريق لإصلاحها. لم يكن يدري أنّه سيكتشف جُثة هامدة لشابٍ إيطالي يبلغ من العمر 28 عامًا  يُدعى «جوليو ريجيني»، والذي ستتصدر أنباء مقتله عناوين الصحف العالمية لفترة.

وعندما وصل المحققون الإيطاليون إلى القاهرة، وعدتهم السلطات المصرية بالتعاون الكامل، لكن هذا الوعد كان كاذبًا، إذ قدّمت الحكومة شتى أنواع الروايات المتضاربة، والتعقيدات، والذرائع. وهو ما صعّب مهمة الإجابة عن السؤال الذي شغل الرأي العام في مصر وإيطاليا، واتّخذته صحيفة «الجارديان» عنوانًا لتقريرها الموسّع، عن طالب الدكتوراه الإيطالي، والزينوفوبيا المصرية، والأخطاء الحمقاء: «من قتل ريجيني؟».

الجنازة

بعد 10 أيام من استعادة جثة «ريجيني»، سافر المدعي العام الإيطالي «سيرجيو كولايوكو» واثنان من ضباط الشرطة إلى مسقط رأسه، بلدة «فيوميتشيلو»، في شمال شرق إيطاليا لحضور الجنازة. طلبت العائلة من الضيوف عدم جلب أي كاميرات أو لافتات احتجاجية.

لكن أكثر من ثلاثة آلافٍ حضروا الجنازة. أصدقاء الثانوية الإيطاليون، وأصدقاءٌ من أمريكا اللاتينية، ومن المملكة المتحدة حيثُ دراسته الجامعية وما بعد الجامعية، ومن ألمانيا والنمسا حيثُ عمل لفترة، ومن مصر حيثُ عاش منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2015. ينقل التقرير عن والدة ريجيني أنّهم كانوا يوزعون الناس على البيوت وفقًا للغة التي يتحدثونها.

لكن المُذهل هو التعاون غير المسبوق من أصدقاء وأقارب ووالديّ ريجيني مع جهات التحقيق، إذ سلّموا هواتفهم وحواسيبهم المحمولة، ومنها حاسوب ريجيني نفسه الذي وجدوه في شقته بالقاهرة بعد وفاته، إلى الشرطة. يذهب التقرير إن أن التضحية بالخصوصية ليست غريبة على جيلٍ رقمي يقوم بهذه التضحية كل يوم في سبيل العيش في عالم من التواصل المفتوح. كانوا مستعدّين لمشاركة بياناتهم الشخصية إن كان هذا سيُلقي مزيدًا من الضوء على واقعة مقتل جوليو.

كل هذه البيانات، ومعها جثّة ريجيني التي خضعت لتشريحٍ بالغ الدقة، تحكي قصة حياة ريجيني، والأيام التسعة الأخيرة منها، منذ اختفائه وحتى العثور على الجثة، وتكشف عوار الكثير من الأدلة التي وفرتها الحكومة المصرية.

25 يناير.. الرسالة الأخيرة

«سأخرج الآن». كان هذا محتوى آخر أثر تركه ريجيني لجهات التحقيق؛ رسالة نصية أرسلها إلى صديقته في الساعة السابعة وواحد وأربعين دقيقة، من مساء الخامس والعشرين من يناير، 2015. ليس من قبيل المصادفة، يقول التقرير، إن تاريخ الرسالة يتزامن مع الذكرى الخامسة للثورة المصرية في 2011؛ بل هو دليل مهمٌ لفهم اختفاء ومقتل ريجيني.

«مع أن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي جاء إلى السلطة في خضم مظاهرات حاشدة ضد الرئيس السابق (محمد مرسي)، إلا أنه يعيش في رعبٍ من الحشود. كانت أول قراراته الرسمية تتضمن حظر أي تجمّع غير مصرّح به لأكثر من 10 أشخاص. وكل ذكرى مرت لانتفاضة التحرير أُريقت فيها الدماء. في 2014، قتلت حكومة السيسي أكثر من 60 متظاهرًا في أنحاء البلاد في سنوية الثورة. وبعدها بعام، قُتل 25 شخصًا، من ضمنهم شاعرة حاولت وضع إكليل من الزهور في الميدان».

ليس هذا غريبًا، فالتاريخ يمثّل أهمية وثنية لنظام عبد الفتاح السيسي. هي لحظة بدأت تفلت فيها السلطة المصرية من قبضة الجيش. اضطر الجيش إلى القبول بمحاكمة الرئيس السابق محمد حسني مبارك؛ بل وانتخاب رئيس من أحد التيارات الإسلامية. يعرف الجيش أن مثل هذا التهديد الخطير لمكانته في الحياة المصرية لا يجب السماح بحدوثه مرة أخرى أبدًا، وهو ما ظهر في فض الجيش لاعتصامي رابعة والنهضة عقب الانقلاب على محمد مرسي واعتقاله، والذي قتلت فيه قوات الأمن ألف متظاهر على الأقل.

في الأيام التي سبقت الذكرى الخامسة، فتّشت قوات الأمن المصرية خمسة آلاف شقّة في القاهرة. أغلب الاقتحامات تركزت في منطقة وسط القاهرة، في محاولة لردع أي شخص يفكّر في التخطيط للتظاهر. ومع أن شقة ريجيني تقع في حي الجيزة بمدينة الدقي، إلا أنّه فضّل البقاء فيها، كما تُظهر سجلات الحاسوب، والابتعاد عن الترقّب الأمني السائد حينها. لكنه غادر المنزل عشية الخامس والعشرين من يناير، بالمخالفة لطلب والدته بأن يبقى في المنزل، لحضور حفل عيد ميلاد أحد أصدقائه، واتفق مع صديقٍ آخر على أن يلتقيا بالقرب من بؤرة النشاط الشرطي، ميدان التحرير.

الاعتقال

ينقل التقرير عن وكالة رويترز ما نشرته في أبريل (نيسان) الماضي، إذ أفادت بأن ريجيني التقطته قوات الشرطة المصرية من وسط القاهرة بالقرب من محطة مترو «جمال عبد الناصر»، واحتُجز لنصف ساعة في قسم شرطة محلي قبل أن يُنقل إلى مبنى تابع لجهاز الأمن الوطني في المنطقة، وهو ما أنكرته الحكومة المصرية تمامًا، لتصرّ رويترز على روايتها وتستشهد بستة مصادر مختلفة من قوات الشرطة، والأجهزة الأمنية بقيت هوياتهم سرًّا. وقد غادر مصر مدير مكتب رويترز بالقاهرة بعد نشر التقرير على خلفية تهديده بالملاحقة الأمنية.

من غير الواضح، وفقًا للتقرير، ما إذا كان اعتقال ريجيني مخططًا له أم عشوائيًّا، لكن لا بد أن السلطات المصرية أدركت سريعًا أن لديها ملفًا عن ريجيني. وهو ما تقطع به الأكاديمية الفرنسية «ماري دوبوك»، إذ تحكي عن الاتصالات التي تلقتها من وزارة التعليم العالي مستفسرة عن بحثها، وكيف أنّها أوقفت في المطار، ومُنعت من دخول البلاد بعدها، قبل أن يُسمح لها بالدخول في مرةٍ تالية.

نقابة الباعة الجائلين

Untitled

موضوع دراسة «ماري» كان الاتحادات العمالية المستقلّة بمصر، مثل ريجيني، وهو من الموضوعات شديدة الحساسية في مصر السيسي. النقابات العمالية المستقلة كانت إحدى القوى المحركة الرئيسية لثورة يناير، وقد تشكّل الاتحاد المصري الأول للنقابات المستقلّة بعد أيامٍ من الثورة، في تغيّر رآه العديدون من أنصار الديمقراطية والمهتمّين بالمجتمع المدني في مصر تطوّرًا إيجابيًّا، ورآه النظام العسكري تهديدًا صارخًا.

كان بحث ريجيني يتمحور حول نقابة مستقلة وليدة للباعة الجائلين. في مصر، يُقدر عددهم بخمسة ملايين بائعٍ لكل شيء؛ الوجبات الخفيفة، والمشروبات، والملابس الرخيصة، وأدوات المطبخ، ليدرّون دخلًا يعتمد عليه ما يصل إلى ربع العائلات المصرية، بدرجات متفاوتة.

يُرجع التقرير العداوة بين الحكومات المصرية، والباعة الجائلين إلى انتقالهم السريع إلى ميدان التحرير خلال المظاهرات الحاشدة في 2011، وبيع الطعام والشراب للأعداد الضخمة من المتظاهرين. لكن أغلبهم لم يكن يسعى إلى شيءٍ إلا جني بعض المال. إلا أن الحكومة سعت منذ ذلك الحين إلى إزالتهم من شوارع وسط القاهرة، مستخدمةً الغرامات، والسجن، والعنف.

هنا ينقل التقرير عن مقالٍ لـ«مها عبد الرحمن»، العالمة السياسية المصرية والمشرفة على رسالة ريجيني. المقال الذي نُشر العام الماضي، والذي يُشير إلى الأوامر التي أصدرتها الحكومة المصرية لأصحاب المحلات بالإبلاغ عن أي بائع متجول يعمل بالقرب من محالهم، وإلا سحبت الحكومة تصاريحهم. وسعيًا للبقاء في الشوارع وتفادي مضايقات الشرطة، كان عليهم الارتماء في أحضان الأخيرة، لتتحول شبكة الباعة الجائلين في شوارع مصر إلى شبكة مراقبة طبيعية من المخبرين المتواجدين في كل ميدان ومربّع سكني، تُبلغ قوات الأمن بأي نشاطات مريبة، وفقًا لباحثٍ بجامعة كامبريدج فضّل عدم ذكر اسمه.

كان هذا هو الخطأ الذي أودى على الأغلب بحياة ريجيني. يقول التقرير إن نواياه الحسنة أعمته عن إدراك التفسيرات المحتملة لأفعال شابٍ أجنبي يتحدّث العربية، ويحضر الاجتماعات النقابية، ويقضي وقتًا طويلًا مع الباعة الجائلين، ويطرح عليهم أسئلة عن العمل النقابي والخطوات التنظيمية. ربّما الخطأ الأكبر كان في تواصله مع «محمد عبد الله»، نقيب الباعة الجائلين. إذ علم ريجيني بأمر منحة تصل إلى 10 آلاف جنيه إسترليني من مؤسسة بريطانية لتمويل مشروع تنموي. سعى ريجيني إلى التقديم على هذه المنحة لكي يدعم بها بحث رسالة الدكتوراه، ويساهم بها في تمويل النقابة التي يدرسها. لكنه لاحظ اهتمام «عبد الله» بالمال أكثر من المشروع نفسه، وهو ما أقلقه ودفعه إلى صرف النظر عن الأمر.

واحدٌ من الاجتماعات التي حضرها ريجيني قبل اختفائه كان اجتماعًا علنيًّا للنقابات المستقلة، قبل ستة أسابيع من اختفائه. شهد هذا الاجتماع أشياءً كثيرةً، ربما استشعرت الحكومة خطرها، وفقًا للتقرير، فقد شهد مقترحاتٍ بإجراء سلسلة من المؤتمرات الإقليمية تقود بعد بضعة أشهر إلى تكتّل وطني، وربّما احتجاجٍ موحّد، وسط هتافات داعية إلى العودة إلى ميدان التحرير. نشر ريجيني مقالًا حول الاجتماع احتوى في نهايته على بعض الفقرات المتحرّفة للصدام مع السلطة.

في السياق القمعي لحكومة السيسي، فإن حقيقة أن هناك مبادرات شعبية وتلقائية لكسر حاجز الخوف أمرٌ جلل، وتُمثّل في نفسها وبنفسها دفعة مهمّة تجاه التغيير. إن تحدّي حالة الطوارئ، ودعوات الحكومة للاستقرار والتناغم المجتمعي باسم (الحرب على الإرهاب)، يمثّل اليوم ولو بشكلٍ غير مباشر تحديًا للأساس الذي يبني النظام عليه وجوده وقمعه للمجتمع المدني.

وفي السابع من يناير، وشى «محمد عبد الله» بريجيني للسلطات المصرية. أخبر «عبد الله» صحيفة «أصوات مصرية» لاحقًا أنه تشكك في ريجيني لأن أسئلته لم تكن متعلّقة بالباعة الجائلين. هو ليس مخبرًا، كما يقول، لكنه يعتقد بأنه يحمي بلاده. علّقت الحكومة المصرية بأن إبلاغ «عبد الله» عن ريجيني أخضعه لتحقيقاتٍ أمنية خلصت بعد بضعة أيام إلى أن بحثه «غير ذي أهمية للأمن القومي».

تسعة أيام

جاء اختفاء ريجيني في وقتٍ حساسٍ بالنسبة للسفارة الإيطالية في مصر، والتي كانت تُجري استعداداتها لاستقبال بعثة تجارية كبرى بقيادة وزيرة التنمية الاقتصادية الإيطالية. اشتعل الرأي العام الإيطالي وانتشر هاشتاج «أين جوليو؟» #whereisgiulio كالنار في الهشيم على موقع تويتر. بعد تسعة أيامٍ من اختفائه في 25 يناير، وجد السائق الجثة ملقاة على جانب الطريق، في الثالث من فبراير (شباط).

ينقل التقرير عن الطبيب الشرعي المصري الذي فحص الجثة أولًا، أن ريجيني عانى من «موتٍ بطيء». لكن هذا الزعم تم التراجع عنه بسرعة، وصرّح نائب رئيس مباحث الجيزة لوكالة «أسوشييتد برس» أنّ ريجيني قضى في حادثٍ على الطريق.

لكن الضغط تزايد في الأيام القادمة، وهو ما دفع بالمسؤولين المصريين إلى الخروج بنظرياتٍ عديدة متضاربة، صرّحوا بها للصحافة المحلية: ريجيني كان مثليًّا وهو ضحية جريمة عاطفية، ريجيني تورّط في صفقة مخدرات، ريجيني كان جاسوسًا أجنبيًّا. لكن هذه النظريات لم تصمد أمام التحقيقات الإيطالية. ريجيني لم يكن مثليًّا لأن لديه صديقة حميمة في أوكرانيا، وهذا مثبت برسائل البريد الإلكتروني والرسائل النصية. ريجيني لم يكن جاسوسًا لأنه لا أثر لأي نوعٍ من التواصل مع الوكالات الاستخباراتية، ولأن حساباته البنكية فارغة. قالت محامية عائلة ريجيني إنّه كان يستخدم متعلّقات والده وحقيبة ظهر والدته القديمة؛ لأنّه لم يرد أن يشكّل عبئًا ماديًّا عليهما.

لكن الدلائل الأهم، وفقًا للتقرير، جاء بها التشريح الثاني الدقيق الذي أجرته السلطات الإيطالية، باستخدام تقنيات متطورة، لتؤكّد أن ريجيني ضُرب على رأسه كما خرج التقرير المصري، لكنّ هذه الضربة لم تكن سبب الوفاة المباشر، ولم تكن ضربة واحدة بل ضربات متكررة. الجروح والكدمات والسحجات في جسد ريجيني في مراحل مختلفة من التعافي؛ مما يؤكد أنّه تم تعذيبه أكثر من مرة، بين تاريخ اختفائه، 25 يناير، وتاريخ وفاته، والذي قدّره الأطباء الشرعيين بجامعة روما عن طريق قياس مستويات البوتاسيوم في السائل الزجاجي في عيني ريجيني. ريجيني مات بين العاشرة مساءً يوم الأول من فبراير (شباط)، والعاشرة مساءً يوم الثاني من فبراير.

آثار التعذيب على جثة ريجيني بشعة للغاية؛ جسده مغطى بالجروح والحروق، ويداه وقدماه، بل وحتى أسنانه مكسورة. الأبشع هو الحروف التي وُجدت محفورة على جسده، وهي ممارسة يشير إليها التقرير باعتبارها من ممارسات الشرطة المصرية الموثّقة.

إزاء أدلة التشريح القويّة، اضطرت السلطات المصرية إلى التخلّي عن نظرياتها غير المدعّمة بدليل، واستبدالها بدفاع نظرية المؤامرة. في مقابلة للسيسي مع الصحيفة الإيطالية «لا ريبابليكا»، ألمح السيسي إلى أن توقيت العثور على الجثة المتزامن مع زيارة البعثة الإيطالية التي تهدف إلى تعميق التعاون المصري الإيطالي. كما أشار السيسي كذلك إلى إسقاط الطائرة الروسية، الحديث الذي تسبب في انهيار السياحة الروسية، داعيًا إلى «إكمال الفراغات» لرؤية المحاولة الهادفة إلى ضرب الاقتصاد المصري، وعزل مصر عن العالم، على حد قوله.

يُشير التقرير كذلك إلى نظرية المهندس المصري محمد فوزي، والذي زعم أنّه قد شاهد ريجيني يتشاجر غاضبًا مع أجنبي آخر بالقرب من القنصلية الإيطالية عصر يوم 24 يناير، قائلًا في برنامج تليفزيوني إنّ الحكومة الإيطالية تعرف من قتل ريجيني، لكنّها تُخفي الأدلة. مرّة أخرى، كذب الأرشيف الرقمي إدعاء المهندس، إذ كان ريجيني يتحدّث إلى صديقته الحميمة عبر سكايب، وشاهدا الفيلم نفسه سويًا. حتى المهندس أظهرت سجلّات هاتفه الجوال أنّه لم يكن متواجدًا في حي القنصلية في ذلك الوقت.

«عصابة خطف الأجانب»

ثمّ فجأة، يوم الرابع والعشرين من مارس (آذار)، أعلنت وزارة الداخلية عن حسمها قضية ريجيني. اشتبكت الشرطة مع عصابة من أربعة رجال، متخصصة في انتحال صفة رجال الشرطة، واختطاف الأجانب وسرقة أموالهم. قُتل الأربعة جميعهم في تبادل إطلاق النار، وعثرت الشرطة معهم على متعلّقات ريجيني: جواز السفر، والبطاقة الائتمانية، وبطاقة الهوية الخاصة بجامعة كامبريدج. انتهت القضية.

لا لم تنته. مرة أخرى تفضح سجلات الهاتف كذب الرواية الرسمية، إذ كان قائد العصابة على بعد 100 كيلومتر من القاهرة. كما أصرّ أقارب أفراد العصابة المزعومة على أنّ قوات الشرطة قتلتهم بدمٍ بارد، ومن مسافة قريبة. المنطق كذلك لم يدعم تلك الرواية، فقد أثيرت تساؤلات عن السبب الذي احتفظت من أجله العصابة بكامل أوراق ومتعلّقات ريجيني. ثمّ هذه الرواية لا تفسر آثار التعذيب البشع على جثة ريجيني، ولا عدم استخدام العصابة لبطاقته الائتمانية منذ وقعت في حوزتهم. يذهب التقرير إلى أن إظهار الحكومة المصرية كل هذه الأوراق بدا دليلَ إدانة للسلطات الأمنية، وليس العصابة المزعومة.

آخر الدفاعات التي لجأت إليها الحكومة المصرية كان «دفاع الغباء» على حد قول التقرير. هذا هو المنطق الذي دافع به السفير المصري في روما. «نحن لسنا سُاذجين إلى الحد الذي يجعلنا نقتل شابًا إيطاليًّا ونلقي بجثته في يوم زيارة الوزيرة القاهرة». يقول «كريم عبد الراضي» المحامي وناشط حقوق الإنسان إن هناك نظريتين بهذا الصدد. «الأولى هي أنّ هناك نزاعًا بين القوات الأمنية السرية المصرية، وفرع منها ألقى بالجثة على قارعة الطريق بهدف إحراج الآخر». هذه النظرية تدعمها رسالة مطوّلة إلى السفارة الإيطالية في برن وصفت العلاقات المتشابكة بين فروع البوليس السري المصري، وكيف أن الجثة وُضعت في بطانية للجيش المصري، بهدف توجيه الاتهام إلى الشرطة العسكرية، لكن المحققين الإيطاليين قالوا إنه لا وسيلة يمكن بها تأكيد أو نفي هذه المعلومات.

النظرية الثانية، وفقًا لعبد الراضي، هي أنّ الحكومة المصرية أساءت التقدير، ظنًّا منها أنّه يمكن الإفلات من مثل هذه الفعلة بإلقاء اللوم على عصابة من المجرمين، وباللجوء إلى «دفاع الغباء» السالف ذكره.

هل ألقت كامبريدج بريجيني إلى حتفه؟

الأوضاع السيئة لحقوق الإنسان في مصر دفعت المحققين الإيطاليين إلى التساؤل حيال مسئولية جامعة كامبريدج، التي أرسلت ريجيني لإجراء أبحاث ميدانية حول مثل هذا الموضوع الحساس. لم تكن أوضاع حقوق الإنسان في مصر أثناء حكم الرئيس مبارك جيدة بأي حال، لكنها تدهورت كثيرًا في عهد السيسي. وثّق مركز النديم في الفترة بين شهري يناير، ونوفمبر لعام 2015، وفقًا للتقرير، 281 حالة قتل خارج إطار القانون، و119 جريمة قتل للمعتقلين في السجون، و440 حالة تعذيب في أقسام الشرطة، و335 اختفاءً قسريًّا. بعد توثيق هذه الحالات، أُجبر مركز النديم على إيقاف أعماله بزعم خرقه قوانين المنظمات الطبية.

سأل المحققون الإيطاليون كذلك د. مها عبد الرحمن، المشرفة على رسالة ريجيني، ما إذا كانت قد ضغطت عليه بأي شكلٍ من أجل إجراء هذا البحث، ومدى وعيها بخطورة وحساسية الأمر. مها عبد الرحمن معروفة في هذا المجال، وكتبت عن المجتمع المدني المصري كثيرًا، وانتقدت الحكومات العسكرية المصرية. يصف التقرير تحسس مها من التعامل مع المحققين الإيطاليين وأسئلتهم بالطبيعية، كونها نشأت في مصر حيث يفعل الكل ما بوسعهم لتجنّب السلطات، وعدم إعطائهم أي معلوماتٍ ذات قيمة.

لكن صديقًا لريجيني مقيمًا بمصر يرى أن المزاعم بعدم تعاون جامعة كامبريدج مع المحققين الإيطاليين مبالغٌ فيها، كما يُدافع عن مها عبد الرحمن وينفي كونها أستاذًا يجلس  في المكتبة ويُرسل تلاميذه لإجراء العمل الميداني.

«الحقيقة بشأن مقتل ريجيني توجد في مصر، وليس كامبريدج، في البارانويا المتزايدة للنظام».

يُشير التقرير إلى التعامل الأكثر سلاسةً وتعاونًا في الشهور الأخيرة من قِبل الحكومة المصرية مع الأزمة، ما يُظهر سعيها إلى تحسين سمعتها التي لطّختها الأزمة. وافق النظام وعائلة ريجيني مبدئيًا على اللقاء، وهو ما تأمل العائلة أنّه سيدفع التحقيق قدمًا نحو إيجاد الحقيقة. برغم توافر الأدلة، فهي ليست كافية لتسمية قاتلي ريجيني وحدها.

ينتهي التقرير إلى أن مقتل ريجيني هو لغز يختبئ في وضح النهار. ربّما ظنّ المدعون المصريون أنّ العلاقات الوطيدة بين البلدين، والروابط التجارية التي تقدّر بمليارات الدولارات تُساوي أكثر من حياة فرد واحد. لكنّهم لم يحسبوا حساب انصياع الحكومة الإيطالية للرأي العام، وعدم قبولها لتفسيرات لا تصمد أمام التدقيق، حتى ولو أرادت ذلك.

«التعذيب والقتل الوحشي، الذي يبدو عصيًا على التفسير يعكس تراجع الديمقراطية المصرية، وانتزاع الحقوق والحمايات المحدودة أصلًا، والحملة الوحشية على العصيان، وازدياد وقائع التعذيب والاختفاء القسري، والميل إلى إلقاء اللوم على المؤامرات الخارجية. في هذا العالم المغلق، ربّما يبدو جوليو ريجيني جاسوسًا، بقدرته على التحدّث بخمس لغات، وهاتفه المحمول الزاخر بجهات اتصال أجنبية ومصرية. وربّما تقوم الشرطة، في نظامٍ يعفيها من المحاسبة، بأخطاء متهوّرة».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد