كتبت أنتونيا نوري فارزان تقريرًا نشرته صحيفة «واشنطن بوست» حول آفاق عملية إعمار غزة بعد وقف إطلاق النار، أوضحت فيه العوائق التي تعرقل العملية كما حدث في السابق، وهي أن لإسرائيل الكلمة الأخيرة في أي عملية لإعادة الإعمار. كذلك تعاني عملية إعادة الإعمار من فتور الجهات المانحة التي شهدت استثماراتها تحترق في أتون الحرب عدة مرات، وتقاعس دول الخليج العربية التي تريد أن يؤدي بطء إعادة الإعمار إلى تآكل شعبية حماس حليفة إيران.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ شهرين
«الإندبندنت»: هذه المعدات العسكرية البريطانية التي استخدمتها إسرائيل في قصف غزة
 

وتستهل الكاتبة تقريرها بمظاهر البهجة التي أعقبت وقف إطلاق النار في القطاع، حيث نزل سكان غزة إلى الشوارع يوم الجمعة ليحتفلوا – أو ليتنفسوا الصعداء- بعدما أنهى وقف إطلاق النار مع إسرائيل 11 يومًا من القصف. وفي إسرائيل أيضًا، كان هناك أمل في أن تستمر الهدنة وتنهي وابل الصواريخ المنهمر من غزة.

لكن المهمة التي تنتظر غزة أكثر صعوبة بكثير – بحسب التقرير – إذ دمرت آلاف المنازل والمحال التجارية في الصراع الأخير مع إسرائيل، وتضررت البنية التحتية للمياه والكهرباء في غزة. ويرصد التقرير ما تنطوي عليه الجهود المبذولة لتعافي القطاع، والعقبات التي عقدت إعادة البناء في الماضي.

كم ستكلف إعادة الإعمار؟

في حين أن المسؤولين في غزة لم يحددوا قيمة معينة لحجم الأضرار، فمن الآمن القول إنها ستكون بمليارات الدولارات. 

وتنقل الكاتبة عن الأمم المتحدة قولها إن أكثر من 77 ألف فلسطيني نزحوا بسبب الغارات الجوية التي حولت مئات المباني السكنية إلى أنقاض، وتركت مباني أخرى غير صالحة للسكنى مؤقتًا. وتضررت ستة مستشفيات و11 عيادة للرعاية الصحية، ويفتقر ما يقرب من نصف سكان المنطقة الذين يزيد عددهم على مليوني نسمة إلى إمكانية الحصول على المياه النظيفة؛ بسبب توقف محطات تحلية المياه عن العمل.

Embed from Getty Images

وتضررت الطرق في أنحاء قطاع غزة من جراء الهجمات الإسرائيلية. كما تضررت شبكة الكهرباء، مما أدى إلى تقليص عدد الساعات المحدودة بالفعل التي تتوفر فيها الكهرباء يوميًّا. بالإضافة إلى ذلك، تقدر اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن عدة مئات من بقايا الذخائر التي لم تنفجر متناثرة في جميع أنحاء الجيب الساحلي.

توقع مدير اللجنة الدولية للصليب الأحمر في الشرق الأوسط، فابريزيو كاربوني، يوم الجمعة أن «الأضرار التي وقعت في أقل من أسبوعين ستستغرق سنوات، إن لم يكن عقودًا، لإعادة بنائها».

من سيكون مسؤولًا عن إعادة الإعمار؟

الواقع السياسي في غزة يعني أن هذا السؤال سيكون معقدًا. وتحكم حركة المقاومة الإسلامية (حماس) – التي تعدها الولايات المتحدة وإسرائيل ودول أخرى منظمة إرهابية – قطاع غزة وتوفر الخدمات الأساسية للسكان.

وتوضح الكاتبة أن عديدًا من الدول التي تعهدت بتمويل جهود إعادة البناء غير مستعدة للتعاون مع حماس. وقال الرئيس بايدن يوم الخميس إن الولايات المتحدة سترسل مساعدات إنسانية إلى غزة، لكنها تخطط للتنسيق مع السلطة الفلسطينية، منافسة حماس التي تسيطر على الضفة الغربية؛ «بطريقة لا تسمح لحماس بإعادة بناء مخزون ترسانتها العسكرية».

كما تسيطر إسرائيل بإحكام على جميع المعابر الحدودية مع غزة تقريبًا. كما يخضع المنفذ المنفصل بين مصر وغزة لرقابة صارمة. 

وعود واهية

بعد أن دمرت الحرب غزة في عام 2014، وعد المجتمع الدولي بتقديم 5.4 مليارات دولار من المساعدات، لكن ما قدم بالفعل لم يتجاوز النصف. وخلص تحليل أجراه معهد «بروكنجز» إلى أن غالبية الوعود التي لم تتحقق تعهدت بها دول الخليج العربي التي تعارض حماس المتحالفة مع إيران، وتأمل في أن يؤدي التأخير في إعادة البناء إلى «تآكل شرعية حماس في القطاع».

Embed from Getty Images

ولأن السلطة الفلسطينية لا تسيطر على قطاع غزة، فليس من الواضح حجم الدور الذي ستلعبه في عملية إعادة الإعمار، بحسب التقرير. وبدلًا من ذلك، من المرجح أن يقع جزء كبير من المهمة على عاتق الأمم المتحدة وجماعات الإغاثة الأخرى.

من الذي سيدفع تكلفة إعادة إعمار غزة؟

أعلن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يوم الثلاثاء الماضي أن مصر، التي ساعدت في التوسط في وقف إطلاق النار، ستساهم بمبلغ 500 مليون دولار. وأفرجت الأمم المتحدة عن 22.5 مليون دولار من صندوق الاستجابة للطوارئ، وتعهدت حكومة النرويج بما يعادل 3.6 ملايين دولار بالإضافة إلى 8.5 ملايين دولار قدمتها بالفعل هذا العام. ووعدت بريطانيا بتقديم تمويل يقارب 4.5 ملايين دولار سيصرف تحت إشراف الأمم المتحدة. ولم تعلن إدارة بايدن علنًا قيمة المساعدة المحتملة.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ شهرين
«فورين بوليسي»: معاناة الفلسطينيين مستمرة.. ووقف إطلاق النار في غزة لا يعني السلام

وتشير الكاتبة إلى أنه عندما انتهى الصراع الرئيسي الأخير في قطاع غزة في عام 2014، جاءت الحصة الأكبر من المساعدات الموعودة من قطر، والتي لعبت دورًا رئيسيًّا في المساعدة في إعادة الإعمار. وتواصل الدولة الغنية بالنفط المساعدة في تمويل البنية التحتية والخدمات الاجتماعية، وقالت الدوحة في يناير (كانون الثاني) إنها ستقدم 360 مليون دولار من المساعدات هذا العام. ولم يذكر المسؤولون بعد ما إذا كانوا يتوقعون تقديم تمويل طارئ إضافي.

لقد أدى عدم وجود هدنة دائمة بين إسرائيل وحماس إلى «فتور الجهات المانحة» من خارج الشرق الأوسط، وفقًا لما أشار إليه معهد «بروكنجز» في تحليله الذي يقول: «سيطر شعور بعدم الجدوى على بعض المانحين الغربيين؛ إذ رأوا استثماراتهم السابقة تلتهمها نيران الحرب للمرة الثانية، وفي بعض الحالات، للمرة الثالثة، مما يجعلهم يتخوفون بشأن توفير المزيد من التمويل».

كما يمنع الحصار الذي تفرضه إسرائيل دخول معظم مواد البناء إلى قطاع غزة، على أساس أنها يمكن أن تستخدم لخدمة الإرهاب. وبعد صراع 2014، توصلت السلطة الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية والأمم المتحدة إلى ترتيب مؤقت يهدف إلى تسريع عملية التعافي. لكن تحليل معهد بروكنجز خلص إلى أن «آلية إعادة إعمار غزة» فشلت في النهاية، لأنها أعطت إسرائيل الكلمة الأخيرة في أي مشاريع بناء، بينما أضافت تعقيدات بيروقراطية جديدة على كاهل فلسطينيي غزة الذين يسعون إلى إعادة البناء.

Embed from Getty Images

إعادة الإعمار قد تستغرق قرنًا

في عام 2015، قدرت منظمة أوكسفام الدولية أن إصلاح أضرار الحرب قد يستغرق أكثر من قرن إذا استمر الحصار.

وتخلص الكاتبة في نهاية تقريرها إلى أن هذه العقبات، جنبًا إلى جنب مع حقيقة أن مليارات الدولارات من التمويل الموعود لا تصل أبدًا، كانت نتيجته أن بعض العائلات التي دمرت منازلها في عام 2014 لا تزال تعيش في مساكن مؤقتة قدمتها المنظمات الإنسانية عندما تصاعد الصراع الأخير.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد