من إحدى أفقر ضواحي برلين إلى دوري الأضواء والشهرة، البوندزليجا. التحق بالجيش الألماني لأداء الخدمة العسكرية، وجرى تكريمه من قبل حكومة أنجيلا ميركل.

إنه لاعب كرة القدم التونسي أنيس بن حتيرة، الذي هاجر والده في السبعينيات إلى ألمانيا ليعمل طاهيًا. تأسر كرة القدم قلب ابنه، فيبدأ مشوارًا طويلاً معها في ألمانيا، ولكن النهاية حزينة. في هذا المقال، تحكي لنا صحيفة واشنطن بوست حكاية أنيس.

«لقد كنتُ مثالاً يحتذى على اندماج المسلمين في المجتمع»، هكذا قال أنيس بن حتيرة، الذي كان حتى شهر مضى لاعبًا في صفوف نادي دارمستادت الألماني.

ولكن مع ارتفاع وتيرة العنصرية تجاه الإسلام في الغرب، يقول التقرير، سقط نجم الكرة الألمانية من القمة. تثير قصته بشأن طرده من فريقه وتفضيله ترك ألمانيا سؤالاً يشغل الجميع: في هذا العالم الذي يتبدل بسرعة، ما الذي يجعل المسلم يوصف بـ«المتشدد»؟

يقول التقرير إن الإسلام قد وُضع تحت المجهر في أعقاب انتخاب دونالد ترامب رئيسًا لأمريكا، ووقوع سلسلة من الهجمات الإرهابية في أوروبا. لكن هذا التدقيق خلف كل مسلم يضع حرية التعبد موضع الاختبار.

ينطبق الأمر على ألمانيا، التي استقبلت حوالي مليونًا من طالبي اللجوء ووصفها ترامب بالسذاجة. ومع اقتراب الانتخابات وتلقيها اتهامات حادة بسبب الأمن، دعت ميركل إلى حظر النقاب وبدأت في استخدام مصطلح «الإرهاب الإسلامي».

قال بن حتيرة «إنهم يطاردوننا. المسلمون هم اليهود الجدد».

شعور عدم المبالاة

خلال مباراة ودية مع نادٍ من بلاروسيا، تعرض بن حتيرة، الذي يلعب لنادي غازي عنتاب سبور التركي حاليًا، لعرقلة من لاعب في الفريق الخصم، فصاح في الحكم بالألمانية «هل رأيت هذا؟». وبعد قليل، احتسب الحكم خطأ ضده، فصاح بالألمانية مجددًا «ماذا فعلت الآن؟»

يقول التقرير إن بن حتيرة اعتاد على التعرض للاضطهاد. فقد نشأ وهو يستمع إلى كلمة Kanake وهي كلمة عامية تقال ضد الألمان من أصول تركية وعربية.

«سرعان ما ينمو بداخلك شعور بعدم المبالاة» يقول أنيس.

لكنه رد على الاضطهاد بكرة القدم، فأصبح نجمًا. تنقل بن حتيرة بين عدة فرق ألمانية قبل أن ينتهي به المطاف في صفوف فريق دارمستادت العام الماضي، ليكون أحد لاعبي البوندزليجا.

يقوم أنيس بمساعدة الأطفال الفقراء في برلين، مما جعله مشهورًا وحظي بتكريم الدولة. كانت ألمانيا قد أعدت فيديو دعائي للترويج للتنوع السائد في المجتمع الألماني بعنوان «أنا أيضًا ألماني»، وكان بن حتيرة أحد من ظهروا فيه.

يشير التقرير إلى أن بن حتيرة لم يتاثر بالمال والشهرة وظل متمسكًا بتدينه. وكانت قد ثارت ضده عاصفة من الانتقادات بسبب انتقاده للحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في 2014.

قرر أنيس التوسع في العمل الخيري، فتواصل مع مؤسسة الأنصار الدولية المحافظة، التي أسسها مغني الراب، جويل كيسر، الذي تحول إلى الإسلام. وجميع العاملين في المنظمة من النساء منقبات، والرجال يطلقون لحاهم.

يقول بن حتيرة إن تعامله مع المنظمة جاء بسبب شفافيتها. وللمنظمة أنشطة في أماكن خطرة مثل الصومال وسوريا وقطاع غزة. وخرج بن حتيرة في رحلة إلى غانا مع المنظمة.

لكنه ما كان يدري أن هذا قد يقضي على حياته باعتباره لاعب كرة في ألمانيا، يقول التقرير.

الانخراط في العمل الخيري

جلب دعم بن حتيرة لأنشطة منظمة الأنصار عليه الانتقادات سريعًا. تساءل السياسيون كيف لمسلم مشهور أن يتعاون مع منظمة متشددة. وسرعان ما نقلت وسائل الإعلام المحلية تقارير عن تمويل المنظمة لمنظمات إرهابية، لكنها تراجعت عما زعمته بعد أن تبين عبر تحقيق قضائي عدم وجود دليل على ذلك.

لكن التقرير يقول إن المنظمة أقامت حفلًا لجمع التبرعات حضره بعض السلفيين المتشددين. وكان أحد من ألقى كلمة في الحفل قد دعا إلى إقامة صلاة الغائب على روح أسامة بن لادن زعيم القاعدة بعد مقتله.

ورغم توقف المنظمة عن إقامة حفلات تبرع أخرى، إلا أنها بالنسبة للكثيرين في ألمانيا –لا سيما الاستخبارات– قد كشفت عن وجهها الحقيقي.

ينقل التقرير عن مسئولين استخباراتيين رفضوا الكشف عن هويتهم قولهم إنه لا دليل على أن المنظمة تروج للعنف. لكنهم يصفونها بالمتشددة، ويشتبهون في علاقاتها بمناطق الحرب في البلدان التي تنشط فيها.

لكن المسئولين عادوا وأكدوا عدم وجود دليل دامغ على ذلك، وأنه ليس هناك دعاوى قضائية ضد المنظمة. وكانت بعض المعلومات قد زعمت بأن للمنظمة مستشفى في إدلب السورية، التي تقع تحت سيطرة تنظيم القاعدة، ولكن لم يجرِ التحقق من مصداقية تلك المزاعم من مصدر مستقل.

ينقل التقرير عن مدير المنظمة قوله إن المتشددين يكرهونهم لأنهم ساعدوا ضحايا إرهاب جماعة بوكو حرام النيجيرية من المسلمين والمسيحيبن على حد سواء، وتعاونت مع منظمات أمريكية في توزيع المساعدات في الصومال.

وقد تعجبت المنظمة من قيام جهاز الاستخبارات الداخلية بالتحقيق في قيامها بتمويل عمليات بناء مساجد في نورث راين ويستفيليا، واصفة الأمر بازدواجية في المعايير، حيث إنه لا يجري كتابة تقارير عندما يتعلق الأمر بالكنائس.

أشهر الرياضيين هم نموذج يحتذى

أشعل دعم بن حتيرة لمنظمة الأنصار الجدل في ألمانيا. فعلى صفحته عبر الفيسبوك، وقع سجال بين أحد مؤيديه وآخر من معارضيه. وصف المؤيد المعارض بـ«الخنزير الصهيوني»، في حين وصف الأخير الأول بـ«الجهادي».

وما زاد الطين بلة، يقول التقرير، هو أن أحد مديري الصفحة قد نقر زر «إعجاب» على تعليق المؤيد لأنيس، فاضطر اللاعب للاعتذار واصفًا الأمر بـ«الخطأ غير المقصود». تلقف معارضوه الحادثة ووصفوا بن حتيرة بالمعادي للسامية.

وقد أجج الحادث جدلاً حول تعاون بن حتيرة مع المنظمة، إلى الحد الذي دفع عمدة دارمستادت لانتقاده. وقبل أقل من شهر مضى، وزعت منشورات تندد بتعاونه من المنظمة المتشددة.

دفع انفجار الأزمة إلى طلب رعاة النادي توضيحًا من إدارته، فسارعت الأخيرة إلى انتقاد المنظمة على الملأ، ورغم أنها وصفت الأمر بالشخصي، إلا أنه في الـ24 من يناير (كانون الثاني)، وجهت الإدارة إنذارًا أخيرًا للاعب: انفض يدك من العمل مع المنظمة أو الرحيل.

فضّل اللاعب الرحيل، يشير التقرير، مؤكدًا على حقه في الحرية الدينية وعدم وجود دليل ضد المنظمة. صرح وزير داخلية مقاطعة هيسن الألمانية في بيان رسمي بالقول «لا يمكن السماح لرياضي محترف بالتعاون مع منظمة متشددة تحقق الاستخبارات بشأنها. فالرياضيون هم نموذج يحتذى للشباب».

ملجأ للمسلمين الذين نشأوا في أوروبا

مثّل الأمر عنصرية بالنسبة للكثيرين من محبي النجم التونسي، إلا أن معظم الهيئات الإسلامية الكبرى في ألمانيا لم تعلق على فسخ عقد بن حتيرة، على ما يبدو تجنبًا للجدل في وقت حساس. لكن العديد من مطربي الراب أعلنوا دعمه.

وبسبب هذه الفضيحة، تحاشت الأندية الألمانية التعاقد معه. بعد ذلك تلقى اتصالًا من قائد فريق غازي عنتاب سبور للانضمام إلى الفريق، وقد اعتبرت إدارة النادي التركي ذلك فرصة ذهبية، فهو لاعب موهوب، وفي ذلك دعم لأخ مسلم.

بضمه لبن حتيرة، يبدو نادي غازي عنتاب سبور التركي ملجأ للاعبين المسلمين الذين نشأوا في أوروبا. إذ قال لاعب في الفريق فضل عدم الكشف عن اسمه إن السلطات الأوروبية ألقت القبض على قريب له محافظ يعيش في النمسا، وذلك في أعقاب تفجيرات الكريسماس الماضي في برلين، والتي خلفت 12 قتيلًا.

«أنت إرهابي في نظرهم إذا كنت مسلمًا ملتحيًا». قال اللاعب.

يختتم التقرير بالقول إن بن حتيرة يشعر بالرضا عن قرار الرحيل. «أرادوا مني عدم التعاون مع أشخاص يقومون بأعمال صالحة دون أي دليل ضدهم. هذا أهم لديّ من حياتي المهنية» قال بن حتيرة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد