نشرت مجلة «فورين أفيرز» الأمريكية مقالًا لأستاذي التاريخ بمركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة جورجيا ألين جيمس فرومرز، وخافيير جيرادو ألونسو، تحدثا خلاله عن دور ما يُعرف بـ«المجلس» في طول فترات الحكم في دول الخليج العربي وعمله، ضمانةً لعدم سقوط أنظمتها الحاكمة.

المجلس.. ضامن استقرار الأنظمة الحاكمة

يستهل المقال بالإشارة إلى غرفة المجلس، التي تكون موجودة لدى كل عائلة تقريبًا في دول الخليج، سواء كانت قبيلة ثرية أم فقيرة.

ويصف المقال تلك الغرفة بأنها غالبًا ما تكون كبيرة، ومزينة بنوافذ مقوسة، وزخارف معقدة، ووسائد أنيقة، ويلتقي بها الرجال والنساء داخل القبيلة بشكل منفصل.

يساعد وجود المجلس – بحسب الكاتبين– على تفسير أكثر السمات المحيرة للحياة السياسية في الخليج، وهي أن دول المنطقة ما يزال يحكمها ملوك وأمراء.

يضيف المقال أنه ينبغي لملوك الخليج أن يخشوا على مناصبهم من الناحية النظرية، إذ تعاني اقتصادات تلك الدول من الفساد والاعتماد عن النفط، كما تتسبب الفوارق الشاسعة في الفرقة بين المواطنين والمهاجرين.

ويرى المقال أن تيارات الإسلام السياسي، والعصرنة الثقافية، وتدفق المعلومات الذي لا يخضع لسيطرة الدولة، جميعها عوامل قد تسهم بسهولة في تأجيج انعدام الاستقرار السياسي داخل دول الخليج.

ورغم تنبؤ المفكرين السياسيين بالسقوط الوشيك لملوك دول الخليج، فإن أيًا منها لم تسقط إلى الآن، وحتى الاضطرابات العنفية للربيع العربي لم تغير كثيرًا من الهياكل السياسية في الخليج.

ويعزو المقال طول فترة الحكم داخل دول الخليج بشكل كبير إلى وجود المجلس، الذي يلعب دورًا غير ملحوظ إلى حد كبير في الوساطة بين القبائل والدول، كما يشير إلى أن هذه العلاقة تعرضت لضغوط شديدة في الأعوام الأخيرة، الأمر الذي من المحتمل أن يعرقل العقد الاجتماعي الذي سمح لحكومات تلك الدول بالبقاء والازدهار.

أبرز 5 وسائل استخدمها الحُكام العرب للبقاء الأبدي في السلطة

المجلس وسيلة إيصال المظالم ونقل السُلطة

ينتقل المقال للحديث عن الحياة السياسية الغربية والتي يتألف داخلها المجتمع المدني، أساس الديمقراطية التمثيلية الحقيقية، من كوكبة من المنظمات المستقلة عن الحكومة، والتي ينظم من خلالها المواطنون أنفسهم ويحددون مصالحهم المشتركة.

Embed from Getty Images

ويوضح الكاتبان أن هذه المنظمات تشمل الجامعات والجمعيات المهنية، والنقابات والهيئات الدينية، ووسائل الإعلام، كما يجتمع أعضاء المجتمع المدني الغربي في ساحة البلدة أو على المقاهي الثورية في الحيز العام (مصطلح اخترعه الألماني يوجان هابيرماس للإشارة إلى حيز يلتقي داخله الأفراد لتحديد الأمور المجتمعية ومناقشتها بحريّة، والذي يؤدي إلى مناقشة كيفية التأثير في الفعل السياسي).

يرصد المقال اختلافًا بين الغرب والخليج فيما يتعلق بالحياة السياسية، ففي الخليج يوجِه الانتماء القبلي لا المواطنة مسألة المشاركة السياسية، وفي أكثر الأحيان التيارات السياسية الوسطية داخل المجلس.

يوضح المقال أنه يجري من خلال المجلس، سواء كان غرفة معيشة كبيرة فاخرة أو حتى خيمة بدائية متنقلة، إيصال المظالم ونقل السلطة بين الحاكم والمحكوم.

الأصول التاريخية للمجلس

يتحدث المقال عن تاريخ المجلس، والذي يعود لعصور ما قبل الإسلام، إذ كان الزعيم القبلي أو الشيخ يجتمع بانتظام بعائلته الممتدة، وأحيانًا يحضر الأمير أو شيخ الشيوخ الاجتماعات.

ويضيف المقال: «وفي أثناء فترة حكمه للجزيرة العربية في القرن السابع الميلادي، كان النبي محمد يعقد مجالس مماثلة لحل النزاعات بين مختلف القبائل في المدينة المنورة، كما شكل شبكة من المجالس التي كانت مرتبطة بعضها ببعض من خلال التبادلات الدبلوماسية الدورية».

ذلك النظام مستمر حتى الآن، ومن الناحية الرسمية، تقوم حكومات دول الخليج على أساس السلطة الدستورية للأمير الحاكم، والتي تكون مطلقة تقريبًا في الكثير من الحالات، عدا الكويت التي لديها برلمان يتمتع ببعض السلطات الفعلية، لكن تستقر غالبية السلطة في أيدي أمير البلاد.

ويشير المقال إلى أن الاستعماريين والمستشارين الغربيين، الذي استعان بهم الحكام المحليون، أرسيا القوانين الرسمية والمؤسسات الحكومية داخل دول الخليج، والذين لم يقدروا حتمًا الروابط التقليدية غير الرسمية التي تعمل من خلالها مجتمعات الخليج.

صمام أمان ورابط اجتماعي «غير رسمي»

ويتابع المقال بأن المجلس يربط المجتمع بالدولة خلال الاجتماعات، ربطًا يتطرق أعضاؤه لمناقشة عرض زواج أو الحاجة لإصلاح مصدر رئيسي للمياه، كما تسعى العائلات والأعيان إلى حل النزاعات القضائية المحتملة خلال تلك الاجتماعات، والأهم من ذلك، أنهم يتعهدون بالولاء للأمير مقابل زيارات منظمة من جانبه، أو من جانب ممثليه.

يوضح المقال أن المشاورات التي تُجرى داخل أروقة المجلس تجعله صمام أمان فريد من نوعه، ومكانًا يحدث فيه تبادل المعلومات والاستماع للمظالم، كما أن ما تُجرى مناقشته بسرعة يشق طريقه إلى الديوان أو مجلس المستشارين والأمناء التابع للأمير، والذي يستقر على قمة هذه الشبكة من المجالس غير الرسمية.

يميل المواطنون إلى تقييم المجلس بصفته وسيلة للاستماع لأصواتهم، مع تجنب الإحراج الذي قد ينجم عن مناقشة علنية للقضايا الحساسة التي تتورط بها قبائلهم، أما الحكام من جانبهم يدركون قيمة المجلس وسيلةً لدعم هياكل السلطة التقليدية.

المجلس ودوره في الحياة السياسية

يشير المقال إلى أنه رغم حظر معظم التجمعات والجمعيات العامة في دول الخليج، فإن نظام المجلس ينشط بدعم حكومي فعَال.

وقد رعى حاكم إمارة الشارقة مؤخرًا إنشاء غرف مجلس جديدة لاستيعاب العدد المتزايد من السكان المحليين.

Embed from Getty Images

اختارت دول أخرى مثل الكويت، الوسيلة الأكثر رسمية للانتخابات لاختيار هيئة من ممثلي الشعب. لكن بدلًا من تقويض المجالس القبلية، عززت الانتخابات في الكويت نفوذ هذه المجالس.

ونظرًا إلى أن المجالس القبلية مستثناة من الحظر القانوني على التجمعات التي تضم أكثر من 20 شخصًا، فقد أصبحت مكانًا اعتياديًّا للحملات السياسية، إذ يحضر الساسة اجتماعات مختلف القبائل سعيًا للحصول على دعمها.

رغم ذلك، فإن المجلس ليس مؤسسة ديمقراطية رسمية، كما أنه غير محصن ضد التغيرات في السياسة والمجتمع، ونظرًا إلى أن الطابع الرسمي قد أصبح غالبًا بشكل أكبر على دول الخليج خلال العقود الأخيرة، فإن نمط المجالس فقد بعضًا من فعاليته.

في الوقت الحالي، توجد صلات الأهل والأقارب جنبًا إلى جنب مع حكومات على الطراز الغربي، إضافة إلى دافعي الضرائب وسلطة القطاع الخاص، لذا وفي مواجهة هذه التحولات، تواجه المجالس غير الرسمية التي تقوم على أساس الانتماء القبلي، خطر الفناء.

المجالس في مواجهة المؤسسات الرسمية

لم يحدث كثير من التغيير بعد، فدول الخليج ما تزال تعمل إلى حدٍ ما كقبائل لها أعلام، بمعنى أنها عبارة عن مجتمعات عشائرية تتخفى في رداء دول قومية.

ومع ذلك، يبدو أن قادة المنطقة عازمون على إنشاء ما يمكن وصفه بـ«أعلام لها قبائل»، أي مجتمعات وحدوية تكون للمواطنة خلالها الأولوية على الانتماء القبلي.

تسلط المؤسسات العامة الجديدة التي ترعاها الدولة، مثل المتحف الوطني الذي افتُتح مؤخرًا ومتحف اللوفر في أبوظبي، الضوء على التراث القبلي، لكن يبدو أنها مخصصة لغرس هوية وطنية واحدة موحدة للمواطنين، لكن في الإمارة غير الديمقراطية، غالبًا ما يصبح هذا الإحساس بالهوية الوطنية مرادفًا للولاء للأمير وقبيلة الأمير.

مستقبل حكام منطقة الخليج

لقد سمح النموذج الاجتماعي القديم، الذي يقوم على أساس الهويات القبلية المتعددة، بقدر من تقاسم السلطة عبر المجلس، لكن أسس ذلك النظام تتآكل الآن دون وجود إجراء بديل شامل يلوح، يمكن تحقيقه على أرض الواقع.

كما أن الجامعات والنوادي والأماكن العامة التي تنتشر في جميع أنحاء المنطقة، تخضع لرعاية العائلات الحاكمة، وتكون في بعض الأحيان أقل وصولًا للقبائل غير الملكية عن المجلس.

ويختم الكاتب بالقول: يعتمد مستقبل ملوك الخليج على قدرتهم على الحفاظ على شرعيتهم من خلال الوسائل التقليدية للتشاور، سواء للأفضل أو الأسوأ. أولئك الحكام الذين يحاولون الانفصال عن هذا النموذج دون تقديم بديل عملي – مثل الإصلاحات الديمقراطية الحقيقية– يضرون بأنفسهم.

هل قد تنهار دول الخليج؟ تاريخ «ملوك الطوائف» يُشبههم كثيرًا

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد