بعد أسابيع طويلةٍ من الاحتجاجات الشعبية والتظاهرات الحاشدة في مُختلف الشوارع والمدن الجزائرية، أعلن الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة استقالته من منصبه في الثاني من أبريل (نيسان)، بعد أن قضى 20 عامًا في السلطة، ليُصبح خامس رئيسٍ عربيٍ يسقط إثر ثورةٍ شعبيةٍ منذ عام 2011.

على غرار ما حدث في مصر وتونس، أتى سقوط بوتفليقة نتيجة انشقاق الجيش. إذ أعلن الفريق أحمد قايد صالح، رئيس أركان الجيش، أنَّه سيقف إلى جانب الشعب الجزائري، ودعا إلى إزاحة بوتفليقة فورًا من منصبه قبل ساعاتٍ من استقالته.

وفي هذا الصدد، أعدَّ شاران جريوال، زميل أبحاث ما بعد الدكتوراه في مركز سياسة الشرق الأوسط بمعهد «بروكينجز»، تقريرًا يكشف أسباب تخلِّي الجيش الجزائري عن رئيس البلاد المُستقيل، ونشرت التقرير صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية.

ذكر جريوال أنَّ قرار الجيش الجزائري بالتخلِّي عن بوتفليقة يبدو للوهلة الأولى قرارًا مُفاجئًا. واستعان جريوال بتعبير المؤلف الشهير ستيفن كوك، قائلًا إن الجيش كان مصدر السلطة في عهد بوتفليقة، الذي اتَّسم بـ«الحُكم وليس الإدارة». إذ تمتَّع كبار قادة الجيش بنفوذٍ سياسيٍ ملحوظٍ، وتربَّحوا من الميزانية المُتضخِّمة (وغير المشروعة في كثيرٍ من الأحيان) وفرص الثراء، خاصةً في أعقاب السكتة الدماغية التي أصابت بوتفليقة عام 2013، وتركته شبه عاجزٍ عن الحركة. فضلًا عن ذلك، كان قايد صالح شخصيًا من أقدم المُوالين لبوتفليقة، إذ شغل منصب رئيس الأركان في حكومته منذ عام 2004، ومنصب نائب وزير الدفاع منذ عام 2013، مما يجعله صاحب مصلحةٍ مُؤسَّسيةٍ وشخصيةٍ في بقاء نظام بوتفليقة.

مُواجهةٌ بين الضباط والجنود

أورد جريوال أنَّ الأدبيات الأكاديمية تُقدِّم لنا الكثير من الفرضيات حول ردود الفعل العسكرية تُجاه الانتفاضات الجماهيرية. تكمُن واحدةٌ من أهم تلك الفرضيات في أنَّ الدفاع عن رئيسٍ مُستبدٍ يتطلَّب أن يتمتَّع الجنود برغبةٍ في إطلاق النار على مُواطنيهم، بغض النظر عن مدى انخراط الضباط أنفسهم في النظام. ولهذا يُعَدُّ تكوين الجنود بالنسبة للمُتظاهرين من العوامل الحاسمة في التنبُّؤ بالانشقاق العسكري. وتُحافظ الجيوش التي تُسيطر عليها «جماعةٌ داخليةٌ» مُوالية للديكتاتور -سواءٌ كانت جماعةً عرقيةً أو قبليةً أو أيديولوجية- عادةً على ولائها للرئيس في مواجهة الاحتجاجات المُنبثقة أساسًا عن جماعةٍ خارجية. إذ كان الجنود العلويون في سوريا أكثر استعدادًا لإطلاق النار على المُتظاهرين السُنَّة في عام 2011، في حين أطلق الجنود المصريون -الذين تغلب عليهم العلمانية- النار على المُتظاهرين الإسلامويين عام 2013.

Embed from Getty Images

بوتفليقة ورئيس أركان الجيش الجزائري

وتتناقص رغبة الجنود في قمع المُتظاهرين الذين يعتبرونهم إخوةً لهم، حين يتشارك المُتظاهرون والجيش نفس الهوية، أو يحصلون على تمثيلٍ وطنيٍ مُماثل. ويقع الجيش الجزائري ضمن هذا التصنيف، إذ يتألَّف 70% من قوام الجيش من المُجنَّدين المُلزمين بالخدمة العسكرية لمدة 18 شهرًا على الأقل. ويُعَدُّ التجنيد الإلزامي ممارسةً عالمية، ولا يأتي نتيجة خلفيةٍ عرقيةٍ أو إقليميةٍ ضيقة النطاق. ويغلب الطابع العلماني على أيديولوجية المُتظاهرين اليوم، على غرار غالبية أفراد الجيش -وهو العامل الذي أسهم في الانقلاب العسكري والحرب التي أعقبته ضد الإسلامويين في التسعينيات- لدرجةٍ دفعت بعض المُراقبين إلى التساؤل عن أسباب اختفاء الإسلامويين من المشهد.

وتحدَّث جريوال عن حرص المتظاهرين على تذكير الجيش بأنَّهم إخوة، إذ هتفوا: «جيش وشعب، خاوة خاوة»، أي «الجيش والشعب إخوة إخوة». وأدَّت روح الإخاء هذه إلى انشقاق الجيش في مصر عام 2011، حين هتف المُتظاهرون: «الجيش والشعب، إيد واحدة». فضلًا عن ذلك، كانت الاحتجاجات الجزائرية سلميةً بشكلٍ ملحوظ، وتجنَّبت العنف الذي ساعد على تبرير قمع الجيش لأعمال الشغب في الجزائر عام 1988.

ولهذا يرى الباحث باختصارٍ أنَّ تكوين الجيش وخصائص الحركة الاحتجاجية نجحا في القضاء على رغبة الجنود في إطلاق النار. مما أعاق قُدرة كبار قادة الجيش على الدفاع عن بوتفليقة، بغض النظر عن مدى رغبتهم في ذلك. فضلًا عن أنَّه لم يتبقَّ الكثير للدفاع عنه، إذ ترشَّح بوتفليقة المريض لولايةٍ خامسةٍ لأنَّ النخبة الحاكمة فشلت في التوافق على خليفةٍ له. وجديرٌ بالذكر أنَّه عجز عن الحديث أثناء استقالته، واستطاع بالكاد أن يُحرِّك يده على خطاب استقالته. ولهذا يعتقد جريوال أنَّ النظام كان سيضطُّر إلى تجاوز حقبة بوتفليقة عاجلًا أم آجلًا، لكنَّ حركة الاحتجاجات زادت سرعة العملية ليس إلَّا.

«الجارديان»: كيف يؤثر رحيل بوتفليقة في استمرار الحراك الشعبي في الجزائر؟

استراتيجية طويلة المدى

يعتقد جريوال أنَّ سلوكيات النظام الغريبة -مثل التراجع عن ترشيح بوتفليقة لولايةٍ خامسةٍ مع تمديد ولايته الرابعة فعليًا- أدَّت إلى زيادة مطالب المُتظاهرين. وتحوَّل النظام بأكمله إلى هدفٍ للمتظاهرين بعد أن كان التركيز في الأصل مُنصبًا على بوتفليقة. إذ تصدَّرت هتافات «إسقاط النظام» مُقدِّمة التظاهرات منذ ذلك الحين، بعد أن كانت تصدر عرضيًا أول الأمر. وأصبحت أشهر العبارات الشائعة بين المُتظاهرين وعلى تويتر هي عبارة «يتنحاو قاع»، التي تعني «تخلَّصوا منهم جميعًا».

ولن يكون التخلِّي عن بوتفليقة كافيًا لإرضاء المُتظاهرين بكل بساطةٍ من وجهة نظر جريوال. إذ يجب أن يتنحى بعض رموز النظام أيضًا. مع العلم بأنَّ بعض عناصر النظام تنافست على رسم نفسها في صورةٍ إيجابيةٍ استعدادًا للحقبة التي ستعقب بوتفليقة. وحاول بعض أفراد النخبة الحاكمة، من الحزبين الحاكمين، الترويج للاحتجاجات في الأسابيع الأخيرة أملًا أن يُساعدهم ذلك في الحفاظ على مصالحهم.

ويرى جريوال أنَّ انشقاق قايد صالح العلني عن بوتفليقة يجب أن يُنظر إليه من نفس الزاوية، بوصفه مُحاولةً للتوفيق بين الجيش الذي يقوده من جهةٍ والمُتظاهرين من جهةٍ أخرى، أملًا في أن ينجو من عواقب الثورة. ويبدو أنَّ قايد صالح أدرك أنَّ تلك النجاة تتطلب التخلص من بوتفليقة والمُحيطين به أيضًا، إذ أيَّد خلال خطابه مزاعم المُتظاهرين بأن نظام بوتفليقة تُديره «عصابةٌ» من اللصوص.

وأورد التقرير إلقاء القبض على 12 رجل أعمالٍ على علاقةٍ ببوتفليقة -من بينهم الملياردير علي حداد- هذا الأسبوع في خطوةٍ ستنال استحسان المُتظاهرين المُستائين من الفساد. وربما يُضطَّر قايد صالح مُستقبلًا إلى التضحية بعناصرَ أخرى من العصابة مثل: نور الدين بدوي، رئيس الوزراء، وعبد القادر بن صالح، الرئيس المُؤقت المُنتظر، والطيب بلعيز، رئيس المجلس الدستوري.

ولم يتضِّح بعد ما إذا كانت تضحية قايد صالح برجال الأعمال والساسة ستكون كافيةً لإنقاذ منصبه، بحسب جريوال. إذ أدرك الكثير من المُتظاهرين لعبته، وبدأوا في المطالبة بإزاحته عن منصبه أيضًا، وفعل رسامو الكاريكاتير السياسي الأمر نفسه أيضًا. وعلى الجانب الآخر، اكتسب قايد صالح بعض الشعبية وسط قطاعاتٍ أخرى من المُجتمع الجزائري إثر تخلِّيه عن بوتفليقة.

ويرى جريوال في ختام تقريره لصحيفة «واشنطن بوست» أنَّ الأوضاع ربما تزداد خطورةً في المستقبل، لأن وجود جيشٍ يتمتع بالشعبية الكافية لإدارة المرحلة الانتقالية سيزيد صعوبة التحوُّل الديمقراطي.

هل القايد صالح «قائد صالح» فعلًا؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
s