في الوقت الذي يضم فيه التنظيم بعثيين سابقين، فإن هيكلهم التنظيمي يعكس تأثير تنظيم القاعدة.

في السنة الماضية، أصبح تنظيم الدولة الإسلامية ظاهرة عالمية بسبب طموحه ووحشيته وانتصاراته العسكرية المدوية. ويتفق العديد من الخبراء في أن تنظيم الدولة الإسلامية قد تفوق على تنظيم القاعدة كمنظمة إرهابية جهادية بارزة على مستوى العالم. ولكن على الرغم من السمعة السيئة المحيطة بالتنظيم، فإن طيفًا واسعًا من النظريات ما يزال متداولًا حول حقيقة من يدير تنظيم الدولة الإسلامية.

كشفت تقارير جرى نشرها مؤخرًا أن قيادة تنظيم الدولة تضم مسئولين عسكريين عراقيين سابقين رفيعي المستوى ومسئولين في استخبارات نظام صدام حسين البعثي. ويعزى هذا الصعود القوي للتنظيم إلى العناصر الماهرة في النظام السابق، الذين تخلصت منهم الولايات المتحدة بتفكيكها الجيش العراقي في عام 2003. وفي نظر البعض، فإن وجود عناصر النظام السابق في مناصب قيادية في تنظيم الدولة يشير إلى أن قدرات التنظيم الهائلة وتوحشه هو نتيجة لأن التنظيم نشأ من قبل قوميين سنة وليس من قبل السلفيين الجهاديين.

لكن هذه القصة تجافي الحقيقة تمامًا.

فلئن كان صحيحًا وجود العديد من عناصر النظام البعثي السابق ضمن صفوف تنظيم الدولة، فإن هيكل التنظيم وطموحه لا يشبه كثيرًا الدولة العراقية في عهد صدام. بل إن هيكل وأهداف تنظيم الدولة تشبه أكثر أهداف منافسها في العالم العربي السني: تنظيم القاعدة. فقد اقتبس تنظيم الدولة فكرته الرئيسية الخاصة ببناء دولة إسلامية وأيديولوجيته الجهادية من أفكار تنظيم القاعدة، وليس من العناصر البعثية التابعة للنظام العراقي السابق.

فالمجموعة التي تطورت لتصبح تنظيم الدولة الإسلامية كانت قد تشكلت وتدربت وتلقت أفكارها في مخيمات تابعة للقاعدة في أفغانستان في أواخر التسعينيات. وهناك قام أبو مصعب الزرقاوي، أردني الجنسية، بتأسيس تنظيم جهادي سلفي أسماه جماعة التوحيد والجهاد. وقد انتقلت جماعة الزرقاوي إلى العراق عام 2002، وأصبحت الذراع الرسمي للقاعدة في العراق بحلول عام 2004. وقد أظهرت وثائق داخلية تخص تنظيم القاعدة الأم وتنظيم القاعدة في العراق أن هدفهما كان إقامة دولة إسلامية. كما تظهر تلك الوثائق أيضًا أن المبادئ التنظيمية الخاصة بتنظيم القاعدة قد جرى تمريرها بشكل مباشر إلى تنظيم الدولة الإسلامية.

إن نظام صدام حسين البعثي ليس مسئولًا عن تأسيس تنظيم الدولة، وإنما تنظيم القاعدة هو المسئول عن ذلك.

لقي الزرقاوي حتفه في غارة جوية أمريكية في منتصف عام 2006، لكن خطة القاعدة لإنشاء خلافة إسلامية مضت قدمًا، فقد تحالفت القاعدة مع مجموعات جهادية سنية أخرى وأعلنوا قيام “الدولة الإسلامية في العراق”، وذلك حتى قبل بدء زيادة عدد القوات الأمريكية في عام 2007.

سيكون من الخطأ تفسير وجود بعثيين سابقين في صفوف تنظيم الدولة على أنها إشارة على أن التنظيم يضم جناحًا معتدلًا، فتواجد عناصر بعثية سابقة ضمن صفوف تنظيم الدولة ليس جديدًا. في الواقع، إن الحكومة العراقية التي يهيمن عليها الشيعة، وخاصة في عهد رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، كان يتملكها قلق كبير منذ فترة طويلة من القدرة التخريبية للتنظيم. فقبل مدة طويلة من الغزو الأمريكي للعراق في عام 2003، قام صدام حسين، لأغراض سياسية، بضم عناصر متشددة إلى صفوف حكومته العلمانية. وبعد قيام أمريكا بحل الجيش العراقي، انضمت العديد من تلك العناصر إلى تنظيم القاعدة في العراق أو أي جماعات إسلامية مسلحة أخرى. علاوة على ذلك، بسط تنظيم الدولة الإسلامية سيطرته رسميًّا على مجموعات مسلحة سنية قومية في عام 2006، بما يعني أن العناصر البعثية السابقة المتبقية في تنظيم الدولة هم على الأرجح مؤمنون بحق بوجهة النظر العالمية الخاصة بالتنظيم.

وفي الوقت الذي زادت فيه العناصر البعثية العسكرية والاستخبارية عالية التدريب السابقة من توحش تنظيم الدولة، فهم ليسوا المسئولين عن إيصال التنظيم إلى ما بات عليه اليوم، ولكن تنظيم القاعدة هو المسئول عن ذلك. تظهر وثائق سرية كُشف عنها النقاب أن الهيكل التنظيمي لتنظيم الدولة كان دومًا مطابقًا تقريبًا للهيكل التنظيمي الذي وضعه مؤسسو القاعدة في التسعينيات. وقد كان التأثير الرئيسي للعناصر البعثية السابقة هو تعزيز قدرة تنظيم الدولة على شن عمليات عسكرية على نطاق واسع. فقد زادوا من قدرة التنظيم على تنفيذ رؤية القاعدة، وساهموا في جعل التنظيم أكثر تشددًا وقوة عما كانت عليه القاعدة على الإطلاق.

إن الاختلافات الطائفية والأيديولوجية ستجعل من الصعب الوصول إلى أي نوع من التسوية السلمية. ربما يكون ثمة بعثيون سابقون يتولون مناصب قيادية داخل تنظيم الدولة، ولكن من المرجح أنهم يسعون فقط إلى القومية السنية عبر قاطرة الهيمنة الجهادية.

ليس هناك أمل في التفاوض مع تنظيم الدولة، وليس هناك أمل أيضًا في إحداث تصدعات سياسية داخل التنظيم. كما أن مهارة القوات التابعة للتنظيم تجعل من الصعب تخيل إلى أي مدى سيسهم الفوز بعقول السكان المحليين في قلب الطاولة على التنظيم.

ولكن هناك أمل في أن القوات العراقية يمكنها إلحاق الهزيمة بالتنظيم في العراق، وقيام التحالف الدولي باحتواء التنظيم في داخل سوريا. كما يمكن للولايات المتحدة وشركاؤها في التحالف دعم الجماعات السورية المسلحة المعتدلة للهجوم على مناطق السيطرة الخاصة بالتنظيم. وإذا تعاملت الحكومة العراقية بحكمة مع الحملة العسكرية وقدمت التنازلات السياسية التي يطالب بها سنة العراق، فإن المجتمعات السنية في العراق وسوريا قد تكون في نهاية المطاف قادرة على الوقوف ومقاومة سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية. وبقليل من التوفيق، فإن الزوال البطيء لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا سوف يقلل من شعبيته العالمية، مما يساعد في نهاية المطاف على إرسال التنظيم إلى حيث ينتمي: إلى مزبلة التاريخ.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد