998

قال جوشوا باسبي في مقال له في مجلة «فورين أفيرز»: إن العالم قد يشهد عما قريب حربًا كارثية، مع تعدد الأزمات وتفاقمها في كافة أركان المعمورة، وانتشار الديكتاتوريات المتوحشة، وفشل محاولات التعافي من الأزمات الاقتصادية الحادة. كما يشتد التنافس بين القوى العظمى –لا سيما الولايات المتحدة والصين– لفرض الهيمنة على العالم، وأخيرًا مشكلة الاحتباس الحراري التي قد تكتب نهاية البشرية.

وأوضح باسبي أن التغير المناخي سيجبر دول العالم على تغيير سياساتها الاقتصادية، وإعادة تشكيل علاقاتها الدولية. إذ سيثبت التغير المناخي أنه مشكلة أخطر بكثير من أي تهديد آخر، وأن على دول العالم التحرك فورًا لتدارك الأمر.

تجاوزت نسبة تركيز ثاني أكسيد الكربون 410 جزيئات لكل مليون، وهي أعلى نسبة منذ مليون سنة تقريبًا. وارتفع متوسط درجة حرارة الأرض إلى 1.2 درجة مئوية، علمًا بأن أعلى معدل لزيادة درجة الحرارة –التي يؤكد العلماء أنه لا مفر من بلوغها خلال العشرين عامًا المقبلة– هو درجتان مئويتان، وعند تجاوزها ستحدث الكارثة.

ويؤكد باسبي أن العلماء لا يعرفون على وجه الدقة آثار ارتفاع معدل درجات الحرارة بمتوسط درجتين مئويتين. لكن المؤكد هو أن تجاوزها ستكون عواقبه كارثية. وسيؤدي فشل التعامل مع الانبعاثات إلى ارتفاع الحرارة، مما سيزيد من معدل حدوث الفيضانات إلى الضعف. وستصبح الكوارث الطبيعية –مثل الأمطار المدمرة التي ضربت هاواي أوائل هذا العام– أمرًا معتادًا.

بيد أن أخطر أثر للتغير المناخي هو الاضطرابات الاجتماعية والاقتصادية التي ستنتج منه، كما يكشف باسبي. فمع ارتفاع منسوب مياه البحار وموت الأراضي الزراعية ووقوع الفيضانات العنيفة، ستصبح بعض البلدان غير قابلة للعيش. وهو ما سيضع المجتمع الدولي أمام تحدٍ غير مسبوق.

ويؤكد باسبي أن على العالم اتخاذ تدابير استثنائية أمام هذا التهديد المحدق. فإذا نجح العالم في حل هذه المعضلة، فسيكون هذا عبر تضافر الجهود/ وإدخال تغييرات جذرية على توزيع السلطة. سيتعين على بكين وواشنطن –ودول أخرى ومنظمات حكومية وأهلية– التعاون معًا لمواجهة هذا الخطر.

الأمر ليس مجرد درجة حرارة

مع بداية الألفية الجديدة –يضيف باسبي– أصبح التغير المناخي شديد الوضوح. فمن بين أكثر 17 عامًا ارتفاعًا للحرارة، كانت 16 منها قد ظهر بعد 2001. شهد الشتاء الماضي ارتفاع درجة حرارة المحيط الهادي 25 درجة مئوية عن الطبيعي. وبات العالم في مرحلة من «النفور العالمي» مثلما تطلق عليها الخبيرة كاثرين هاي هو. وقد شهد العالم ظواهر غريبة في عدة أماكن، ربط العلماء بعضها بالتغير المناخي، لكن بقيت ظواهر أخرى بلا تفسير.

انبعاثات الكربون سبب رئيس للتغير المناخي

وبات خبراء الأرصاد الجوية يخطئون في توقعاتهم –يؤكد باسبي–؛ فعند توقع هطول الأمطار يحدث جفافًا شديدًا، مما زاد من حرائق الغابات في دول مثل الولايات المتحدة وأستراليا. أما هطول الأمطار فيحدث دفعة واحدة كما شهدنا مع إعصار هارفي. ومع ازدياد عنف الرياح ومنسوب البحار، أصبحت حركات المد والجزر مدمرة للبنى التحتية الساحلية، مثلما حدث في ميامي، مما تطلب تثبيت أنظمة صرف مياه العواصف التي تكلفت مئات الملايين من الدولارات.

ويتوقع العلماء أن يرتفع منسوب البحار بشدة؛ مما سيدمر الكثير من البلدان والجزر الصغيرة، ويلوث مياه الشرب فيها، وذلك بحلول عام 2050. وباتت الأعاصير والعواصف المدارية شاهدًا على ما يسببه التغير المناخي.

ويرى باسبي أن هذا الخطر المحدق سيدفع الدول الكبرى –مثل الصين وأمريكا– إلى تغيير سياساتها، حتى تحمي مليارات من البشر في كلتا الدولتين، فضلًا عن البنى التحتية العرضة للدمار بسبب التغير المناخي. ولسخرية القدر، فربما توظف الدولتان مواردهما العسكرية للمشاركة في الإنقاذ، وإعادة بناء المناطق المدمرة، مما سيشغلهما عن شن الحروب في الخارج.

وهو ما حدث بالفعل –يؤكد باسبي– إذ ضربت ثلاثة أعاصير الولايات المتحدة في 2017 ضربًا متتابعًا، فعجزت السلطات المدنية عن القيام بعمليات الإنقاذ بمفردها، فطلبت دعمًا فوريًّا من الحرس الوطني الأمريكي، إذ جرى الدفع بعشرات الآلاف من العناصر للقيام بعمليات الإنقاذ، وتوصيل المساعدات، والحفاظ على النظام. كان ألف شخص قد قُتلوا بسبب إعصار ماريا، وغرق 3.5 ملايين شخص في بورتوريكو في الظلام عدة أشهر. وقد تسببت الكارثة في نزوح 100 ألف إلى الولايات المتحدة. ووصلت خسائر الولايات المتحدة بسبب هذه الأعاصير إلى 300 مليار دولار.

والوضع في الصين ليس أفضل كثيرًا، يستدرك باسبي. فسواحلها الجنوبية –التي تضم مدنًا عملاقة– عرضة للفيضانات. وفي المناطق الصناعية شمالي البلاد، تقطع المياه عن العديد من المناطق، مما يؤثر في أكثر من نصف مليار شخص. وعلى مدى ربع القرن الأخير، اختفى حوالي 28 ألف من الأنهار الصينية. وحل هذه المشاكل باهظ جدًا. إذ كلف مشروع البنية التحتية الطموح الوحيد لنقل المياه من الجنوب إلى الشمال بالفعل الحكومة الصينية ما لا يقل عن 48 مليار دولار. ومع أنه لم يكتمل بعد، تزعم الصين أنها حسنت أمن المياه في بكين، واستفاد حوالي 50 مليون شخص. وللتعامل مع الفيضانات في أماكن مثل شنجهاي، شرعت الصين في مبادرة «مدن الإسفنج» لتعزيز الصرف الطبيعي. وقد استثمرت الصين 12 مليار دولار في هذا الجهد منذ 2015، وستصل التكاليف في النهاية إلى مئات المليارات من الدولارات.

لعل كلًّا من الصين والولايات المتحدة يمكنهما تحمل هذه التكاليف –يقول باسبي–، لكن آثار تغير المناخ في الدول الفقيرة ستخلق مشاكل عالمية. تهب الرياح الموسمية على نهر إندوس في باكستان كل عام مسببة فيضانات. لكن الفيضانات في عام 2010 أدت إلى تشريد ما يصل إلى 20 مليون شخص، وقتل ما يقرب من ألفين آخرين. وقد طلبت باكستان مساعدة دولية، فقدمت الولايات المتحدة 390 مليون دولار من التمويل الفوري للإغاثة، وقدم الجيش الأمريكي حوالي 20 مليون رطل من الإمدادات. في عام 2013، شارك 13 ألف جندي أمريكي في أعمال الإغاثة بعد أن حطم إعصار هايان الفلبين.

تعافت معظم الدول من الأعاصير المدمرة الفردية التي ضربتها. ومع ذلك، يتوقع العلماء أن تكون آثار تغير المناخ دائمة. فقد باتت بعض البلدان الجزرية مهددة بالفناء بسبب ارتفاع منسوب مياه البحار. وفي عام 2017، بعد أن ضربها إعصار إيرما بربودا، كان يتعين إجلاء جميع سكان جزيرة الكاريبي، أي حوالي 1800 شخص. كما اشترت كيريباس، وهي مجموعة من جزر المحيط الهادئ، التي يرتفع معظمها بضعة أمتار فقط فوق مستوى سطح البحر، أراضيَ في فيجي المجاورة بوصفه حلًّا أخيرًا في مواجهة ارتفاع منسوب مياه البحار.

وأمام غرق بعض البلدان بالمياه، ثمة بلدان أخرى يدمرها الجفاف –يواصل باسبي حديثه–؛ إذ يعاني الملايين في القارة السمراء من خطر العطش أو المجاعة. في عام 2011، أدى الجفاف والمجاعة في الصومال، التي تمزقها الحرب، إلى مقتل ما يصل إلى 260 ألف شخص. في وقت سابق من هذا العام، ضربت أزمة مياه مدينة كيب تاون في جنوب أفريقيا؛ مما اضطر الناس إلى الاقتصاد الشديد في استخدام المياه. وسيؤدي تغير المناخ إلى عدم كفاية الأمطار، وعدم انتظامها في بعض المناطق؛ مما يؤدي إلى فساد المحاصيل الزراعية، وعدم كفاية المياه لتلبية الاحتياجات البشرية.

ذوبان الجليد أحد أبرز تجليات التغير المناخي

لم يحدث أن اختفت الكثير من البلدان منذ عام 1945. لكن العلماء يتوقعون أن يجعل تغير المناخ فناء الدولة ظاهرة مألوفة خلال القرن القادم، إذ إن تسرب المياه المالحة والعواصف تجعل العديد من الدول الجزرية غير صالحة للسكن. وعلى الرغم من انخفاض أعداد السكان في تلك الجزر، فإنه لا مفر من هذه الكارثة. وحتى في بلدان أخرى، فإن انخفاض الإنتاجية الزراعية وغيرها من الأخطار المناخية سيجبر الناس على الانتقال من الريف إلى المدن، أو إلى دول أخرى.

ستظهر حاجة إلى إعادة توطين عشرات الآلاف من الأشخاص. ويتساءل باسبي: وبالنسبة لأولئك الذين سيتركون أوطانهم، هل سيبقون بشكل دائم ويصبحون مواطنين في الدول التي تستقبلهم؟ هل ستنتقل السيادة على الأراضي داخل البلدان الأخرى إلى البلدان التي ستشتريها؟ أصدرت نيوزيلندا تأشيرات لأعداد صغيرة من لاجئي المناخ من الدول الجزرية في المحيط الهادئ، ولكن لا توجد قواعد دولية تنظم أوضاع أولئك الذين أجبروا على مغادرة منازلهم بسبب تغير المناخ. سوف تزداد الحاجة الملحة للإجابة عن هذه الأسئلة في السنوات القادمة.

وبالإضافة إلى خلق أزمات جديدة، فإن التغير المناخي سيفاقم الأزمات القائمة. على إثر التطهير العرقي، فر نحو 800 ألف من أقلية الروهينجا المسلمة من ميانمار إلى العديد من مخيمات اللاجئين في بنجلاديش بمناطق معرضة للفيضانات خلال الأمطار الموسمية. ومما زاد الطين بلة، أن الغابات قد أزيلت في الكثير من الأراضي المحيطة بالمخيمات، مما جعل الخيام والأكواخ عرضة للغرق. على الرغم من تطور قدرات العالم في منع الخسائر في الأرواح نتيجة لحالات الطوارئ المناخية، فإن تغير المناخ سيختبر أنظمة الاستجابة الإنسانية والكوارثية التي تعاني بالفعل من ضغوط شديدة بسبب الصراعات التي لا نهاية لها على ما يبدو في الصومال وجنوب السودان وسوريا واليمن.

حروب المناخ

يعتقد باسبي أن تغير المناخ سيزيد من حدة التوترات الدولية. وقد حذر المحللون مرارًا من حروب المياه الوشيكة، ولكن حتى الآن تمكنت الدول من حل معظم النزاعات سلميًّا. تعتمد كل من الهند وباكستان، على سبيل المثال، على نهر السند – الذي يعبر الأراضي المتنازع عليها– في توفير احتياجاتهما من المياه. وعلى الرغم من اندلاع عدة حروب بينهما، إلا أنهما لم يسبق لهما التصارع على المياه، وذلك بفضل معاهدة مياه نهر السند لعام 1960، التي توفر آلية لإدارة مشتركة للنهر. ومع ذلك، أدى ارتفاع الطلب وتزايد ندرة المياه إلى زيادة التوتر حول السند. عارضت باكستان مساعي الهند لبناء سدود منابع، وفي عام 2016، ووسط التوترات السياسية، أوقف رئيس الوزراء الهندي نارندرا مودي مؤقتًا مشاركة الهند في الاجتماعات المشتركة لإدارة النهر. وسيكون التعاون السلمي أكثر صعوبة في المستقبل.

وتتشارك عدة دول في جنوب شرق آسيا نهر الميكونج من خلال لجنة نهر الميكونج، لكن الصين، وهي أكبر الدول الستة التي يتدفق عبرها النهر وينبع منها، ليست عضوًا فيها. قامت الحكومة الصينية وغيرها من دول المنبع ببناء سدود على نهر ميكونج مهددة حرفة صيد الأسماك، والمجتمعات الزراعية في فيتنام، وغيرها من دول المصب. وتزداد المنافسة على تدفق النهر فقط مع تزايد الجفاف في المنطقة.

وفي أفريقيا يشتعل الصراع على النيل –يوضح باسبي–؛ إذ تقوم إثيوبيا ببناء سد ضخم على النهر من أجل الري وتوليد الطاقة، وهي خطوة من شأنها التأثير في حصة كل من مصر والسودان من النهر. حتى الآن، تحصل مصر على نصيب الأسد من النيل، لكن من المقرر أن ينتهي هذا، الأمر الذي يتطلب مفاوضات دقيقة حول تقاسم المياه، ومدى سرعة ملء إثيوبيا خزان السد.

ويؤكد باسبي أن اشتعال حروب حول المياه أمر محتمل جدًا، لكن التوترات حول المياه داخل البلدان وبينها ستخلق نقاط صراع جديدة في المناطق التي تندر فيها الموارد الأخرى، وتكون السلطة فيها ضعيفة أو مفقودة.

وقد يكون تأثير الطرق التي تتعامل بها البلدان مع آثار تغير المناخ في بعض الأحيان أكثر أهمية من الآثار نفسها. في عام 2010، على سبيل المثال، بعد أن دمر الجفاف نحو خمس حصاد القمح في روسيا، حظرت الحكومة الروسية صادرات الحبوب. وقد أدى هذا التحرك، إلى جانب انخفاض الإنتاج في كل من الأرجنتين وأستراليا، اللتين تأثرتا أيضًا بالجفاف، إلى ارتفاع أسعار الحبوب العالمية. وربما ساعدت هذه الزيادات في الأسعار في زعزعة استقرار بعض البلدان الهشة بالفعل. ففي مصر، على سبيل المثال، بلغ التضخم السنوي في أسعار المواد الغذائية 19% في أوائل 2011؛ مما غذى الاحتجاجات التي أطاحت الرئيس حسني مبارك.

كما أدت ردود الدول على الظواهر المناخية الأخرى إلى زيادة التوترات في العالم –يشدد باسبي–؛ فمع ذوبان الجليد في القطب الشمالي، ظهرت ممرات جديدة للنقل البحري وحقول للتنقيب عن النفط والغاز، الأمر الذي أشعل الصراع بين كندا، وروسيا، والولايات المتحدة، ودول أخرى في القطب الشمالي حول حقوق السيطرة على هذه الموارد الجديدة.

الجفاف يضرب عدة مناطق في القارة السمراء

علاوة على ذلك، فإن جهود الحد من انبعاثات الكربون يمكن أن تؤدي أيضًا إلى المنافسة. فمع تنامي الطلب على الطاقة النظيفة، ستتخلى البلدان عن الإعانات والتعريفات، في محاولة منها لتعزيز موقعها في الاقتصاد الأخضر الجديد. أدت الإعانات القوية التي تقدمها الصين لصناعة الطاقة الشمسية إلى رد فعل عنيف من صناع الألواح الشمسية في بلدان أخرى، إذ فرضت الولايات المتحدة رسومًا في عام 2017، وتفكر الهند في القيام بشيء مماثل.

ومع تزايد المخاوف من آثار تغير المناخ، ستصبح المناقشات بين الدول أكثر حدة ووضوحًا. وبما أن تصنيع البطاريات المستخدمة في السيارات الكهربائية يتطلب معادن نادرة مثل الكوبالت والليثيوم والنيكل، والتي توجد إلى حد كبير في أماكن تعاني من الصراعات مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية، فإن انتشار استخدام المركبات التي تعمل بالبطاريات يمكن أن يؤدي إلى اشتعال صراع جديد على الموارد. وعلى الرغم من محاولة المصنعين ابتكار مواد جديدة، فإن مثل هذه التوترات ستزداد مع انتشار استخدام الطاقة النظيفة. فالشركات والبلدان التي تعتمد بشدة على الوقود الأحفوري، على سبيل المثال، ستقاوم الضغوط لإبقائها حية.

يقول باسبي: إن العديد من السياسات التي يحتمل أن تطبقها الحكومات للتعامل مع التغير المناخي قد تثير التوترات. فحظر صادرات الموارد الجديدة النادرة، والسيطرة على الأراضي في الخارج، واستخدام الوقود الحيوي، وسن قوانين للمحافظة على الغابات… إلخ، كلها عوامل ستخلق رابحين وخاسرين، وتثير التوترات المحلية والدولية. ومع تزايد المخاوف من حدوث تغير مناخي جامح، ستميل الحكومات إلى اتخاذ خطوات أحادية الجانب، مثل الهندسة الجيولوجية، الأمر الذي من شأنه أن يزعزع الاستقرار زعزعة كبيرة.

السؤال الملحّ

يؤكد باسبي أنه يمكن تجنب هذه السيناريوهات المخيفة إذا ما تعاونت كافة دول العالم معًا للحد من انبعاثات الكربون، ودرء أسوأ آثار تغير المناخ.

في العام الماضي، عندما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عزمه الانسحاب من اتفاق باريس بشأن المناخ، ردت العديد من الدول الأخرى، بما في ذلك الصين وفرنسا وألمانيا والهند والمملكة المتحدة، بمضاعفة دعمها للاتفاق. فاستضاف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اجتماعًا دوليًّا حول التغير المناخي في أواخر 2017، بل وأنشأ صندوقًا لجذب العلماء الرائدين في مجال المناخ، خاصةً من الولايات المتحدة، إلى فرنسا.

ستبقى مشكلة تغير المناخ قضية بارزة بالنسبة للسياسيين في معظم البلدان، إذ يتوقع الناس أن يتحرك قادتهم لدرء الخطر. لم تنسحب الولايات المتحدة بعد من اتفاق باريس. ولا يسري انسحابها إلا في اليوم التالي للانتخابات الرئاسية المقبلة، في عام 2020. وفي حالة عدم إعادة انتخاب ترامب، يمكن للرئيس القادم إلغاء قرار ترامب.

ولكن على الرغم من تراجع دور الحكومة الفيدرالية الأمريكية في قضية المناخ محليًّا ودوليًّا -ينوه باسبي– ظل عمداء الولايات ورؤساء البلديات والرؤساء التنفيذيون ملتزمين بالقضية. في العام الماضي، شكل عمدة نيويورك السابق مايكل بلومبرج تحالف We Are Still In، الذي يضم الآن نحو 2700 شخصية من جميع أنحاء البلاد، تعهدوا باتخاذ إجراءات بشأن تغير المناخ، والتي إذا ما تم الوفاء بها، فإنهم سينجزون 60% من هدف خفض الانبعاثات الأمريكي الأصلي، بموجب اتفاقية باريس.

يضم الائتلاف حاكم ولاية كاليفورنيا جيري براون، التي تعتبر ولايته خامس أكبر اقتصاد في العالم. في شهر سبتمبر «أيلول» المقبل، من المقرر أن يستضيف براون قمة العمل العالمي للمناخ في سان فرانسيسكو. سيكون هذا مشهدًا رائعًا: عمدة ينفذ دبلوماسيته العالمية المستقلة عن الحكومة الفيدرالية. مساهمة كاليفورنيا لا تنتهي عند هذا الحد. فالشركات التكنولوجية الرائدة في ولاية كاليفورنيا، مثل جوجل، هي أيضًا جزء من التحالف. لقد وضعوا أهدافًا طموحة للطاقة المتجددة الداخلية تغطي عملياتهم بالكامل. ونظرًا إلى حجمها الهائل وسلاسل التوريد العالمية، فإن هذه الشركات لديها إمكانات هائلة للنجاح في الحد من تغير المناخ.

وإلى جانب الوقت والجهد الذي بذله الرؤساء في الاتفاقيات الدولية بين البلدان حول المناخ، فقد اتخذوا مسارات موازية لا يعرفها الكثيرون، ولكنها ليست أقل أهمية؛ لأن تغير المناخ يشمل مجموعة من المشاكل في مجال النقل والطاقة والبناء والزراعة وغيرها من القطاعات، فإن التجارب تتيح أماكن مختلفة لمعالجة مشاكل مختلفة في الوقت نفسه، مثل الآثار الأمنية في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، ودعم الوقود الأحفوري في قمة مجموعة العشرين، والغازات سريعة التبدد في مركبات الهيدروفلوروكربون من خلال بروتوكول مونتريال، وإزالة الغابات في إعلان نيويورك بشأن الغابات.

أثبت البشر قدرتهم على التأقلم مع مختلف التغيرات، لكن آثار تغير المناخ في المدن وإنتاج الغذاء وإمدادات المياه تشكل تحديًا هائلًا على كوكب الأرض. يتطلع العالم إلى الصين والولايات المتحدة للتعاون في حل المشكلة، إذ إن كلتا الدولتين مسؤولتان عن أكثر من 40% من الانبعاثات العالمية. تمثل الصين وحدها 28%.

قبيل توقيع اتفاق باريس، تفاوض الرئيس الأمريكي باراك أوباما تفاوضًا مكثفًا للتوصل إلى تفاهم ثنائي مع الصين. وسيزيد تراجع إدارة ترامب من الضغط على الصين من أجل معالجة انبعاثاتها في الداخل، والنظر إلى التأثيرات البيئية لأفعالها في الخارج من خلال مبادرة «حزام واحد وطريق واحد»، والبنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية.

توترت العلاقات بين الصين والولايات المتحدة في الآونة الأخيرة، لكن الدولتين بحاجة إلى التعاون، لأن العالم سيتضرر بسبب التنافس بينهما. وسيتعين عليهما بناء نظام يسمح بتجزئة القضايا، إذ يمكن التنافس على الهيمنة على آسيا، على سبيل المثال، ولكنهما لا تزالان تتعاونان بشأن القضايا التي يرتبط بها مصيرهما، مثل تغير المناخ والأوبئة.

يختتم باسبي بالقول: والطريقة الوحيدة لتحقيق ذلك هي من خلال نظام يعترف بتقاسم السلطة. إن هذا التقاسم جار بالفعل، إذ تتخلى الولايات المتحدة عن السيطرة على العالم، وتقبل بعالم متعدد الأقطاب، الذي يتوقع فيه صعود الصين. لكن العملية يجب ألا تتوقف عند هذا الحد. ستحتاج الحكومات إلى التنسيق مع الوحدات المحلية، والشركات الخاصة، والمنظمات غير الحكومية، والأفراد الأغنياء. فيما يتعلق بالتغير المناخي، والعديد من المشاكل الأخرى، أصبحت هذه الجهات قادرة مثل الحكومات على تغيير الأشياء على المستوى المحلي. إن إنشاء نظام عالمي مناسب للغرض لن يكون سهلًا. لكن المزيج الناشئ من الاتفاقات الدولية، وشبكات المنظمات والأفراد المكرسين لحل المشكلة يوفر أفضل فرصة لتفادي تغير المناخ الكارثي.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك