8,071

كان المشهد كئيبًا للغاية عند مجلس مدينة نيويورك بعد ظهر الأربعاء في نهاية مارس (آذار) الماضي، أربعة توابيت اصطفت على الأرض، وقد غطاها سائقو التاكسي بالورود البيضاء، فيما احتشدوا على السلالم صارخين: «أوقفوا جشع أوبر»، و«توقفوا عن تحويلنا إلى عبيد». بهذا المشهد استهلت الكاتبة الأمريكية ميراندا كاتز مقالها في موقع «وايرد»، والذي تناولت فيه أزمة انتحار سائقي التاكسي في نيويورك خلال الأشهر الأخيرة.

ووفقًا لكاتز كان ذلك هو التجمع الثاني من نوعه في غضون شهرين، إذ نعى السائقون ومحاموهم حالات انتحار سائقين، عزوها إلى التصاعد المستمر في أنشطة شركات النقل الخاص مثل «أوبر» و«ليفت»، وهو ما يجعل سائقي التاكسي -بحسب وصفهم- غير قادرين على اكتساب لقمة عيش كريمة.

الكابوس الحي

تروي كاتز أنه في 16 مارس الماضي، أقدم نيكونار أورشيسور، وهو سائق تاكسي أصفر يبلغ من العمر 65 عامًا، على الانتحار في منزله، ووفقًا لرواية عائلته وأصدقائه، فقد كان عاني أورشيسور من مصاعب مالية بعدما تراجعت قيمة رخصة التاكسي التي كان يمتلكها، إذ كان يعول عليها في تأمين تقاعده. وفي فبراير (شباط)، أطلق دوجلاس شيفتر النار على نفسه خارج مجلس المدينة، بعدما نشر بيانًا مطولًا على فيسبوك يلقي فيه اللوم على السياسيين الذين تركوا الشوارع تتشبع إلى هذا الحد، وبحسب «تحالف العاملين بالتاكسي في نيويورك»، وهو منظمة غير ربحية هدفها الدفاع عن سائقي التاكسي، فإن سائقيْن آخرين على الأقل قد أقدما على الانتحار منذ ديسمبر (كانون الأول) الماضي بسبب الضغوطات المالية.

وسط هذه الحشود، وصفت «بهايرافي ديساي» المدير التنفيذي للتحالف، الأمر بـ«الكابوس الحي»، وهو الوصف نفسه الذي كرره السائقون المحتشدون، يقول نور الدين عفسي إنه بدأ العمل على التاكسي الأصفر منذ عام 2001، عندما أخبره صديق أنه سيكون من السهل عليه أن يجني منه مالًا أكثر من تجارة التجزئة. «كان بإمكانك سابقًا أن تعمل تسع ساعات، وتجني بسهولة نحو 200 دولار في اليوم، اليوم ستكون محظوظًا إذا كسبت 50 أو 60 دولارًا فقط». لا يخفي بيريسفورد سيمونز، الذي ظل يعمل على تاكسي أصفر قرابة 50 عامًا، إحباطه هو الآخر، وهو الذي لا يملك رفاهية التوقف عن العمل؛ إذ يقول: «لدينا من ننفق عليهم في البيت، وهم على وشك فقدان منازلهم، أعرف بعض سائقي التاكسي صاروا اليوم بلا مأوى على الإطلاق».

هذا الكرب والغضب الظاهر عند مجلس المدينة يتيح لنا التعرف عن كثب إلى كلفة تخريب الصناعات طويلة الأمد. حتى وقت قريب، كانت قيادة تاكسي في نيويورك إحدى بوابات العبور إلى مصاف الطبقة الوسطى، لا سيما إذا كان السائق يحتكم على ترخيص التاكسي الخاص به بدلًا من قيادة سيارات الآخرين. ظل عدد تراخيص التاكسي ثابتًا؛ وهو ما جعل قيمتها تتعاظم، لتصل في عام 2014 إلى أكثر من مليون دولار، ومنذ ذلك الحين، وبعد دخول شركات النقل الخاص (مثل أوبر) ميدان المنافسة؛ انخفضت الأسعار انخفاضًا جنونيًّا، وقد شهد شهر يناير (كانون الثاني) بيع سبعة تراخيص بأقل من 200 ألف دولار، الكثير من السائقين صاروا غارقين في الديون، وفقدوا الأمل في نمط الحياة المستقر الذي توقعوه ذات يوم.

«سيكون من المبالغة وصف الأمر بأنه كان محركًا للترقي الاجتماعي، لكن قيادة تاكسي كانت بالتأكيد طريقة تمكن أولئك الذين لم يحصلوا على تعليم جامعي من تكوين أسرة، والإنفاق على بيوت لفترات طويلة»، هكذا تؤكد جوليا تيكونا، باحثة الاجتماع التي تدرس تكنولوجيا العمل والعواطف واللا مساواة في معهد بحوث البيانات والمجتمع في نيويورك. وبالنسبة لسائقي التاكسي، فإن «التخريب» هنا لا يتعلق بانعدام الاستقرار المادي فقط، وإنما الشق المعنوي كذلك، إذ يتم إعادة تشكيل المهنة باعتبارها «مهنة جانبية»، فسائق التاكسي العتيق الذي يفخر بمعرفته الدقيقة بمداخل المدينة ومخارجها صار يجد نفسه في منافسة مع عشرات الآلاف من القادمين الجدد، بعضهم يمارس القيادة باعتبارها وظيفة جانبية فقط. «هناك ذلك التوتر بين الأنماط القديمة من المعايير المهنية، وبين الطرق التي تشجع منصات العمل الجديدة الوافدين على انتهاجها»، كما تقول تايكون.

وتؤكد الكاتبة أنه في مقابل محدودية أعداد التاكسي الأبيض في نيويورك (حوالي 13600 فقط)، ليس ثمة قيود على أعداد سائقي «أوبر» أو «ليفت» أو غيرهما من شركات النقل الخاص، أدى الافتقار إلى ضوابط منظمة إلى نمو سريع للغاية في هذا القطاع: دشنت «أوبر» نشاطها في المدينة عام 2011 بـ105 سيارات فقط، ليرتفع العدد في 2015 إلى 20 ألفًا، واليوم هناك أكثر من 63 ألفًا تتيح رحلات عبر تطبيقات الأجرة الخاصة المختلفة، منها 60 ألف سيارة تابعة لـ«أوبر» فقط. ويؤكد سائقو التاكسي أن هذا النمو يؤثر في كل السائقين، بما فيهم العاملون مع «أوبر» و«ليفت»، تؤكد ديساس: «هذا يدمر القطاع بأكمله، يؤثر هذا في كل السائقين ويحول المهنة إلى مجرد فتات بأجور زهيدة لا يستطيع حتى سائقو أوبر أو ليفت العيش من خلالها»، وفي مسحٍ استقصائي أجرته رابطة السائقين المستقلين -التي تمثل السائقين الذين يعملون عبر تطبيقات الأجرة الخاصة- في عام 2017، ذكر 57 % من المُستطلع آراؤهم أنهم يكسبون أقل من 50 ألف دولار سنويًّا، فيما ذكر 22% منهم أنهم يكسبون أقل من 30 ألف دولار سنويًّا.

«نريد المزيد من المال»

ترى كاتز أنه كما يرى سائقو التاكسي و«سائقو التطبيقات» أنفسهم كغريمين متنافسين، فإنهم متحدون كذلك في جبهات عدة. الجميع يريد المزيد من المال: «رابطة السائقين المستقلين» رفعت عريضة إلى مجلس المدينة تطالب الشركات برفع العائد المادي للسائق بنحو 37%، و«تحالف العاملين بالتاكسي في نيويورك» يطالب برفع معدلات التاكسي الأصفر ومساواتهم بالحد الأدنى لدى سائقي التطبيقات، كلتا المجموعتين تريد من مجلس المدينة الحد من دخول المزيد من السائقين إلى سوق العمل؛ خوفًا من ألا يتمكن الطلب من سد حاجة المعروض الوفير من السائقين. تجلب «أوبر» و«ليفت» المئات من السائقين الجدد أسبوعيًّا، وتشير الإحصاءات إلى أن الساعات التي يقضيها سائقو التطبيقات وسط مانهاتن بلا ركاب قد ارتفعت من عام 2013 إلى عام 2017 بنسبة 81%، وطالما أنه ليس هناك ركاب، فليس هناك أموال بطبيعة الحال. يقول نور الدين عفسي -الذي بدأ في العمل مع «أوبر» بعدما كان يؤجر تاكسي أصفر مدة تسع سنوات-: «لا نأبه كثيرًا بالمنافسة، عندما تعمل 14 أو 15 ساعة وتذهب للبيت بـ50 دولارًا فقط فهذا ليس جيدًا على الإطلاق، الأمر لا يتعلق هنا بالمنافسة؛ بل بالبقاء على قيد الحياة».

يأمل السائقون ومحاموهم أن تحفز سلسلة عمليات الانتحار الأخيرة مجلس المدينة لاتخاذ إجراءات وضوابط لتنظيم الصناعة، ومنع انحدارها المحتوم إلى قاع سحيق. في عام 2015، كان مجلس المدينة بصدد وضع حد لعدد السيارات التابعة لشركات الأجرة الخاصة؛ لكن «أوبر» نظمت حملة ضد تلك الخطوة، ونجحت في وقف تمرير هذا التشريع. الآن يطلب عضو المجلس ستيفن ليفن تجميدًا مؤقتًا لتراخيص أوبر الجديدة؛ فيما تعكف البلدية على دراسة تأثيرات نمو تلك الصناعة.

ويعد اقتراح ليفن واحدًا من ضمن عدة عروض تسعى إلى تخفيف الآثار التي أحدثها دخول شركات الأجرة الخاصة، قدم عضو البلدية «دانيس رودريجز» في الخريف الماضي مسودة قانون 2X1 يسمح لأصحاب رخصة التاكسي بتشغيل سيارتين للرخصة الواحدة، في محاولة لرفع القيمة التجارية للرخصة، يؤكد رودريجز: «ينبغى أن نجد حلًّا لأولئك الذين استثمروا في مستقبل المدينة عبر شراء التراخيص». كما قدم العضو «روبن دياز» مسودة قانون أخرى تقترح أن تدفع كل سيارة تعمل مع أوبر أو غيرها من التطبيقات رسومًا سنوية تبلغ ألفي دولار، في محاولة لإبطاء النمو المتسارع في هذا القطاع، وثمة مقترح آخر ببرنامج يتيح لسائقي التاكسي تقدير تكلفة الرحلات مسبقًا، وهو ما يساعدهم -نظريًّا- على اجتذاب الركاب الذين يفضلون استخدام «أوبر» على التاكسي الأصفر؛ لأنهم يعرفون قيمة ما سيدفعونه مسبًقا.

ووفقًا للكاتبة، تشترك كل تلك العروض في عنصر وحيد حاسم، فهي تضع عبء التغيير على البلدية، وليس على الشركات ذاتها. وبالرغم من أن شركات الأجرة الخاصة ربما تكون مستعدة -نظريًّا- لرفع رواتب السائقين، فإنها لا تنوي بالتأكيد كبح نموها الرهيب. وكما يؤكد بروس شيلر، المفوض السابق لحركة المرور والتخطيط في بلدية نيويورك: «الحل الوحيد يمكن أن يأتي من السياسة العامة، أما الشركات فإن لديها عزمًا أكيدًا على النمو».

وتشير «أوبر» -في بيان لها صدر مؤخرًا- إلى الخطوات التي أخذتها لاستعادة ثقة سائقيها، مثل إتاحة ميزة «البقشيش» داخل التطبيق، أو إتاحة فرصة كسب المزيد من المال أثناء انتظار الركاب. وبحسب متحدث باسم الشركة: «أخبرنا السائقون أننا نحتاج إلى فعل المزيد، ونحن نعمل بجد لاستعادة ثقتهم ولتحسين خبرتهم». كما عبر متحدث باسم شركة «ليفت» عن المبدأ نفسه قائلًا: «ثمة محادثات جارية تخوضها الشركة في محاولة لإيجاد حلول للتحديات المعقدة في نيويورك، لتوفير الخدمة الأفضل للزبائن، وفرص العمل الأكثر ربحية للسائقين».

خلال هذا العام، شكلت بلدية نيويورك لجنة لبحث قضية سيارات الأجرة الخاصة، وقد عُقدت أولى جلسات الاستماع بعد انتحار شيفتر في فبراير (شباط) الماضي، ولعدة ساعات أدلى السائقون والمحامون بشهادات مفعمة بالعاطفة، وطالبوا بوضع حد لعدد السيارات التي تجوب شوارع نيويورك، كان ثمة تفهم لهذا المطلب مع إدراك أن «توسع الصناعة سيستمر في جعل المهنة مجهدة للغاية؛ طالما ليست هناك آلية للتحكم في النمو».

وتختتم الكاتبة مقالها بالقول: ربما يتيح توفير آليات «للتحكم في النمو» تخفيف بعض الآثار المترتبة على دخول شركات النقل الخاص إلى تلك الصناعة، لكن الأيام التي كان يمكن الاطمئنان فيها إلى قدرة ترخيص التاكسي على توفير تقاعد مريح قد أصبحت جزءًا من الماضي، ولن تعود. يقول شيلر: «الناس متجمدون في أماكنهم، يحلمون باليوم الذي تستعيد فيه تراخيص التاكسي عافيتها، ربما يتحسن الأمر قليلًا بالنسبة للسائقين، لكن من الصعب أن يعود كما هو بالنسبة لملاك التراخيص»، بعبارة أخرى، ربما يكون من الصعب حماية كل عامل في هذا المجال من الآثار السلبية لما لحق بهذه الصناعة من تخريب، لكن بإمكان الضوابط الجديدة على الأقل أن تحمي السائقين من المصير المروع الذي شهدته المدينة في الأشهر الماضية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك