عبر لهجات التهديد والوعيد، تحاول المملكة العربية السعودية -حتى الآن- إسكات الأصوات التي تسائلها عن الصحفي جمال خاشقجي، الذي اختفى في القنصلية السعودية قبل أسبوعين، وقبل يومين أصدرت المملكة بيانًا رسميًا هددت فيه بأنها «سوف ترد بإجراء أكبر» إذا تعرضت لأي عقوبات بسبب تلك القضية.

وردًا على ذلك، أصدرت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية بيانًا ترد فيه على التهديدات السعودية، وتفصل فيه الخسائر الحقيقية التي ستتعرض لها الرياض جراء أي قطع لتلك العلاقات.

ثمن الجريمة

تقول الصحيفة وقد فصلت وسائل الإعلام السعودية هذه الخطوات المحتملة التي تهدد بها، التي قد تكون -على سبيل المثال- خفض إنتاج النفط، أو التوجه نحو شراء الأسلحة من روسيا أو تعليق التعاون الاستخباراتي في مجال مكافحة الإرهاب. وبعدها بيوم أخبر العاهل السعودي الملك سلمان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في محادثة هاتفية أنه «لا يعرف إطلاقا ماذا حدث (لخاشقجي)»، وفق ما صرح به الرئيس الأمريكي، الذي أعرب لاحقًا عن اعتقاده بأن الجريمة ربما تكون قد نُفذت بواسطة «قتلة مارقين».

لكن هذا الافتراض المنافي للعقل في الرواية السعودية ربما قد يشهد بعض التغير قريبًا، فقد أوردت «سي إن إن» على لسان أحد مصادرها أن النظام السعودي يستعد للاعتراف بأن خاشقجي قد قتل في «استجواب خاطئ».

وإذا كان الأمر كذلك، فيحب أن يكون هناك عواقب يتحملها ليس فقط أولئك الذين قتلوا الرجل بشكل خاطئ، بل كذلك أولئك الذين أصدروا منذ البداية أمرًا بتنفيذ هذه العملية بشكل غير قانوني. وتشير تسريبات أجهزة المخابرات الأمريكية إلى أن الأمر قد صدر من ولي العهد السعودي «المتهور» محمد بن سلمان، الذي كان السيد خاشقجي قد انتقد بعض تجاوزاته على صفحات «الواشنطن بوست».

نتوقع بالطبع معرفة المزيد قريبًا، فأيًا يكن ما حدث للسيد خاشقجي، فيبدو أنه قد سجل صوتيًا أو موجود على مقطع فيديو. في الوقت نفسه يجدر بنا أن ننظر إلى أي مدى قد تتضرر الولايات المتحدة إذا خسرت علاقتها مع السعودية، ماذا بشأن النفط؟ ماذا بشأن مشتريات الأسلحة ذات الـ 110 مليار دولار التي كان ترامب يتحدث عنها؟ ماذا بشأن الحرب على الإرهاب؟

«لم نعد في حاجة لنفط السعوديين»

فلنبدأ بالنفط، أمدت السعودية -وفقًا لبيانات إدارة الطاقة الأمريكية- الولايات المتحدة بـ 9% من وارداتها من البترول في عام 2017، أي ما يساوي 960 ألف برميل يوميًا. ولكن، وبفضل ثورة النفط الصخري، فإن الولايات المتحدة لا تعتمد بالأساس على النفط السعودي، فأمريكا اليوم وليست السعودية هي أكبر منتج للنفط الخام في العالم.

وفي العام الماضي، بلغ متوسط صادرات الولايات المتحدة من النفط نحو 6.38 مليون برميل يوميًا، أي حوالي سبعة أضعاف وارداتها من السعودية، وإذا قررت السعودية خفض الإنتاج أو مقاطعة الولايات المتحدة، فإن ذلك قد يرفع السعر بالفعل، لكن بشكل مؤقت، لكن المستفيد الحقيقي سيكون شركات النفط الصخري الأمريكية التي ستملأ ذلك الفراغ، وتوجه ضربة قاصمة لصناعة النفط السعودية.

«الإندبندنت»: نفط زائد عن حاجة العالم.. كيف تتصرف السعودية بعد أن ورطها ترامب؟

«أكذوبة» مبيعات الأسلحة

أما فيما يتعلق بمبيعات الأسلحة، فيبدو أن السيد ترامب يحتاج أن يخبره أحدهم بالنتائج الفعلية للوعود التي قطعها له السعوديون في زيارته للرياض قبل أكثر من عام، فبحسب تعبير بروس ريدل لمعهد «بروكينجز»: «لم يبرم السعوديون صفقة سلاح كبرى مع واشنطن منذ مجيء ترامب».

وفضلاً عن ذلك، فإن انقطاع الدعم التقني الأمريكي، وعدم توافر قطع الغيار -وهي أمور لا يستطيع الروس توفيرها- من شأنهما أن يلحقا أضرارًا بالغة وسريعة بسلاح الجو السعودي، وتضيف الصحيفة ساخرة  أن ذلك ربما يكون أول تأثير إيجابي، إذ سيؤدي ذلك إلى إنهاء سلسلة حملات القصف الدموية بحق اليمن، والتي خلصت تحقيقات الأمم المتحدة إلى اعتبارها أقرب إلى «جرائم حرب»، بحسب الصحيفة.

«قيمتها 161.4 مليار دولار».. أغلى 10 صفقات عسكرية أبرمتها الدول العربية في 2017

ماذا عن مكافحة الإرهاب؟

تضيف «الواشنطن بوست» أن الرياض لا تمد الولايات المتحدة بمعلومات استخباراتية فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب، بل على العكس، وكما يشير أندرو ميلر، من «مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط» فإن وقف التعاون بين الجانبين سيكون «خطأً فادحًا… عندما يتكون لدي الكونجرس والأمريكيين بشكل عام قناعة بأن المملكة العربية السعودية تدعم الإرهاب».

ويشير ميلر كذلك إلى قانون «جاستا» الذي تم تمريره في الكونغرس عام 2016، والذي يتيح رفع دعاوى مدنية ضد الحكومة السعودية بشأن أي أعمال إرهابية سمحت بها.

وتختتم الصحيفة بالقول: الحقيقة هي أن السعودية -وكما وصفها ترامب نفسه قبل أيام بأنها لا تستطيع البقاء من دون الدعم الأمني الأمريكي- ستكون هي الخاسر الحقيقي  لكل شيء من أي قطع للعلاقة مع واشنطن، فيما الولايات المتحدة لم تعد اليوم للرياض كما كانت من قبل.

وتضيف: بالغ ترامب في تقديره للعلاقة مع السعودية، وشجع المسؤولين هناك على التصرف بتهور وحتى ارتكاب جرائم من دون حسبان للعواقب، ومهما كانت النهاية التي ستؤول إليها قضية خاشقجي، فإن إعادة تشكيل العلاقات مع السعودية -وحتى وإن تطلب ذلك تدخل الكونغرس- أمر حتمي.

ماذا يمكن أن يحدث للسعودية إذا قررت أمريكا التخلّي عنها؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد