يصف عالم الآثار مايكل بريس الحالة التي وصلت إليها الموصل؛ إذ أمست المدينة القديمة حطامًا بعد أن دمرت الحرب جزءًا كبيرًا من ثالث أكبر مدن العراق، وعلى الرغم من انقضاء عامين على استعادة الحكومة العراقية والتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة المدينة من يد «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)»، فإن آثار الحرب ما تزال بادية في كل ركن فيها، وكثير من سكان المدينة السابقين إما هربوا منها، وإما محتجزون بمعسكرات في أنحاء أخرى من البلاد.

أما من عادوا إليها، فإنهم يعيشون فيها تحيط بهم بقايا بيوتهم القديمة وحيواتهم السابقة، إذ إن ما اختير لكي يجري إعادة تأهيله هو التراث الثقافي.

عملت منظمة «اليونسكو» بالتعاون مع الحكومة العراقية على إطلاق مبادرة تحت عنوان «إحياء روح الموصل»، تركّز على بضعة مواقع أثرية في المدينة، وتعهدت الإمارات العربية المتحدة بتقديم مبلغ 50 مليون دولار للمساهمة في إعادة إعمار جامع النوري ومنارته الحدباء التي يعود تاريخ بنائها إلى أكثر من 850 عامًا، وتعد أحد المعالم الرمزية للمدينة.

يقول بريس: «إن أكثر ما يلفت النظر في تلك المبادرة هو عدم اكتراثها البادي بحيوات الناس الذين يرون في هذه المدينة وطنهم، إذ إن فيديو اليونسكو الترويجي يمر خلال المدينة القديمة؛ لتظهر الكاميرا عَرضًا كتلةً تلو كتلة تلو كتلة من المباني المتحطمة بالكامل، متخليةً عنها لكي تصل فقط إلى المعلم الأثري الذي سيعاد بناؤه بالفعل».

أي نوع هذا من إعادة الإعمار، ومن ينتفع منه؟ إنهم بالتأكيد ليسوا سكان المدينة، بحسب ما يرى بريس. ومن جهة أخرى يعتقد العديد من العراقيين أن الحكومة الوطنية ذات القيادة الشيعية تعمد إلى الانتقام من سكان المدينة. إلا أن ما يبدو هو أن الحكومات هي أكبر مستفيد على مستوى ما تحصله من مكانة واعتبار من خلال إطلاق وتمويل مثل تلك الحملات.

في مقاله الذي نشرته مجلة «إيون» الأمريكية يسلط مايكل بريس الضوء على مفهوم التراث الثقافي، ودعاوى حماية التراث التي تتبناها جهات عالمية ومحلية شتى، محاولًا الإجابة عن السؤال حول المالك الحقيقي للماضي والتاريخ، مستعرضًا التغيرات التي مر بها مفهوم التراث الثقافي، وكيف يمكن جعله مفهومًا أكثر ديمقراطية وتداولًا بين الناس العاديين، بعيدًا عن احتكاره من قبل أصحاب السلطة والنفوذ.

مجتمع

منذ 11 شهر
«الإندبندنت»: بين أمريكا والإمارات.. هذه رحلة البحث عن الآثار العراقية المنهوبة

التراث الثقافي يؤثر في الحاضر كما يؤثر في الماضي

ويرى بريس أن ثمة حقيقة أساسية تبرزها حالات مثل الموصل بشأن الحفاظ على التراث الثقافي: وهي أنه – على عكس ما يبدو افتراضًا بديهيًا للوهلة الأولى – لا يتعلق بالماضي في المقام الأول، بل بالحاضر؛ إذ يسخِّر التراث قوة الماضي ويستخدمها لتسويغ علاقات اجتماعية في الحاضر، ولا سيما علاقات القوة. فالحكومات تسحق الحيوات واحتياجات الأفراد والمجتمعات، والأغنياء يحولون ثرواتهم المكتسبة بطرق مشكوك فيها إلى رأس مال ثقافي؛ كل ذلك باسم الحفاظ على التراث.

Embed from Getty Images

وفي غمرة الاقتناع بضرورة حماية ما تبقى من التراث غالبًا ما يجرف الحماس إزاء القضية الكثيرين، حتى أننا لا نشكّك في مفهوم التراث الثقافي الجديد نسبيًّا، ولا نتساءل حول ما إذا كان ينبغي الاعتزاز بكل ما تبقى لنا من التاريخ، بلا سؤال، بوصفه ميراث الماضي لنا، ومن ثم يجدر بنا الحفاظ عليه في حالته الأصلية، أم أن ما بات يعد تراثًا تاريخيًا هي المنشآت والآثار التاريخية الكبرى الملاءمة تمامًا للاستغلال بوصفها رموزًا للأثرياء؟

ويستدرك بريس بالقول: إن البشر بشكل عام دائمًا كانوا مهتمين بما تبقى لهم من الماضي، بيد أن طريقة التفكير الحالية في التراث بدأت تأخذ شكلها المعاصر في القرن التاسع عشر، فقد شرع الأوروبيون حينها في محاولة الحفاظ على معالم أوروبا التي تعود إلى العصور الوسطى، في الوقت الذي نما الاهتمام بالتراث الثقافي في الشرق الأوسط حينما أخذت آثار الماضي القديم تتعرض لأخطار التحديث والسرقة.

على إثر ذلك أقرت كلٌّ من مصر في عام 1835 والدولة العثمانية في عام 1869 قوانين لحماية الآثار والتحف من السرقة والتخريب، لكن الأوروبيين والأمريكيين تجاهلوا تلك القوانين إلى حد بعيد.

تحدث مدير قسم الآثار المصرية بالمتحف البريطاني علانية عن الحيل المعقدة التي اعتاد استخدامها لتهريب أوراق البردي القديمة خارج مصر.

ويستدل المقال على ذلك بالرفض الذي عبّر عنه مراسل صحيفة «مورنينج بوست اللندنية» في القسطنطينية عام 1835، إذ يقول: «لم يكتف محمد علي بتلك (الاحتكارات) التي فرضها على الأحياء، بل أخذ يقرر مؤخرًا احتكارات أخرى على مملكة الموتى».

ويقول بريس: إن الجميع – من تجار الآثار إلى كتب الإرشاد السياحي – قد أخذوا يقدمون النصائح حول كيفية شراء قطع الآثار المسلوبة بطرق غير مشروعة في الشرق الأوسط، أو القيام بعمليات التنقيب غير القانونية الخاصة بك، أو إخراج الآثار من خلال رشوة موظفي الجمارك وضباط الشرطة. وتحدث إي. ايه. والس بادج، مدير قسم الآثار المصرية بالمتحف البريطاني، علانية عن الحيل المعقدة التي اعتاد استخدامها لتهريب أوراق البردي القديمة خارج مصر.

وكذلك كان الوضع – وفقًا للمقال – في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. وبينما شهدت سنوات ما بين الحربين – ظاهريًا – مزيدًا من التعاون الدولي من خلال عصبة الأمم، فإن التراث لم يشهد مثل ذلك التعاون بالضرورة.

وحين شرع العراق الحديث الاستقلال وقتها في صياغة قانون آثار جديد في أواخر ثلاثينات القرن العشرين، كان علماء الآثار البريطانيون حانقين على انخفاض حصة الاكتشافات التي يمكنهم الحصول عليها من البلاد (حتى أن وزارة الخارجية البريطانية رفضت موقفهم ووصفته بـ«المزعج والوصائي»).

يشير بريس إلى أن الوضع لم يتغير حقًا إلا في أعقاب الحرب العالمية الثانية، حينما بدأت بريطانيا وغيرها من القوى الإمبريالية تترك مستعمراتها بشكل جدّيّ، وتولت الاتفاقيات الدولية لحماية الممتلكات الثقافية، مثل اتفاقية لاهاي لعام 1954، واتفاقيات اليونسكو في عامي 1970 و1972، تنظيم الحماية القانونية لهذه الأمم الجديدة وتراثها.

وغدت تلك الاتفاقيات مفاهيم راسخة في تصورات السيادة الوطنية، فقد كرّست مبدأ مفاده أن التراث الثقافي ينتمي إلى الأمة التي وجد في أرضها، ودعت إلى إقرار القوانين الدولية لحماية الممتلكات الثقافية وإنفاذها.

على أن هذه الاتفاقيات وإن مثلت الخطوة الأهم في تحويل المواقف إزاء قوانين الآثار في الدول النامية من التجاهل إلى الاحترام فإنها أيضًا أسّست وشجعت استغلال الممتلكات الثقافية لأغراض قومية.

استخدام التراث لتعزيز الهويات القومية

ويفصّل بريس فيقول: «إن الحكومات أخذت تنظر بشكل متزايد إلى بقايا الماضي البعيد على أنها وسيلة لتعزيز الهوية القومية، وإضفاء نوع من الشعور بالعظمة، أو لتهميش مجموعات غير مرضي عنها».

Embed from Getty Images

ويشير – على سبيل المثال – إلى استخدام صدام حسين أنقاض مدينة بابل القديمة في الترويج لأفكاره حول عظمة العراق وعظمته هو الشخصية، حتى أنه صور نفسه نبوخذ نصر العصر الحديث، وكذلك استعملت القيادة الصينية علم الآثار في رسم صورة من العظمة الوطنية تعود جذورها إلى الماضي البعيد شبه الأسطوري.

واليوم، تعمل الحكومة القومية الهندوسية بقيادة رئيس الوزراء ناريندرا مودي، على الترويج لإمكانية استغلال علم الآثار في إثبات أن الهندوسي الحديث يمكن تتبع أصله إلى السكان الأوائل للهند.

أدى اعتماد الاستخدام القومي للتراث – وفقًا للمقال – إلى استجابات عدائية، وأحيانًا عنيفة. إذ بات ينظر إلى نهب وتخريب التراث الثقافي، في بعض الأحيان، على أنه شكل من أشكال المقاومة والنضال ضد القومية.

ونجم عن تلك المقاومة في أشد أشكالها تطرفًا انتشار حملات تخريب للآثار على نطاق واسع. ويشير بريس إلى الحجج الوجيهة – حسب رأيه – التي يطرحها مؤرخ الشرق الأدنى كريستوفر جونز، حول أن أحد الدوافع الرئيسة وراء تعمّد تنظيم «داعش» تدمير المعالم الأثرية في العراق وسوريا هو الدور الذي قامت به تلك الآثار بوصفها رموز للقومية العلمانية «الوثنية».

يذهب بريس إلى أنه على نحو مشابه للخطاب القومي، تربط المنظمات الدولية التراث الثقافي بالقيم العالمية، غير أنها ترى أن التراث الثقافي لا ينتمي إلى كل أمة بمفردها، بل إلى البشرية جمعاء.

«إذا قدّر لإفريقيا أن تتمدن، وإذا شهدت يومًا ازدهار الحضارة مرة اخرى على شواطئها، حيث تقع آثار العظمة الرومانية القديمة، فإن المجد والفضل في ذلك ينبغي أن يعود إلى فرنسا».
*كاتب فرنسي

فاليونسكو – مثلًا – ترفع شعار «اتحدوا من أجل التراث» للترويج لحملة شعبية على وسائل التواصل الاجتماعي، وتفترض قائمة «اليونسكو» للتراث العالمي القيمة العالمية لذلك التراث. وقد يبدو للوهلة الأولى أن ذلك الاتجاه الداعي لعالمية التراث اتجاهًا جديدًا، يتحدى الأفكار القومية القديمة تحديًا مباشرًا، بيد أن الحق أنه ليس جديدًا، ولا يعدّ تحديًا، وفقًا للمقال.

اعتاد الأوروبيون في أواخر القرن التاسع عشر التحدث عن الآثار المصرية، كما يشير «إليوت كولا» في كتابه «صراعات حول الآثار المصرية Conflicted Antiquities  2007»، ليس من حيث أهميتها السياسية أو التجارية لأممهم فحسب – كما فعلوا مع الجوانب الأخرى في مصر – بل من حيث قيمتها الحضارية بشكل عام.

وفي أواخر عشرينات القرن التاسع عشر حين سئل رائد فك رموز الهيروغليفية الفرنسي، جان فرانسوا شامبليون، عن إقدامه على نزع قطعة حجر تضم نقوشًا مرسومة من أحد المقابر الملكية المصرية القديمة، ردّ بأنه قام بذلك بدافع من كونه «عاشقًا حقيقيًا للآثار».

ويشير المقال إلى أن واقع أن شامبليون كان يعمل لصالح متحف بلاده الوطني، متحف اللوفر، وأن ذلك الحجر المقطوع سيوضع هناك، لم يكن سوى مجرد تفصيل هامشي. فقد كانت النخبة الفرنسية تعدّ نفسها في مهمة تبشيرية بالحضارة لإفريقيا «البربرية»، ومشروع إيثاري يهدف تحقيق النفع للبشرية، وقد صادف أنها تضمنت المعالم المصرية القديمة، والقطع الأثرية لتكون مكافأة لبلادهم على مجهوداتها.

وهو ما يعبر عنه كاتب عام 1836 بالقول: «إذا قدّر لأفريقيا أن تتمدن، وإذا شهدت يومًا ازدهار الحضارة مرة اخرى على شواطئها، حيث تقع آثار العظمة الرومانية القديمة، فإن المجد والفضل في ذلك ينبغي أن يعود إلى فرنسا».

دعاوى الطابع العالمي للتراث

وعلى النحو نفسه، أطلقت كلا من عصبة الأمم ووريثتها الأمم المتحدة، في القرن العشرين، حملات تدعو إلى حماية التراث، كان محورها الادعاء بأن التراث الثقافي لا ينتمي إلى الدول بمفردها، بل إلى الجميع.

وبلغت دعاوى عالمية التراث ذروتها مع حملة «اليونسكو» لإنقاذ معابد النوبة في الفترة ما بين ستينات وثمانينات القرن الماضي، حينما اجتمعت عدة دول لحماية الآثار المصرية من الغرق في البحيرة التي تشكلت على إثر إقامة السد العالي في أسوان.

Embed from Getty Images

على أن هذه الحملات، وإن صيغت في لغة داعية إلى التعاون الدولي، فإن الممارسة العملية كانت تدفقًا ذي اتجاه واحد للخبرة ووضع المعايير، من القوى الغربية إلى الدول النامية، وهو ما دفع الدول الأوروبية – وفقًا للمقال – للتريث خشية الخضوع للتدخلات ذاتها التي اقترحت إقرارها في بقية دول العالم.

ويرى بريس أن المتاحف الوطنية في أوروبا تتكئ على دعاوى الطابع العالمي للتراث لتسويغ احتفاظها بقطع من التراث الثقافي لدول أخرى (مثل المتحف البريطاني مع منحوتات البارثينون). بالإضافة إلى ذلك يوجه العلماء الغربيون الدعوات إلى اليونسكو لحماية المخطوطات الثمينة من الجماعات الدينية التي تملكها، وتقيد بالطبع من حيازة الغرب لها.

إلا أن دعوات العالمية غالبًا ما تعمل من خلال طرق غير عالمية إلى حد كبير، إذ لا تشجع على المشاركة والتعاون بين الجميع، بل تتخذ وسيلة لكي ينتصر طرف ما على الآخر في معركة لها أهداف خاصة، غالبًا ما تكون وطنية، على نمط لعبة الورق حين يفخر الطرف المنتصر بأن أوراقه تغلبت على أوراق الجميع.

يشير بريس إلى أن خطاب الدعوة للعالمية يخدم غرضًا مزدوجًا، إذ إنها لا تمنح دول العالم المتقدم أحقية في السعي وراء حيازة، أو الأوقع سلب، آثار الدول النامية فحسب، بل تقوم بذلك في الوقت الذي تقدم فيه تلك الدول النامية نفسها في صورة الأقل استنارة، بيد أن ذلك التصنيف للدول النامية يتعارض مع التاريخ الفعليّ.

وفي عام 1989 شكّك الأستاذ الفخري في القانون والفنون بجامعة ستانفورد، هنري مريمان، في «ذلك الاحترام الذي ما زال يولى لادعاءات الدول حيازة (ميراث ثقافي وطني) في الشئون الدولية». وكانت الدول الأوروبية والأمريكية، في ذلك الوقت قد بدأت للتو في التعامل مع قوانين الآثار في الدول النامية بشكل جدّيّ.

ومع أن العلماء الغربيون يحبون توجيه النقد والسخرية لتشبيه صدام حسين نفسه بنبوخذ نصر، فإن بريس يرى أنه ليس ثمة اختلاف نوعي بينه وبين تصوير نابليون إلهًا إغريقيًا أو بطلًا يهزم حكام مصر المماليك ويعيد نور الحضارة إلى البلاد. وعلى الرغم من أن الاستخدام القومي للتراث يعد انحرافًا لا يرتكبه إلا الآخرون، فإن الغرب نادرًا ما ينظر إلى نفسه بالعين التي ينظر بها إلى غيره.

نقل الفرنسيون قسرًا إبان الانتداب الفرنسي على سوريا القرى التي كانت واقعة في تدمر وداخل قلعة الحصن الصليبية، حتى يقوموا بالمزيد من عمليات التنقيب.

ينتقل بريس بعد ذلك إلى جانب آخر ليقول إن الدول لا تستخدم التراث في مواجهة الأمم الأخرى فحسب، بل ضد سكانها أيضًا. فالمجتمعات، ولا سيما المهمشة، التي لا تزال تعيش في مواقع تاريخية مهددة بشكل خاص. فحينما عقدت اليونان، أواخر القرن التاسع عشر، مناقصة دولية في أوروبا وأمريكا لتحديد من سيحصل على حق التنقيب في موقع مدينة دلفي القديمة، اشترطت على المتبارين جمع أموال لإزالة قرية كاستري الحديثة الواقعة في وسط اليونان من الموقع.

وقد فاز الفرنسيون وقتها. كذلك نقل الفرنسيون قسرًا، إبان الانتداب الفرنسي على سوريا، القرى التي كانت واقعة في تدمر وداخل قلعة الحصن الصليبية، حتى يقوموا بالمزيد من عمليات التنقيب، ويحافظوا على أطلال القلعة.

يقول بريس: «إن إزالة المجتمعات باسم التراث لا يزال مستمرًا حتى اليوم، وما تغيّر سوى أنه غدا بتصريح من اليونسكو. وبينما اجتمعت معظم دول العالم لإنقاذ بقايا قديمة في حملة النوبة، فإن سكان النوبة المعاصرين لم يجتمع لإنقاذهم أحد. فقد أجبر نحو 100 ألف شخص على الرحيل، وافتقرت عملية إعادة توطينهم إلى التمويل اللازم».

والواقع أن إدراج موقع على لائحة التراث العالمي لا يرفع من المكانة ويجلب المزيد من أموال السياح فحسب، بل يأتي ومعه مزيدًا من الضغوط لإزالة المجتمعات التي استوطنت تلك المواقع لزمن طويل. فقد شهدت البتراء في الأردن ومدينة ليجيانج القديمة في الصين وكاسكو فيخو في بنما، وحالات أخرى عديدة، على تسبب الإدراج في قائمة التراث العالمي في تعرض أهل تلك المناطق لعمليات إخلاء.

وقد أجبر الآلاف من المقيمين في بلدة شيكان الصينية على ترك منازلهم بموجب خطة تطوير تبلغ تكلفتها 900 مليون دولار، لتحويل البلدة القديمة إلى فنادق ومتاجر صغيرة تستقبل السياح الذين يزورون موقع التراث العالمي القريب في كايبينج، مع أن بيوت شيكان نفسها كانت تاريخية.

وقد ظلت الحكومة المصرية، على مدى عقود، تحاول إزالة قرية القرنة، التي أقيمت على جزء من أرض مدينة طيبة القديمة. بيد أن اختيارها موقعًا للتراث العالمي في عام 1979 مثل تطورًا ساعد الحكومة المصرية على طرد سكان القرية من منازلهم، بحسب المقال.

واعتادت اليونسكو وغيرها من المنظمات الدولية على تجاهل تلك الترحيلات القسرية، واكتفت في أفضل الأحوال بالانتقادات المتأخرة الخافتة. وإلى جانب اهتمامها بطيبة القديمة، فإن المشروع الوحيد الذي تدرجه اليونسكو على موقعها الإلكتروني فيما يخص الأماكن القريبة، هو مشروع قرية القرنة الجديدة؛ وهي بلدة أشباح خالية من السكان أقيمت إبان أربعينيات وخمسينات القرن الماضي لإسكان قرويين رحّلوا في محاولة إخلاء سابقة.

وبحسب المقال، فإنه ليس ثمة شك في أن الأموال التي يمكن تحصيلها من خلال الآثار مغرية، حتى أنها قد تتجاوز المصالح الوطنية، وتطرح شكلًا من أشكال تدفق رأس المال الاقتصادي والثقافي من نخبة بلد إلى آخر.

ويذكر المقال مثالًا على ذلك في الاتفاقية التي أبرمتها فرنسا مع الإمارات المتحدة بمليارات الدولارات لإنشاء متحف اللوفر أبوظبي، وإعارة لوحات فنية إلى الإمارات. وكي لا يقال سبقته، سرعان ما تبعها ولي عهد السعودية محمد بن سلمان وعقد شراكة سعودية فرنسية بمليارات الدولارات، فمثل تلك الاتفاقيات ذات تأثير جيد في العلاقات العامة الثقافية.

ويطرح المقال تساؤلًا عن المستفيد من فكرة التراث الثقافي ودعوات الحفاظ عليه هنا؟ ويشير إلى أن ثمة علاقة تكافلية بين المتاحف ومؤسسات التراث الأخرى من جهة والمتبرعين الأثرياء من جهة أخرى، إذ في الوقت الذي يحصل فيه المتبرعون على دعاية جيدة وإعفاءات ضريبية تغدو المؤسسات قائمة على حماية الفنون والتراث وتجني الأرباح منها.

ولعل ذلك ما جعل مدير متحف المتروبوليتان للفنون في نيويورك، بعد فرض رسوم إضافية على الزوار من خارج الولاية في عام 2018، ينتقد زوار المتحف العاديين الذين لا يقدمون له دعمًا كافيًا، في الوقت الذي امتدح فيه المانحين الأثرياء الذي يدعمونه بالأموال واللوحات ويشاركون في ازدهاره؛ وهو ما يؤكد بشكل واضح أن المتاحف أماكن أقيمت من أجل الاثرياء؛ إذ تستضيف وتنتج ثروات كبيرة.

منوعات

منذ سنة واحدة
مترجم: رحلة التابوت المسروق من القاهرة إلى متحف المتروبوليتان.. ماذا حدث؟

استخدام التراث الثقافي سلاحًا في الحروب

الأخطر من كل ذلك – في رأي بريس – أن التراث الثقافي يمكن استخدامه سلاحًا في الحرب. ولا يقتصر ذلك على استخدام طرف معين أو تسخير شكل معين من أشكال التراث؛ إذ تجتمع شتى أنواع التراث السياسي والاقتصادي في ذلك. ففي الحرب الأهلية السورية – على سبيل المثال – استخدم كل طرف من أطراف الصراع التراث سلاحًا.

Embed from Getty Images

وكما دمرت «داعش» الآثار وعملت على أن يراها الجميع ثم بثت فيديوهات التدمير بهدف الترويع، أقامت روسيا حفلًا موسيقيًا على مدرج تدمر الأثري للاحتفال باسترداد المدينة من «داعش». وعندما أقام متحف الميتروبوليتان معرضه «من آشور إلى إيبيريا»، تحدث وزير الخارجية الأمريكي آنذاك جون كيري في حفل الافتتاح، حيث عمد فيه – بحسب المقال – إلى استخدام الحفل فعاليةً لإطلاق الحملة العسكرية الأمريكية.

ركّز كيري في خطابه على الدمار الذي جلبته «داعش» متجاهلًا في الوقت نفسه أعمال التدمير التي قامت بها أطراف أخرى في الحرب الأهلية السورية. وبعد ساعات فقط من دعوته إلى ضرورة كبح «داعش» بدأت الولايات المتحدة في قصف سوريا.

بعد ذلك بعام سيطرت داعش على تدمر. ودأب السياسي البريطاني بوريس جونسون على إدانة «داعش» مرارًا وتكرارًا ونعتهم بـ«البرابرة» لتدمير تراث المدينة الثقافي. وكتب الصحافيون والأكاديميون المقالات وأجروا المقابلات للحديث عن ميراث تدمر العظيم في الغرب.

وبرزت مجموعة من مشاريع الرقمنة والترميم لآثار تدمر القديمة في الجامعات والمؤسسات الأخرى، بالإضافة إلى إقامة عدد من المعارض في المتاحف لإحياء ذكرى تدمر القديمة التي تعاني من الدمار. وربما كاد معظم من قرأوا تلك المقالات وزاروا تلك المعارض، ألا يكونوا قد فكّروا في تدمر كثير تفكير من قبل، غير أن الجميع وقتها بات يحدثهم عن مدى أهمية تلك المدينة بالنسبة إلى الغرب الحديث.

على الرغم من حسن نيتها، فإن الحملات الداعية لحماية التراث الثقافي ساهمت في استمرار عمليات قصف سوريا، وتواصل إمداد الأطراف المتحاربة بالسلاح. ونادرًا ما سئل السوريون أنفسهم عن التراث الذي يريدون الحفاظ عليه. وحينما يسألون، فقلّما تذكر تدمر في إجاباتهم. إذ ينصرف انشغال السوريون – عوضًا عن ذلك – إلى المباني التي تشكل أجزاءً محورية في مجتمعاتهم.

وسواء نظرنا إلى رأس المال السياسي أم الاقتصادي أو العسكري، فإن ثمة شيئًا واضحًا – بحسب المقال – وهو أن فكرة التراث الثقافي فكرة موجهة من أعلى إلى أسفل، إذ يجري تعريفها وتحدد سبل استخدامها من قبل الأعضاء الأكثر قوة في المجتمع، وليس من قبل المجتمع ككل، فمفهوم التراث الثقافي في صيغته هذه يخبر الناس – لا يسألهم – بما ينبغي عليهم الاهتمام به. والسؤال الذي يطرحه الكاتب هو: كيف يمكن تغيير هذا؟

كيف نجعل مفهوم التراث الثقافي أكثر ديمقراطية؟

بريس بعضًا مما اقترحه خبراء في مجال التراث الثقافي من أفكار، يرى فيها القدرة على جعل التراث الثقافي أكثر ديمقراطية:

1. منح سيطرة أكبر للمجتمعات المحلية

يرى المقال أن الإشكالات الرئيسة في استغلال التراث ناتجة عن التحكم المفروض على المستوى الوطني، ومن ثم يقترح بدلًا عن ذلك أن تتخذ المزيد من القرارات على المستوى المحلي.

إذ إن السلطات المحلية – وفقًا للمقال – قد تكون أكثر استجابة للاحتياجات اليومية للأشخاص الذين يعيشون في مواقع التراث الثقافي، منها للاحتياجات الرمزية للسياح أو الدولة. وكذلك فإن جعل التراث الثقافي أكثر محلية قد ينطوي على إدراك الأشياء التي يهتم بها حقًا الأفراد العاملين في تلك المواقع، على النقيض من الهياكل الأثرية والتحف التي تميل إلى الارتباط بالملكية أو النخب. وقد فكر العلماء في كيفية جعل مفهوم ملكية التراث الثقافي أكثر جماعية (بدلًا عن كونها خاصة أو حكرًا على الدولة).

وربما يكون أحد النماذج على ذلك ترميم المباني التاريخية في الولايات المتحدة، فالحكومة الفيدرالية يمكنها تقديم الدعم والتمويل للحفاظ على تلك المباني من خلال «برنامج المعلم التاريخي الوطني»، و«السجل الوطني للأماكن التاريخية»، لكنها لن تدير أو تتحكم في تلك المباني، بل توكل تلك المهمة إلى المدن والبلدات، التي يمكنها أن تقرر ما إذا كان ينبغي هدم تلك المباني أم تحريكها أو الحفاظ عليها في صورة متاحف، أو السماح باستمرارها عقاراتٍ سكنية أو تجارية.

2. التقليل من أهمية الأصلي

يشير بريس إلى إن الإصدارات الأصلية من الأشياء تحظى بمكانة كبيرة في المجتمع الغربي. وتغذي كل شيء من هوس التملك عند جامعي التحف إلى تدفق الأموال من خلال السياحة التراثية.

ويتعامل معها على أنها أشياء مقدسة ينبغي الحفاظ عليها بأي ثمن. ومن ثم يتساءل المقال ماذا لو لم نكن مهتمين بجمع وحفظ النسخ الأصلية من الأشياء إلى ذلك الحد؟ ويضرب مثالًا بمجتمعات شرق آسيا، التي يختلف مفهوم الناس فيها عن الإصدارات الأصلية.

فالفكر الصيني – على سبيل المثال – يتصور الفن عمليةً تحديث مستمرة، وليس أعمالًا فنية متكاملة، وكذلك يجد قيمة كبيرة في النسخ المطابقة للأصل. بالإضافة إلى المجتمعات غير الغربية الأخرى التي لها مواقف مختلفة بشكل لافت للنظر إزاء انكسارات الماضي والتصالح معها، من ممارسة الكنتسوجي (Kintsugi) اليابانية (فلسفة حياة تركّز على تعمد إظهار شقوق النفس وترميمها بدلًا عن محاولة إخفائها)، إلى المفهوم السائد في الشرق الأوسط عن الأنقاض بوصفها خطوةً في تطور المباني والمدن الحية، وليس شيئًا يجب الحفاظ عليه في حالته الأصلية لإحياء ذكرى الماضي، أو إعادة استخدامهم التاريخي للقطع المعمارية القديمة في المباني الجديدة لما يعتقدونه من قوة حامية فيها.

يقول بريس: «نحن في لحظة يمكن أن تقوم فيها النسخ طبق الأصل وإعادة الصناعة بدور أكبر في التفكير بشأن التراث. فالنسخ الرقمية موجودة أكثر من أي وقت مضى. ويمكنها توفير الخصائص البصرية وحتى اللمسية ذاتها التي تقدمها الأصول. وقد دُمجت العديد من المتاحف والمواقع التراثية بالفعل في العروض. ومن ثمّ يمكن لمنح قليل من التقدير للنسخ المعاد إنتاجها، أن يساعد على التخفيف من حدة الصراعات على التحف والقطع الأثرية الأصلية».

3. إعادة التفكير في فكرة التراث بوصفه ملكية

يحيل المقال إلى الاقتراح الذي قدمه «جون كارمان»، المحاضر الأول في تقييم التراث بجامعة برمنغهام في المملكة المتحدة، حول التفكير في التراث الثقافي موردًا مفتوح المصدر. إذ إن القيام بذلك سيجعله متاحًا لجميع المهتمين، ليغدو بإمكان هؤلاء الذين يقدّرون معلمًا أو قطعة أثرية معينة، استخدامها لأغراضهم الخاصة، دون استبعاد الآخرين.

ويرى كارمان أن طريقة التفكير هذه، رغم أنها تبدو شديدة الجذريّة، فإن لها سابقة بالفعل في التفكير السياسي الغربي. ومن المحقق أن تغيير مفهوم الملكية الثقافية يوفر إمكانية للتعامل مع الحالات العديدة التي تتصارع فيها أطراف مختلفة على امتلاك التراث الثقافي أو استغلاله.

ويقول بريس في نهاية مقاله: «إن كل تلك الأفكار بها إشكالات. إذ إن المجتمعات ليست كتلًا مصمتة، بالإضافة إلى أن الموازنة بين المصالح المختلفة يمكن أن تمثل تحديًا كبيرًا، لا سيما تلك الخاصة بالمجتمعات المحلية في مقابل نظيرتها في مجتمعات الشتات».

وثمة حالات تكون فيها الحكومة المحلية هي من تبوء بإثم قيادة عملية الإجلاء للسكان باسم حماية التراث. وفي الوقت نفسه، يبدو أن تأثير النسخ المتعددة –سواء من خلال الاستنساخ الميكانيكي سابقًا، أو إعادة الإنتاج الرقمية الحالية – يسهم بشكل متناقض في زيادة قيمة النسخ الأصلية.

ويتساءل بريس عن الكيفية التي سيكون عليها عمل نظام الوصول مفتوح المصدر للتراث، وخاصة في تلك الحالات التي قد يرى فيها بعض الناس أن عنصرًا ثقافيًا معينًا، يمثّل ما تدعوه عالمة الآثار «لين ميسكيل» بـ«التراث السلبي» – أي الأماكن التي ترتبط بذكريات سلبية أو رموز ينبغي تدميرها – في الوقت الذي يرى فيه آخرون تراثًا إيجابيًا. والأمثلة على ذلك كثيرة، من التماثيل الكونفدرالية الأمريكية إلى قبر يوسف في فلسطين. ومن ثمّ تقول ميسكيل محقةً «لا يمكن إنقاذ كل شيء، أو ربما ينبغي القيام بذلك، لكن من الذي يقرر؟»، والحصيلة أن العيوب التي انطوى عليها مفهوم التراث الثقافي والحملات الداعية لحمايته إذا لم تعالج، فإنها ستبقى أداةً للقوة، ومميتة أيضًا.

دولي

منذ سنتين
كيف وظَّفت الإمارات أموالها من أجل شراء التاريخ للعرض في «اللوفر أبوظبي»؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد