فاز مؤخرًا، وزير الخارجية البريطاني السابق، بوريس جونسون، بزعامة «حزب المحافظين» البريطاني، ليصبح رئيس الوزراء البريطاني الجديد خلفًا لتيريزا ماي. ولكن جونسون سيواجه المشكلات نفسها التي واجهتها ماي: برلمان معلق، ومأزق بريكست، وبلد منقسم.

في هذا المقال، المنشور بصحيفة «الجارديان» البريطانية، يكشف جوناثان باول، كبير موظفي توني بلير، رئيس الوزراء البريطاني السابق، بين عامي 1995 و2007، وكبير مفاوضي الحكومة في أيرلندا الشمالية، عن استراتيجية جونسون بخصوص خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وأسباب قد تؤدي إلى فشلها.

أوضح باول أن رئيس الوزراء البريطاني الجديد يصر على أن الطموح الأعمى، بحد وصفه، سيكفيه. وأنه في حال آمنا بالقدر الكافي، على غرار بيتر بان، فسوف يتحقق الحلم. ويمكن أن نتوصل إلى اتفاق خروج جديد مع الاتحاد الأوروبي خلال 99 يومًا بدون الحاجز الأيرلندي «غير الديمقراطي» لأنه يأمل في ذلك.

لكن هذا الوهم الخيالي على وشك أن يخضع لاختبار على يد الواقع المرير، حين يذهب بوريس جونسون للقاء زملائه الأوروبيين. فضلًا عن أن أولى خطواته أتت بنتيجة عكسية. وحين حوّل رفض الحاجز الحدودي الأيرلندي إلى شرط مسبق لإجراء المحادثات؛ رفض مفاوض الاتحاد الأوروبي ميشيل بارنييه الخطوة على الفور. والآن سيتعين على جونسون التراجع لمجرد الحصول على اجتماع.

لكن استراتيجية رئيس الوزراء البريطاني تظل واضحةً من وجهة نظر باول: إذ سيمزج بين التهديدات العلنية، والسحر الخاص. وسيثير خوف أوروبا أولًا عن طريق إعطاء انطباع بأنه يندفع سريعًا نحو خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست) دون عقد اتفاق. ولا شك أنه عين الفريق المناسب لإثارة الخوف: دومينيك راب، ومايكل جوف، ودومينيك كامينجز. لكن زعماء الاتحاد الأوروبي شاهدوا فيلم «بريكست: الحرب غير المدنية- Brexit: The Uncivil War»، على غرارنا جميعًا. ويأمل بعد ذلك في أن يذوب أولئك الزعماء في مواجهة سحره الشخصي حين يزورهم.

ذكر باول أنه قضى 10 سنوات في التفاوض مع زعماء الاتحاد الأوروبي بجانب توني بلير، وهناك العديد من الأسباب التي تدفعه للاعتقاد بأن استراتيجية جونسون لن تنجح.

الخدمة المدنية

أولًا، الخدمة المدنية. لا توجد استمرارية في الرتب القيادية التي تعمل على بريكست. إذ أجبر كبير المفاوضين البريطاني، أولي روبنز، على الاستقالة، في حين تمسك وزير شؤون مجلس الوزراء بمنصبه بشق الأنفس. وعين جونسون مجموعةً من المستشارين الخاصين المؤيدين لبريكست، لكنهم لا يستطيعون تنسيق الأمور في وايت هول، أو السفر إلى بروكسل للتفاوض بحسب باول.

ويرى باول أن السؤال الأهم من ذلك هو: من الذي سيعد مذكرات صادقة لرئيس الوزراء، في مواجهة الحملة المناهضة للخدمة المدنية؟ إذ إنه من واجب موظفي الخدمة المدنية أن يخبروا السلطة بالحقيقة، ولكن من سيلوم أولئك الموظفين في حال قرروا الاكتفاء بالصمت في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها حياتهم المهنية؟ سيدخل جونسون تلك المحادثات بدون خريطة واقعية لحقول الألغام، وبدون مستشار خبير إلى جانبه.

جونسون والمستشارة الألمانية

وثانيًا، رجح باول أن يخفت سحر جونسون الذي كان يؤتي ثماره مع الشابات النساء والرؤساء الغاضبين، حين يدخل غرفةً واحدة مع نظرائه؛ إذ إنه لا يثق مطلقًا في نظرائه الأوروبيين، وليس له حلفاء.

وأوضحت بروكسل أن عليه زيارة العواصم الأوروبية أولًا، بحسب المقال، حتى يتجرد من حماسته غير المنطقية. وحين يزور مكتب أنجيلا ميركل في المستشارية الاتحادية الألمانية اللامعة ببرلين؛ ستستمع بأدب إلى ما سيقوله بحثًا عن شيء جديد، أو أي علامة على وجود مساحة تسمح له بالتخلي عن الوعود غير الحكيمة التي تعهد بها لأعضاء حزبه من أجل أن ينتخبوه.

وستحاول إيجاد طريقة لتجنب بريكست دون عقد اتفاق، وستقترح حلولًا لتخفيف الحاجز، لكنها لن تتخلى عن الأمر تمامًا. وسيكون ليو فرادكار على القدر نفسه من الأدب في دبلن، لكن سحر جونسون لن يستطيع إقناعه بالتخلي عن الحاجز مهما بلغ حجمه. وقد أوضح بالفعل أن «ثقة جونسون وحماسته لن تكونا بديلًا للسياسة الأوروبية» من وجهة نظره.

Embed from Getty Images

منطق رئيس الوزراء البريطاني

وثالثًا، تظهر مشكلة المنطق، التي لا تخضع للسحر وفقًا لباول. إذ اتفق على الحاجز لأنه في حال مغادرة بريطانيا للاتحاد الأوروبي؛ يجب أن تكون هناك حدود واضحة مع أيرلندا. ولا تهم هوية من سيبني ذلك الحاجز، فإما أن تبنيه المملكة المتحدة أو يبنيه الأيرلنديون. ويمكن للتكنولوجيا أن تتيح للشاحنات عبور الحدود بسرعة أكبر، ولكن المشكلة لا تكمن هنا؛ إذ إن المشكلة هي الهوية، بحسب رأي باول، وهي تعد أساس اتفاق الجمعة العظيمة (بلفاست)، والتي لن تحل بوجود حدود أسرع.

لكن باول يرى أن حيلة صفقة «الوضع الراهن»، إذ تتمتع بريطانيا بكافة مميزات السوق الموحدة، وهي ليست جزءًا منها -والتي روج لها جونسون خلال حملته الانتخابية- ولن تنطلي على أحد وستُرفض على الفور. إلى جانب أن أنجيلا ستشير إلى أن اتفاقية تجارة حرة على الطريقة الكندية التي يريدها ستتطلب العودة إلى الحاجز الأصلي، إذ تظل أيرلندا الشمالية جزءًا من السوق الموحدة والاتحاد الجمركي في الوقت ذاته، مع حدود في البحر الأيرلندي. علاوةً على أن ذلك يجب أن يكون دائمًا. لكن البريكست الصعب سيتطلب حدودًا صعبة، مما سيمثل نقمةً على «الحزب الديمقراطي الوحدوي» الذي يعتمد جونسون على دعمه.

وجه رئيس الوزراء البريطاني الجديد انتقادات مسرحية، بحسب وصف باول، لنهج تيريزا ماي في التعامل مع بريكست، لكن يبدو وكأنه يكرر الأخطاء نفسها، وفقًا لباول. إذ أطلق سلسلةً متضاربة من الوعود لمختلف الناس، وأصبحت خدعته على وشك أن تكشف. وبمجرد أن يدخل غرفةً واحدة مع ساسة جادين، سيواجهونه بمنطق منصبه ولن تكون لديه إجابات. وحسبما قال باول، ربما يجدي مزيج التبجح والهراء نفعًا في المجال العام، لكنه سيفقد كل بريقه داخل المكتب الهادئ الواسع في الطابق الثالث من المستشارية الاتحادية الألمانية.

وحين يعود جونسون بخفي حنين من جولته الأوروبية، سيجد نفسه أمام خيارين؛ نظرًا إلى افتقاره إلى أغلبية برلمانية تؤيد بريكست دون عقد اتفاق. فإما أن يلجأ إلى انتخابات عامة، وإما إجراء استفتاء. وربما يكون الخيار الثاني هو الخيار الصحيح بالنسبة للبلاد، ولكن باول رجح أنه سيلجأ إلى الخيار الأول.

وستكشف له استطلاعات الرأي أن بإمكانه الفوز بأغلبية ساحقة في انتخابات «الفوز للأكثر أصواتًا» بالتفاهم الانتخابي مع نايجيل فاراج -وإن كان تفاهمًا غير رسمي- في ظل انخفاض أصوات «حزب العمال» إلى 20% وتساويه مع حزب «الديمقراطيين الأحرار». وسيدرك أنه في حال الانتظار لفترة أطول حتى انتخابات العام القادم، فسيكون الركود الاقتصادي قد أثر في الناس بالفعل.

وبالنسبة لأولئك الذين يجدون صعوبةً في قبول فكرة البقاء لخمس سنوات في ظل حكومة جونسون- فاراج، وأصعب أشكال بريكست، يقترح باول أن الحل الوحيد الممكن لإيقاف الأمر هو تحالف من القوى التقدمية، بدءًا من أعضاء «حزب المحافظين» المعتدلين المحبطين، ووصولًا إلى أعضاء حزب «الديمقراطيين الأحرار» المعتدلين والناقمين على الأوضاع وغيرهم. ويجب على ذلك التحالف، في رأي باول، أن يترشح من منصة مشتركة بهدف تشكيل حكومة وحدة وطنية.

بوريس جونسون.. ماذا ينتظر العالم بعد وصول «ترامب البريطاني» إلى رئاسة الوزراء؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات