من حظائر مغطاة للدعارة في ألمانيا، إلى مراكز مجتمعية للعمال الجنسيين في نيوزيلندا، هذه بعض المدن التي أدخلت الدعارة في خطط التطوير الحضري.

تنتشر الدعارة في كل مدن العالم تقريبًا بلا استثناء، وأصبحت بعص الأماكن تشتهر بهذه المهنة أكثر من غيرها، فشرعت في تشييد «بنيةٍ تحتية جنسية» لمواكبة تطوُّر هذه الصناعة.

وكتب نيت بيرج، الصحافي الحر المُقيم في لوس أنجلوس، والمهتم بتطوُّر المدن، مقالًا نُشر في صحيفة «الجارديان» البريطانية، حول أوجه تطور تلك البنية التحتية، وأسبابها في أربع مدن حول العالم.

استهل بيرج مقاله بقصة نيكول شولز، التي كانت تبلغ من العمر 24 عامًا، ومدينةً بقرابة الـ40 ألف يورو (44.6 ألف دولار تقريبًا)، وحينها قرَّرت أن تصير بائعة هوى.

كان ذلك في عام 2004، حين كانت تعيش في مدينة كولونيا الألمانية، وكانت الدعارة قد قُنِّنَت في كافة أرجاء ألمانيا قبل عامين فقط، وميَّزت مدينة كولونيا نفسها سريعًا: إذ جعلت العمل في مجال الجنس جزءًا كبيرًا من سياستها الحضرية.

«مهووسون بالجنس وليست لديهم قيود».. أوهام العرب عن الجنس في الغرب

ماخورٌ للسيارات في كولونيا

وبالنسبة للعاملات مثل نيكول، فقد أسفر ذلك عن مجموعةٍ فريدةٍ من الشروط بحسب المقال، إذ أدركت المدينة أنَّ العمل في مجال الجنس يتطلَّب مساحةً آمنةً ونظيفة، وتقرَّر أنَّ العمل في مجال الجنس سيكون مسموحًا به في أجزاءٍ بعينها من المدينة، ومن أجل تشجيع العاملات الجنسيات وزبائنهن على الامتثال لتلك القوانين؛ شيَّدت المدينة منشأةً مُخصَّصةً للجنس في إحدى المناطق المسموح بها داخل المدينة.

وبموقعها على أطراف المدينة، تحوَّلت المنشأة إلى بيت دعارةٍ للسيارات. إذ يقود الزبائن سيارتهم في شارعٍ باتجاهٍ واحد، إلى فضاءٍ مفتوحٍ تقريبًا على مساحة فدانين، حيث تعرض العاملات الجنسيات خدماتهن. وبمجرد الاتفاق، تُرافق العاملة الجنسية العميل إلى كشك انتظار سيارات شبه مُغلق.

ولأغراض السلامة، يسمح كل كشكٍ للعاملات الجنسية بالفرار بسهولةٍ عند الحاجة – إذ إنَّ الكُشك مُصمَّمٌ للحيلولة دون فتح باب السائق، ولكن يُمكن فتح باب الراكب- إلى جانب وجود زرٍ للطوارئ من أجل طلب النجدة.

ويوجد الأخصائيون الاجتماعيون في الموقع لتوفير مساحةٍ للراحة، والحفاظ على الدفء، والوصول إلى الخدمات، بحسب مقال «الجارديان».

وقالت نيكول إنَّها مُؤمنةٌ بأنَّ المنشأة تعمل بشكلٍ جيد. وأضافت: «أعتقد أنَّ كل مدينةٍ بحاجةٍ إلى مساحةٍ آمنة لتمارس العاملات الجنسيات عملهن، وتحصلن على الراحة. كل مدينةٍ بحاجةٍ إلى ذلك، لأنَّ الدعارة موجودةٌ في كل مدينة».

وانتشر الموقف القائل بأنَّ العمل في مجال الجنس يجب أن يكون آمنًا ومُنتشرًا في كافة أرجاء المدينة، بحسب بيرج، طالما أنَّه لا مفر من الدعارة. وأضافت نيكول، التي تعمل الآن مرشدة داخل جمعيةٍ مهنية للعاملات في مجال الجنس داخل ألمانيا: «حتى الأحياء التي تقف داخلها النساء في الشوارع؛ ستجد مراحيض وحمامات، ومناطق لزيارتها إذا كنتِ في حاجةٍ إلى المساعدة».

حلولٌ مُقترحة في برلين

ذكر المقال أنَّ الفكرة بدأت تنتشر ببطء؛ ففي برلين، يدرس المسؤولون مُقترحًا بتنصيب منشآت على طراز منشأة كولونيا للعاملات الجنسيات وزبائنهن، داخل ما يُعرف الآن بـ«حي الضوء الأحمر» الرئيسي في المدينة، جنوب مُنتزه تيرجارتن.

إذ قال ستيفان فون داسل، عمدة حي ميته، إنَّ المسألة نابعةٌ من الضرورة، وطوال سنوات، كافح داسل للموازنة بين حقوق العاملات الجنسيات في الشارع، وبين رغبات المُجتمع المُحيط بهم.

Embed from Getty Images

إذ تذمَّر السُكَّان باستمرارٍ من الناس الذين يُمارسون الجنس في الحدائق العامة، والأوقية الذكرية المُلقاة على الأرصفة، والعاملات الجنسيات اللاتي تتسلَّلن بين الشجيرات الصغيرة. وقال: «يأتيني أشخاصٌ من الحي ويقولون: كيف يُمكنك أن تقبل ذلك؟ يجب أن تفعل شيئًا».

وأحد الحلول المُقترحة، والذي من المُنتظر مُناقشته أمام البرلمان الخريف المُقبل، هو بناء أكشاكٍ حيث يُمكن للعاملات الجنسيات لقاء زبائنهن بحسب «الجارديان».

لكن داسل قلقٌ من أنَّ ذلك سيؤدي إلى مزيدٍ من النشاط في المساحات العامة. ويُريد من المدينة أن تأخذ في اعتبارها القضايا الأوسع نطاقًا التي تُحيط بالعمل في مجال الجنس، مثل الاتجار بالبشر، وتعاطي المخدرات، والعنف.

وطُرِحت بعض التساؤلات حيال تلك الأكشاك، مثل: «هل هي مُجرُّد إضافةٍ إلى البنية التحتية الجنسية بالمدينة؟ أم – وهذا ما أتمناه- هي فرصةٌ لفتح النقاش حول كل شيءٍ من جديد، من أجل مساعدة الحي في حل الكثير من المشكلات؟».

«حي الأضواء الحمراء» في أمستردام

في أمستردام، التي تُعَدُّ موطنًا لأشهر حي أضواءٍ حمراء في العالم، أعلنت فيمكي هالسيما – أول امرأةً تتولَّى منصب عمدة المدينة- خطةً لإعادة التفكير في طريقة احتضان المدينة للعمل في مجال الجنس.

واقترحت أربعة سيناريوهات جديدة، بحسب مقال بيرج في «الجارديان»: وضع ستائر مُغلقة على الـ330 نافذة عرض مُرخصة في المدينة، أو تقليل عدد نوافذ العرض، أو نقل العمل في مجال الجنس إلى أطراف المدينة، أو فتح المزيد من نوافذ العرض.

وذكر المقال أن أمستردام تُعاني مشكلةً أخرى: فإلى جانب الازدحام والجريمة والإزعاج العام، تتعرَّض العاملات الجنسيات في نوافذ العرض بشكلٍ متزايد لنظرات الحشود التي تحمل كاميرات الهواتف الذكية. إذ قال سيباستيان مايير، المُتحدِّث الرسمي باسم فيمكي: «تحوَّل الأمر إلى حدثٍ سياحي».

وعقدت المدينة مُؤخرًا اجتماعين عامين من أجل الاستماع إلى المخاوف المحلية، بحسب المقال. وحضر الاجتماعين حشود كبيرة من العاملات الجنسيات، وكانت هناك هتافاتٌ رنَّانة تأييدًا للسيناريو الرابع الذي اقترحته العمدة، بإضافة المزيد من نوافذ العرض. وأوضح مايير: «لقد رفعوا لافتات تحمل جملة «الخيار رقم 4».

وأفاد بيرج أن السيناريوهات ستُناقش أمام مجلس المدينة بمشاركةٍ عامة من السكان، والعاملات الجنسيات، وأصحاب الأعمال؛ قبل إجراء تصويتٍ في المجلس حول الخيار المُفضَّل في وقتٍ لاحقٍ من العام الجاري. وقال مايير: «ربما نُصوِّت لصالح خيارٍ خامس لم نتوصَّل إليه بعد».

وتُشكِّك بعض العاملات الجنسيات حتى الآن في أنَّ تلك الجهود الجديدة، لتحسين البنية التحتية العامة، تأخُذ حاجاتهن بعين الاعتبار.

Embed from Getty Images

إذ قال لوكا ستيفينسون، من «اللجنة الدولية لحقوق العاملات الجنسيات في أوروبا»، التي تُمثِّل 100 جماعة للعاملات الجنسيات في 30 دولة: «المُبرِّر الآن هو عدم حصول العاملات الجنسيات على احترامٍ كافٍ من السيُّاح. وقبل ذلك، كان الأمر يتعلَّق بالاتجار بالبشر. وعادةً ما ينتهي المطاف بتلك المبادرات إلى تحديد المساحات المُتاحة أمام العاملات الجنسيات داخل المدينة. وأعتقد أنَّ هناك الكثير من النفاق في هذا الأمر».

وأضاف أنَّه حتى في المدن والبلدان التي تُعد الدعارة مُقنَّنةً فيها؛ تُسفِرُ تلك المُقترحات عادةً عن تجريم العمل في مجال الجنس. وأردف: «أعتقد أنَّ المُدن والحكومات يجب أن تنظر إلى احتياجات العاملات الجنسيات بوصفها أولوية، بدلًا من التركيز على الإزعاج المُحتمل».

أكشاك الدعارة في نيوزيلندا

ويضرب البعض مثالًا بنموذج نيوزيلندا، إذ أُلغِيَ تجريم الدعارة عام 2003 بحسب مقال بيرج. وكاثرين هيلي هي المُنسِّقة الوطنية لـ«جمعية بائعات الهوى النيوزيلندية»، وهي جماعة دعمٍ تأسَّست أواخر الثمانينيات.

وقالت إنَّ المُنظَّمات التي تُمثِّل العاملات الجنسيات، تجلس دائمًا على طاولة المُفاوضات عند دراسة السياسات الجديدة. وأضافت: «من النادر بالنسبة لنا ألا نكون أول من يجري التواصل معه، أو من الأوائل على الأقل، في حال طرأ أمرٌ له علاقةٌ بالعمل في مجال الجنس».

وساعد ذلك جمعيتها في تيسير فتح مراكز مُجتمعية للعاملات الجنسيات، بالقرب من المناطق التي تشهد دعارة الشارع بشكلٍ مُنتظم وفقًا للمقال. وتُدير الجمعية الآن خمسة مراكز تُوفِّر خدمات الحمامات، والطعام، والمعلومات، والصحة الجنسية، وأماكن للراحة، وأوضحت كاثرين: «لم تكُن تلك الأمور موجودةً حين كُنت فتاةً صغيرة، هذا أمرٌ مُؤكَّد. ومن المُهم للغاية أن يرجع المسؤولون إلى المنظمات التي تقودها العاملات الجنسيات في هذا الصدد. وعادةً ما تكون هذه هي أكثر الطرق فاعليةً لتوصيل الخدمات إلى العاملات الجنسيات، لأنَّ تلك المنظمات مُطَّلعةٌ لدرجةٍ حميمية على ما تحتاجه العاملات الجنسيات»

وقالت كاثرين إنَّ النظام ليس مثاليًّا، لكن نيوزيلندا تحوَّلت تدريجيًّا إلى مكانٍ حيث صارت احتياجات العاملات الجنسيات والمساحات التي يستخدمنها مواضيع مفتوحة للنقاش، بحسب «الجارديان». واختتمت قائلةً: «إنَّه لمن دواعي سرورنا أن نتمتَّع بهذا النوع من التواصل، ووسيلةٍ فعَّالة للعمل معًا».

الجنس يتراجع حول العالم.. لماذا يمارس جيل الألفية الجنس بمعدلات أقل؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات