تحليل:

  • ستواصل بكين التدخل لدعم السوق وكسب ثقة المستثمرين ما دام ذلك ممكنًا.
  • من المرجح أن انهيار سوق البورصة سيؤدّي إلى زيادة الودائع في الحسابات المصرفية العادية.
  • هذا من شأنه أن يجبر بكين على الاعتماد بشكل أكبر على البنوك لدعم النمو الاقتصادي والضغط على الصين من أجل الإسراع في التحرير المالي كوسيلة لتنمية الاستهلاك المنزلي.

تراجع مؤشر شنغهاي 6% في 3 يوليو، مما يجعله متراجعا بحوالي 28% منذ 12 يونيو عندما بلغت أسواق البورصة ذروتها في الصين. جاء هذا التراجع بالرغم من بذل الحكومة جهودًا مكثفة لتحقيق استقرار في الأسعار وإعادة ثقة المستثمرين. تضمنت المحاولات التي قامت بها بكين خفض معدلات الفائدة وخفض نِسَب الاحتياطي النقدي وتخفيف القيود المفروضة على المستثمرين للحصول على قروض، بالإضافة لخفض التحركات العلنية مثل التدخل المباشر لدعم السوق من خلال عمليات شراء –مدعومة حكوميًا- للأسهم الرئيسية. يوم الجمعة، أعلن منظم الأوراق المالية أنها ستتحرى عن أي محاولات محتملة للتلاعب في السوق، يأتي ذلك كمحاولة صريحة لكسب ثقة المستثمرين في القدرات الرقابية.

في الأيام والأسابيع المقبلة، لن تستسلم بكين للتراجع الطبيعي الذي حوّل الازدهار التي حققته العام الماضي إلى شيء أشبه “بالفقاعة”. بدلًا من ذلك، سوف تستمر بكين في العمل، سرًا وعلنًا، لمنع حدوث انهيار كليّ في الأسعار، وأيضًا من أجل إعادة كسب ثقة المستثمرين، وذلك من خلال التحقيقات مثل التي أُعلِن عنها مؤخرًا. يظل السؤال قائمًا عن سبب اضطرار بكين دائمًا للقيام ببعض التدخلات، وخصوصًا أن أي تدخل من الممكن أن يشكل خطرًا يؤدي إلى تفاقم التداعيات المالية والسياسة مما قد يؤدي في النهاية إلى انخفاض أو تعطل كلي في السوق. الإجابة عن هذا السؤال تكمن في فهم تأثير البورصة على الاقتصاد الصيني، وعلى الأولويات السياسية في بكين، وفي فهم الآثار المحتملة لانهيار سوق البورصة على كل منهما.

تشجيع الحكومة لزيادة الاستهلاك

الهدف الأساسي لسياسة الحكومة الصينية (برنامجها للإصلاح الاقتصادي وإعادة التوازن) هو إنشاء قاعدة استهلاكية محلية مستقرة، قادرة على الاستمرار، أقل تأثرًا بتقلبات الطلب الخارجي، وتكون قادرة على دعم النمو الاقتصادي على مستوى البلاد. للقيام بذلك، يتطلب الأمر زيادة في متوسط الدخل بحيث يصل إلى المستوى الذي تكون فيه المشتريات غير الضرورية في متناول الناس العاديين. بالإضافة إلى ذلك، تحتاج الصين إلى أن تغرس في مواطنيها الشعور بالأمن ماليًا بشكل يكفي لإقناعهم بإنفاق دخلهم بدلًا من إدّخاره.

حتى وقت قريب، كانت الصين تعتبر بلدا فقيرة. أسست الصين نموذجًا للنمو الاقتصادي بعد عام 1978 حيث كانت صادراتها منخفضة التكلفة، وكانت الدولة تستثمر في بناء البنية التحتية، واستلزم تأسيس هذا النموذج سياستين. أولهما: الخفض الممنهج في أجور الصناعة من أجل الحفاظ على القدرة التنافسية للصادرات، وثانيهما خفض أسعار الفائدة على ودائع المدخرات مما تكفَّل بتمويل القطاع البنكي المملوك للدولة والذي كان مسئولًا عن غالبية التطويرات في البنية التحتية التي مُوِّلت من قبل البنوك التابعة للدولة. هذه العوامل توضح أن الاستهلاك المنزلي منخفض جدًا مقارنة بالعناصر الأخرى في الاقتصاد الصيني، ومقارنة بمعدلات الاستهلاك في الدول الأخرى.

بالنسبة لقادة الصين، كان السؤال الرئيسي على مدار العقدين الماضيين هو كيفية زيادة الاستهلاك المنزلي دون الإخلال بنظام الصادرات منخفضة التكلفة أو نموذج النمو الاقتصادي الذي تديره الحكومة. يتطلب القيام بذلك إنشاء سبل للاستثمار تمكِّن المواطنين العاديين من تحقيق عوائد من مدخراتهم، وفي نفس الوقت لا يتم توجيه هذه المدخرات بعيدًا عن الصادرات وأعمال البناء المحلية. ولكن السماح للمواطنين الصينيين العاديين باستثمار مدخراتهم خارج البلاد، ليس خيارًا متاحًا، لأن التدفق الحر لرؤوس الأموال داخل وخارج الصين سيقيِّد قدرة الحكومة على التحكم في قيمة اليوان، بالإضافة إلى أنَّ الحكومة تريد توجيه تلك المدخرات للاستثمار في الاقتصاد المحلي. ومن هذا المنطلق، استقر قادة الصين في بداية تسعينيات القرن الماضي على نهجين هما: الأسواق التجارية للعقارات، وأسواق البورصة، كِلا الخيارين سيعطي للمواطنين العاديين فرصًا جديدة لاستثمار مدخراتهم وجني العائد منها، بينما يتم توجيه هذه المدخرات إلى الصناعات والقطاعات الرئيسية في الوقت ذاته والتي تتمتع بتمثيل كبير في البورصة الصينية، بما في ذلك الإسكان والقطاعات التابعة للدولة وإنشاء البِنية التحتية.

ازدهار السوق العقاري

في العشرين سنة الماضية، أصبحت تجارة العقارات القطاع الأكبر من حيث استثمار المواطنين الصينيين العاديين لمدخراتهم، حيث شكلت تجارة العقارات والصناعات المتعلقة بها أكبر عنصر في الاقتصاد الصيني، بينما لعبت البورصة دورًا ثانويًا وكانت غير مستقرة. مع ازدياد مبيعات العقارات وزيادة الأسعار، أصبحت العقارات فرصة استثمارية لا مثيل لها، بالإضافة إلى أنها مدعومة بقوة من جانب الحكومة الصينية. بعد الأزمة الاقتصادية العالمية التي حدثت في عامي 2008-2009 والتي قضت على قطاع التصدير منخفض التكلفة، ازدادت أهمية الصناعات المتعلقة بالبناء كوسيلة لزيادة العمالة والاستقرار الاجتماعي والسياسي. أما أسواق البورصة في الصين فقد هبطت بشكل كبير بسبب بعض اللوائح، وبحلول عام 2009، أصبح المواطنون الصينيون يرون أن الاستثمار في البورصة أشبه باللعب في اليانصيب.

بالإضافة إلى أن الاستثمار العقاريّ أصبح هو وسيلة المواطنين العاديين لزيادة ثروتهم،وأصبح وسيلة مهمة أيضًا لدعم جهود الحكومة لتحفيز الاستهلاك المحلّي. هذا يفسر –ولو جزئيًا- تردد الحكومة في تطبيق سياسات تقوم بزيادة الاستهلاك المحلي ولكن على المدى الطويل. أما على المدى القريب، فسياسات مثل تحرير سعر الفائدة على الودائع سوف ترفع من قيمة الشركات المملوكة للدولة، والمسئولة بشكل كبير عن الإنشاء العقاري.

ولكن الآن، وبعد فترة من الازدهار، دخل قطاع الإسكان في الصين فترة من التراجع الذي طال أمده. بعدما أصبحت الاستثمارات المتعلقة بالسوق العقارية لا تقدم عوائد مثل التي كانت تقدمها في السابق، ومع تباطؤ الاقتصاد الصيني، يجب على بكين إيجاد وسائل جديدة لدعم الاستهلاك المحلّي. هذا الأمر بالغ الأهمية خصوصًا أن الصين لم تعد قادرة على الاعتماد على الصادرات منخفضة التكلفة أو على قطاع الإسكان. يجب على بكين أن تتوجه إلى الاستهلاك المنزلي الخاص والصناعات القائمة عليه باعتباره المحرك الأول للنمو الاقتصادي الوطني.

هذه هي الخلفية اللازمة لفهم الطفرة التي حدثت في البورصة الصينية على مدى الأشهر ال12 الماضية، كما أنها تساعد على تفسير سبب استمرار دعم الحكومة لسوق البورصة حتى بعد أن اتضح أن هذه السوق أشبه بالفقاعة، وحتى مع زيادة تأثير المستثمرين، إلى جانب المخاطر المالية التي ستَنتُج لو حدث انهيار في السوق. باختصار، حدوث انهيار في سوق البورصة في مناخ ما بين الركود والنمو السلبي، من شأنه أن يؤدي إلى انخفاض الاستهلاك المنزلي وانخفاض في الصناعات القائمة على ذلك.وتتفاقم المشكلة خاصةً في بيئة تفتقر إلى سبل استثمار حقيقية بديلة، وفي فترة من بطء النمو الاقتصادي، وبطء في زيادة الأجور، وارتفاع معدلات البطالة.

تزداد أهمية الاستهلاك الفردي يومًا بعد يوم، ليس لأجل الأهداف الإصلاحية بعيدة المدى فقط، بل للحفاظ على النمو الاقتصادي والعمالة، والاستقرار الاجتماعي والسياسي في المدى القريب. تسعى بكين لتجنب أيّة إجراءات تتعدى على الاستهلاك الخاص. لو انهارت أسواق البورصة غدًا، فإن الأثر المباشر لذلك سيكون ازدياد الودائع المصرفية المدعومة من الدولة لأن المستثمرين العاديين يضعون رؤوس أموالهم في المكان الذي يقدم عوائد آمنة حتى ولو كانت قليلة.

هذا ليس بالضرورة أمرًا سيئًا بالنسبة لبكين، فالقطاع المصرفي التابع للدولة سينتعش، وسيكون في موقف قوي لضخ الائتمان في الاقتصاد حسب الحاجة. وفي الوقت نفسه، سيؤدي ذلك إلى حدوث بعض التراجع في برنامج الإصلاح وإعادة التوازن، أي أنه سيؤدي إلى كبح الإسراف في الاستثمارات التي تديرها الدولة، وسيؤدي أيضًا إلى الحد من الاعتماد على قطاعات الدولة في التمويل، وسيطوِّر من قدرة البنوك على التعامل مع مثل هذه الأزمات. هذا يمكن أن يساعد في مكافحة سوء تخصيص رأس المال، والذي ظهر في كل حالة من الحالات السابقة من التوسع الائتماني الضخم المدعوم من الدولة. خلال العام الماضي، ازدادت أهمية البنوك كمصدر مهم لتمويل الشركات. ومع حدوث انهيار في سوق البورصة، فإن زيادة الإيداع في البنوك سوف يجبر بكين على الاتجاه مرة أخرى إلى القطاع المالي لدعم الاقتصاد. في جميع الاحتمالات، سيؤدي ذلك إلى تكرار حدوث مخاطر مثل التي تلت أزمة عام 2008.

بدلًا من ذلك، يمكن أن تحاول بكين إجبار البنوك على بقاء الزيادة في الادخار بدلًا من الزيادة في الإقراض. يمكن أن يحدث ذلك واقعيًا عن طريق رفع أسعار الفائدة على الودائع. ومن شأن هذه الخطوة شبه المؤكدة أن تثير أزمة في اقتصاد البلاد، إذ أن القطاع المملوك للدولة ينهار، حيث يعاني من انخفاض الأرباح والحاجة لسداد تكاليف الديون الضخمة، بينما سيكون ذلك في صالح المواطنين العاديين الذين يُبقُون أموالهم في ودائع الادخار. اتخاذ إجراءات مثل إعادة هيكلة الصناعة الصينية بشكل كامل، قد يؤدي إلى تعجيل كبير في خطط الحكومة المركزية الإصلاحية طويلة المدى. ولا يزال مشكوكًا في مدى قدرة حكومة الحزب الشيوعي على البقاء في وجود مثل هذه الأزمة. على أية حال، من غير المرجح أن تقوم بكين برفع أسعار الفائدة، لأن ذلك سيؤدي إلى إضعاف أمن الدولة في المدى القريب.

الاختيار الصعب

اللغز الأساسي الذي يواجه قادة الصين، هو تحديد إذا ما كانوا سيحافظون على ازدهار سوق البورصة أم لا، وإلى متى. تمنع الصين إزالة القيود التي وضعتها على الاستثمار الخارجي ، كما تمنع الزيادة الحادة في أسعار فوائد الودائع، حيث تفتقر الصين لإيجاد حلول فعالة للمواطنين لتكوين ثروة من قطاعات غير استثمارات العقارات أو البورصة. أخذ سوق العقارات في التباطؤ إثر سنوات من زيادة المعروض. لم يعد ممكنًا إعطاء عوائد عالية مثل السابق. لو حدث انخفاض في البورصة، فليس هناك حل واضح يمكن للناس العاديين الاعتماد عليه ليحصلوا على العوائد. إن الأثر المترتب على انخفاض سوق البورصة على المستهلك الفردي سيؤدي إلى تفاقم الآثار على ميزانيات الشركات وعلى الاستثمار، ومن ثَمّ على فرص العمل والنمو الاقتصادي.

خلاصة القول أنّه من مصلحة الصين ضمان عدم انهيار سوق البورصة. لذا، فمن المرجح أن تستمر الحكومة في التدخل بكل قوتها لدعم الأسواق ولزيادة ثقة المستثمرين وخاصة في أوقات عمليات البيع المكثفة. هذا لا يعني أن السوق سيستقر، فمن الممكن أن يصبح أكثر تقلبًا خلال الأشهر المقبلة، وهذا يؤكد حقيقة أنّه حتى تقوم بكين بإيجاد المزيد من السبل للاستثمار، أو إذا لم ترفع أسعار الفائدة أو تقوم بإعادة هيكلة، سوف تضطر إلى الاعتماد على وسائل محدودة لتضمن للمواطنين إمكانية تكوين الثروة والأمن المالي الذين يحتاجهم المواطنون من أجل الإنفاق. أهداف بكين للإصلاح بالإضافة إلى القدرة على إدارة الركود في السوق الصيني، تعتمد كلها على ذلك.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد