أثارت التقارير الصادرة حول زيارة سرية لوفد تابع لحركة طالبان إلى إيران، الدهشة في كل من كابول وطهران، لماذا تقوم إيران التي تشارك في حروب بالوكالة في عدة بلدان سنية وجماعات طائفية في الشرق الأوسط باستضافة جماعة سنية أصولية على أرضها؟

هذان الغريمان اللذان كانا في فترة من الفترات على حافة حرب شاملة ضد بعضهما، إلا أنه عندما يأتي الأمر للسياسة الإقليمية، وجد الاثنان الكثير من القواسم المشتركة، بما في ذلك خوفهم من انتشار نفوذ الدولة الإسلامية في المنطقة.

في عام 1998، قامت طهران بإرسال أكثر من 70 ألف جندي بطول الحدود الأفغانية في استعراض واضح للقدرات العسكرية وللتهديد بغزو أفغانستان والانتقام من مقتل 8 دبلوماسيين إيرانيين على يد طالبان في مدينة “مزار شريف” الواقعة في الشمال في ذلك العام، وتوقع حينها الجنرالات الإيرانيون أنهم قادرون على الإطاحة بنظام طالبان خلال 24 ساعة، لكن تم نزع فتيل الأزمة بعد أن تدخلت الأمم المتحدة.

بعد ذلك، عندما أطاح التحالف بزعامة الولايات المتحدة حركة طالبان في أواخر 2001 بسبب إيوائها لأسامة بن لادن، العقل المدبر لهجمات 11 سبتمبر 2011، قامت إيران بتأييد العملية بشكل ضمني.

لكن بعد عقدين من الزمان، يبدو أن الغريمين على استعداد للتعايش في مواجهة الخطر المتنامي المتمثل في داعش، مما يتوافق مع هدف آخر مشترك، وهو دفع الولايات المتحدة وبقية القوى الغربية للخروج من أفغانستان.

في حين لا ترغب طهران برؤية عودة حكومة طالبان على حدودها الشرقية، لا يرى المسؤولون الإيرانيون مشلكة في عودة طالبان كجزء من الإدارة الأفغانية الحالية المدعومة من الغرب من خلال مصالحة طال انتظارها.

وهذا هو سبب زيارة الوفد الأفغاني لطهران بقيادة “محمد طيب أغا”، يوم الاثنين، وإجراء محادثات مع القادة الإيرانيين، وفي حين ينكر المسؤولون في طهران هذه الزيارة، تحدثت الصحف الإيرانية وأكدت طالبان على أن الوفد كان يتكون من أعضاء المكتب السياسي لحركة طالبان المتواجد في قطر، وقال بيان لطالبان أن الوفد ناقش عددًا من القضايا مع المسؤولين الإيرانيين، وشملت المناقشات الوضع الحالي في أفغانستان والقضايا الإقليمية والمتعلقة بالعالم الإسلامي، وظروف اللاجئين الأفغان في إيران.

لم تكن زيارة الاثنين هي الأولى من نوعها، فوفد طالبان قد زار إيران في الماضي، حيث قد زارها في السابق مرتين، حتى أنهم منذ سنتين قد حضروا مؤتمر “صحوة” إسلاميًا استضافته إيران، وفقاً لتقارير إعلامية.

نظراً للاختلافات العقائدية بين البلدين، هذه علاقة الصداقة الفاترة بين إيران وطالبان يمكن أن تفسر على ضوء المنافسات الإقليمية وظهور داعش في منطقة أفغانستان وباكستان.

فزعيم داعش، “أبو بكر البغدادي”، قد نصب نفسه خليفة المسلمين، وهو نفس اللقب الذي ادعاه أيضًا الملا عمر، زعيم طالبان، صاحب العين الواحدة، منذ عقدين من الزمان.

ومنذ الخريف الماضي، قامت طالبان ومعها عدد صغير من المسلحين بالتعهد بالولاء للبغدادي ورفع الأعلام السوداء خلال مناوشات مسلحة داخل أفغانستان، وعلى الرغم من أن طالبان نفسها قد استهدفت المدنيين في السابق، إلا أن المتحدث باسمها قد أدان داعش بسبب تنفذيها هجمات قاتلة في شرق أفغانستان راح ضحيتها الشهر الماضي على الأقل 35 شخصًا.

على الرغم من أن المجموعتين ينافسون بعضهم البعض من خلال تنفيذهم هجمات وحشية، إلا أن طالبان قد طالبت من داعش “تجنب التطرف” في حربهم في الشرق الأوسط، هذه الدعوة التي سخر منها البغدادي، حيث ورد عنه أنه وصف الملا عمر، بأنه “أحمق وأمير للحرب أمي” لا يستحق لقبًا دينيًا.

وبالمثل، كانت إيران تحارب داعش من خلال ميلشيات في العراق وسوريا واليمن، فبحسب ما ورد فإن طهران قد أرسلت ما يزيد عن 1000 مستشار عسكري للعراق، ونفذت غارات جوية ضد أهداف لداعش، وأنفقت ما يزيد عن مليار دولار كمساعدات عسكرية للعراق، إن آخر شيء تريده طهران هو وجود داعش على مقربة منها في أفغانستان، حيث يستطيع المسلحون القيام بهجمات داخل إيران.

إن تحالفًا بين إيران وطالبان لن يكون بمثابة ردع متبادل في مواجهة داعش فقط، بل يمكن أن يكون بمثابة ورقة مساومة في علاقات طهران مع الحكومة الجديدة في كابول، التي لم تلاحظ علامات تأييدها للهجمات الجوية السعودية ضد الشيعة في اليمن بالشكل الكافي، إن دعم مجموعة سنية أصولية يمكن أن يظهر أن طهران ليست في حرب ضد المسلمين السنة.

خلال فترة النظام الطالباني في أواخر 1990، اتهمت طالبان بارتكاب مذابح في “الهازارا”، وهي أقلية شيعية موجودة في أفغانستان، حيث اتهموا بقتلهم وحرق قراهم خلال تقدم طالبان باتجاه المناطق الشمالية في البلاد، لكن منذ الإطاحة بطالبان، تجنبت الحركة النغمة الطائفية والعرقية في أطروحاتها.

العنف الطائفي

وفي الواقع، أدانت طالبان علنًا العنف ضد الشيعة، عندما تم اختطاف 5 من الشيعة وقتلهم في المنطقى الوسطى في البلد في 17 أبريل، قام المسؤولون المحليون بلوم طالبان، لكن بيان طالبان رفض هذه الاتهامات في اليوم اللاحق، حيث قال أن “إدارة كابول” وبعض وسائل الإعلام هم من يشعلون العنف الطائفي، وأضاف البيان أن مسلحي طالبان على الأرض حاولوا إيجاد وإنقاذ “أبناء الهزارة لدينا”، لكنهم قتلوا قبل أن ينجحوا في إنقاذهم.

إضافة إلى ذلك، عندما تم اختطاف 31 راكبًا من الهزارة على الطريق السريع الواصل بين كابول وقندهار في بداية هذه السنة، (19 منهم أطلقوا في تبادل للسجناء لاحقًا)، نفت طالبان بشدة وقوفها وراء عملية الاختطاف، حتى أن بيان طالبان الشهر الماضي قال أن المسلحين التابعين لطالبان قاموا بتحويل طريق قافلة الهزارة من أجل حمايتهم من تبادل لإطلاق النار بين المقاتلين التابعين لها وبين القوات الحكومية في المنطقة الجنوبية.

وبالرغم أنه من الصعب إثبات أن الموجة الأخيرة من الهجمات ضد الهزارة والشيعة هي من عمل أتباع داعش أو عمل عناصر منشقة عن طالبان تعمل بدون أوامر من القيادات، فإن مواقف طالبان العامة من الأحداث جديرة بالملاحظة.

وخلال الشهور الماضية، بدا أن طالبان تقوم بتخفيف موقفها العدائي السابق تجاه إيران والأقلية الشيعية.

عندما بدأت السعودية غاراتها الجوية ضد الحوثيين، المجموعة الشيعية في اليمن والمدعومة من إيران، قامت كل الدول السنية بما فيها الحكومة الأفغانية بدعم هذه العمليات، في حين لم تقم جماعة مسلحة بقيادة “قلب الدين حكمتيار” (والذي شن حربًا على حدة ضد حكومة كابول) بدعم التدخل السعودي فقط، إنما أظهر استعدادًا لإرسال مقاتلين لدعم العمليات هناك بقيادة السعودية، وعلى الرغم من أن السعودية كانت إحدى الدول الثلاث الذين اعترفوا سابقًا بنظام طالبان في 1990، إلا أن طالبان حتى الآن لم تعلن موقفًا رسميًا بشأن الحرب في اليمن.

في حين أن العرض العلني كان للتعاون بين إيران وطالبان، إلا أن الاثنين تعاونا في السابق سرًا، ففي 2007، قام المسؤولون في الشرطة الحدودية الأفغانية في محافظة هرات غرب البلاد بإظهار ألغام أرضية مصادرة ذات علامة تجارية إيرانية كانت متجهة إلى حركة طالبان في أفغانستان، حيث ألقوا باللوم على إيران بتدريب طالبان قرب مدينة مشهد المقدسة الإيرانية.

في نفس العام، قام مسؤولون بالناتو باتهام طهران بإمداد طالبان بقنابل خارقة للدروع، هذا السلاح الذي اتهمت إيران بإرساله إلى المتمردين العراقيين المحاربين للقوات الأمريكية، وقام كلا الجانبين لاحقًا بنفي التهم.

إن التقارب العام المتعلق بالعلاقات بين إيران وطالبان يثبت شيئًا واحدًا، أنه في مواجهة عدو مشترك – في هذه الحالة هي داعش – يمكن للغرماء الذين يحملون أيديولوجيات راديكالية متعارضة أن ينحوا خلافاتهم جانبًا، من أجل المصالح الوطنية ومصالح المجموعات.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد