يحكي ديفيد فرايبرج، وهو طبيب مختص وأحد مؤسسي منظمة إنفجن كايندنِس الخيرية، عن تجربته مع العمل التطوعي وأثره فيه، ويسرد بعض النتائج العلمية التي تشير إلى أن التطوع يجعلنا أشخاصًا أفضل، من الناحية الصحية.

يذهب فرايبرج من أجل التطوع في مركز لتوزيع الطعام على المحتاجين مرة كل شهر، ويستهل مقاله الذي نشره موقع «سايكولوجي توداي»، قائلًا: يُعد تحضير العشاء وتقديمه نشاطًا جماعيًّا مجهدًا لفريق مكون من خمسة إلى ستة أشخاص، لكنه أيضًا ممتع، يُنظم برعاية شخصيتين كريمتين. وعلى الرغم من وجود أشياء أخرى عديدة يجب علي القيام بها، فإنني أتطلع حقًّا للقاء المحتاجين وخدمتهم، حتى لو لفترة وجيزة.

يتابع فراييرج قائلًا: على الرغم من أن دافعي في البداية كان الرغبة في مساعدة الآخرين والشعور بالامتنان لما حصلت عليه، فإن البهجة هي ما كانت تعيدني مرة أخرى، حتى وأنا مشغول جدًّا. لاحظت ذلك لأول مرة في وقت سابق، عندما انتهت ساعات عملنا بعد تنظيف المطبخ وصالة الطعام، أتذكر ما اختبرته من شعور بالخفة والرضا، والعودة للاتصال بالغاية. إنه فقط شعور جميل.

أثر الإحسان لا يزول

يشير الكاتب إلى المصطلح الذي صاغه آلان لوك «متعة المحسنين»، وهو الشعور بالانشراح الذي يختبره الإنسان فور مساعدة شخص آخر.

يُعَرِّف لوك – مؤلف كتاب قدرة فعل الخير على الشفاء– طورين لهذا الشعور: يتميز الأول بالشعور المتنامي بالانشراح، بينما يتميز الآخر بشعور يدوم لفترة أطول، وهو الشعور بالطمأنينة. وقد كان الأثر الأعظم (المتعة) يتجلى في خدمة الغرباء.

Embed from Getty Images

عندما كان فرايبيرج يجري أبحاثه قبل عدة سنوات حول أثر الإحسان في الصحة، خلُص إلى أن التطوع كان مرتبطًا بتراجع ملحوظ في خطر الموت.

ووفقًا للدراسة، فإن الانخفاض في معدل الوفيات تراوح بين 20– 60% وهي نسبة ضخمة، تقارب نسبة الأثر الناتج من تنقية مياه الشرب. فبعد إدخال تقنية تنقية مياه الشرب ومعالجتها بالكلور في بدايات القرن العشرين، انخفض معدل الوفيات الناجمة عن المياه الملوثة بحوالي 15– 20%.

جاءت الملاحظات على أثر التطوّع من الدراسات الوبائية التي تتابع السكان لفترات زمنية طويلة. يقول فرايبيرج بأن هذه الدراسات معقدة من حيث إن الناس يعيشون حياتهم، وهناك العديد مما يسمى (المتغيرات المتداخلة) وهي أشياء مختلفة تحدث في الوقت ذاته، فعلى سبيل المثال: الناس يتزوجون أو يطلقون، يحصلون على وظائف أو يخسرونها، وقد يتوقفون عن التدخين أو يأكلون ويمارسون الرياضة بشكل أفضل.

في دراسة من هذا النوع يصعب تحديد السبب والنتيجة، أي إن المتطوعين قد يعيشون لفترة أطول ببساطة لأنهم يتمتعون بصحة جيدة، ولديهم القدرة على العمل التطوعي. ومن الممكن أيضًا أن لديهم مصادر دخل أخرى تجعلهم لا يضطرون للعمل في وظيفتين؛ وبالتالي، يصبح لديهم وقت أكثر للتطوّع.

يقول فراينبيرج بأن العلماء يستطيعون العمل على ضبط هذه الأحداث الحياتية المختلفة، وتشير الدراسات – باتساق معقول- إلى أن أثر العمل التطوعي يبقى بعد هذه التعديلات، وتتبعهم بمرور الوقت يدعم فكرة أن العمل التطوعي يقلل الوفيات.

كما وجدت دراسة أوروبية حديثة وموسعة أن النتائج المسجلة للتقارير الصحية المقدمة شخصيًّا كانت أفضل بكثير في حالة المتطوعين منها في الأشخاص الذين لا يتطوعون. وكانت الفروقات في النتائج تقارب الخمس سنوات زيادة في العمر.

إيراداتها مليارات الدولارات.. أهم 10 جمعيات خيرية في العالم طبقًا لحجم التبرعات

كيف يؤدي التطوع إلى انخفاض خطر الموت؟ 

هناك العديد من العوامل المؤثرة؛ أولها وأكثرها أهمية، هو: المزاج الجيد الذي يقلل من التوتر. فالكثير من الدراسات قدمت دلائل على أن للعمل التطوعي أثرًا جيدًا في حالات الاكتئاب، والسعادة، والشبكات الاجتماعية ضمن مؤثرات أخرى. يقول فراينبيرج بأن هذا يتوافق تمامًا مع ملاحظات لوك ومع تجربتي المصغرّة.

عامل آخر: أن المتطوعين بانتظام يبذلون جهدًا أكبر للعناية بأنفسهم. يتجلى ذلك في زياراتهم لأطبّائهم من أجل الرعاية الصحية الوقائية، فربما شبكاتهم الاجتماعية تحثهم ليفعلوا ذلك.

أخيرًا: ربما يكون مستوى النشاط البدني أعلى لدى المتطوعين، كما وجدت تجربة بالتيمور التي درست أثر التطوّع في كبار السن. وبحسب الدراسة، كانت هناك زيادة في معدل المشي اليومي لدى السيدات (وليس الرجال) المتطوعات مقارنة بالسيدات اللاتي لا يتطوعن.

لربط ما سبق معًا، يقول فايرنبيرج: من المحتمل أن يتجلى الأثر الإيجابي للعمل التطوعي في الصحة من خلال ربط الأفراد بأشخاص آخرين، وأيضًا بنشاط يجدونه ذا معنى. فتحقيق التواصل، والغاية، والمعنى أمر مهم للتقليل من ضغوطات الحياة، ومن الوحدة تحديدًا.

وحيث إن التوتر هو سبب رئيسي للأمراض، خاصة أمراض القلب، فإن القدرة على إشباع الرغبة في التواصل، والوصول إلى الغاية والمعنى يمكن أن يحمل معه تغييرات مفيدة وفعّالة للناس. فعندما تكون هناك غاية ونحن مرتبطون بالآخرين، فإننا نعتني بأنفسنا.

يشير الكاتب إلى أن معظمنا سمع بالحكمة القديمة التي تقول بأن العطاء يفيد المعطي أكثر من الآخذ، ويستشهد بآية من الإنجيل تقول: «سيفلح الرجل الكريم، فمن ييسر على الآخرين، يجد اليسر».

ويضيف: إذا نظرنا إلى هذا القول من وجهة نظر مادية صرفة، فإنه يستعصي على الفهم. ولكن إذا نظرنا إليه من وجهة نظر روحانية والآن بيولوجية، فهو منطقي تمامًا. حتى قبل سنوات عديدة فهم أسلافنا هذا المعنى دون التقنيات العلمية الحديثة.

وإذا كان 25% من سكان الولايات المتحدة يتطوعون، فماذا يمكن أن يحدث لو استطعنا أن نزيد هذه النسبة؟ كما يتساءل فلاينبرج، ليجيب في الختام: إذا لم تستطع أن تتطوّع الآن، ولكنك تريد أن تحصل على هذا الشعور الجيد، انظر إلى صور الإحسان والرحمة والحب الذي ينشرها العمل التطوعي، أو اخرج أنت بنفسك والتقط صورًا له، فنحن نؤمن بأن حتى رؤية الإحسان ستعطيك هذا الشعور.

معاناة المسنين في مصر.. رحلة قاسية للبحث عن «الونس» ومواجهة «خريف الحياة»

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد