حقائق صادمة عن الوضع البائس للأطفال في أمريكا الذي لا يتحدث عنه أحد، يكشفها مقال للكاتب بول كروجمان، في صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية، استهله بالحديث عن أحد المراسلين الذي طرح عليه سؤالًا، وصفه بالجيد، مفاده: «ما هي القضية المهمة التي لا نتحدث عنها؟»، وبعد قدر من التأمل والتدبر، كانت إجابة كروجمان: «حالة الأطفال في أمريكا».

سياسات رعاية الأطفال بائسة

يقول كروجمان، الأستاذ في مركز الدراسات العليا بجامعة سيتي في مدينة نيويورك: الآن، ليس من الإنصاف أن نقول إننا نتجاهل محنة أطفالنا تمامًا. فالسيدة إليزابيث وارن، السيناتور الديمقراطي في مجلس الشيوخ الأمريكي عن ولاية ماساتشوستس، وأحد المتنافسين لخوض انتخابات الرئاسة الأمريكية (انسحبت وارن من السباق الرئاسي بعد نشر التقرير)، وضعت خطة شاملة ومميزة وممولة بالكامل لرعاية الأطفال.

مجتمع

منذ سنة واحدة
لماذا تحظر أوروبا بعض الأطعمة في حين تجيزها الولايات المتحدة؟

ويقول بيرني ساندرز، السيناتور الديمقراطي عن فيرمونت، والمرشح المحتمل في انتخابات الرئاسة الأمريكية: إنه يتصدى للمشكلة ذاتها، لكنه لم يقدم أية تفاصيل. وجميع مرشحي الرئاسة الديمقراطيين الآخرين يدعمون بذل المزيد من الجهد من أجل الأطفال.

ثم يستدرك الكاتب: «لكن السياسة المتبعة تجاه الأطفال جذبت اهتمامًا إعلاميًا أقل بكثير من الجدل الدائر حول برنامج «الرعاية الصحية للجميع»، والذي لن يصبح حقيقة في أي وقت قريب، ناهيك عن ما يسمى بـ«جدل» وارن وساندرز. وأعتقد أنه حتى الناخبين واسعي الاطلاع لم يكن لديهم إدراك يُذكر عن الحالة الاستثنائية الكئيبة الخاصة بسياسات أمريكا الموجهة نحو الطفل، والتي تعتبر بائسة وأشبه بما ورد في روايات الروائي الإنجليزي تشارلز ديكنز عن بؤس الأطفال، مقارنة بسياسات كل الدول المتقدمة الأخرى».

فكل دولة متقدمة تقدم شكلًا من أشكال الإجازة المدفوعة للأمهات الجدد، عادة ما تكون ثلاثة أو أربعة أشهر مدفوعة الأجر، ما عدا أمريكا، التي لا تقدم إجازة أمومة (رعاية طفل) على الإطلاق.

وتخصص معظم البلدان المتقدمة مبالغ كبيرة باعتبارها مزايا للأسر التي لديها أطفال؛ ويتراوح متوسط ​​قيمة هذه المزايا، في أوروبا مثلًا، بين اثنين وثلاثة في المائة من إجمالي الناتج المحلي، في حين يصل الرقم المقابل لدى الولايات المتحدة إلى 0.6 (أكثر قليلًا من نصف) في المائة من إجمالي الناتج المحلي.

أطفال أمريكا مكب للنفايات الغذائية

ويضيف الكاتب أنه حتى عندما تساعد الولايات المتحدة الأطفال، فإن جودة هذه المساعدة تميل إلى أن تكون فقيرة. وعُقدت مقارنات عدة بين وجبات الغداء التي تقدم في المدارس الفرنسية والأمريكية: فأظهرت أن تلاميذ المدارس الفرنسية يتناولون وجبات صحية؛ في حين يُعامل الأطفال في أمريكا أساسًا كما لو كانوا مكبًا للتخلص من نفايات المزرعة.

Embed from Getty Images

ويتابع الكاتب: «أما ما يلفت النظر بشكل خاص فهو التناقض بين الطريقة التي نعامل بها أطفالنا والطريقة التي نتعامل بها مع مواطنينا المسنين. فرغم أن الضمان الاجتماعي ليس بكل هذا السخاء – وهناك حجة جيدة لتوسيع مظلته – لكنه لا يعتبر  سيئًا للغاية إذا ما قورن مع أنظمة التقاعد في البلدان الأخرى. أما الرعاية الطبية، فتنفق بالفعل ببذخ مقارنة بأنظمة التأمين الفردي القائمة في أماكن أخرى».

الأطفال ليس لهم صوت انتخابي

يخلص الكاتب إلى أن رفض أمريكا مساعدة الأطفال ليس جزءًا من معارضة واسعة للبرامج الحكومية. ويوضح سبب التركيز على الأطفال، على وجه الخصوص، لما يتعرضون له من معاملة قاسية للغاية. فما السبب في ذلك؟

الجواب، في تصوره، يتجاوز حقيقة أنه لا يمكن للأطفال التصويت في الانتخابات، في حين أن كبار السن يمكنهم الإدلاء بأصواتهم، بل هناك أيضًا التفاعل السام بين العداء العنصري والتحليل الاجتماعي السيئ.

وفي هذه الأيام، يتأثر الدعم السياسي للبرامج التي تساعد الأطفال بكل تأكيد بحقيقة أن أقل من نصف السكان الذين تقل أعمارهم عن 15 عامًا هم من البيض المنحدرين من أصول غير هسبانية (الأمريكان من أصول لاتينية وإسبانية).

ولكن حتى قبل أن تغير الهجرة المشهد العرقي في أمريكا، كان هناك تصور واسع الانتشار بأن برامج مثل «المعونة للأسر التي تعول أطفالًا» ساعدت أساسًا هؤلاء الأشخاص.

وهذا التصور قوض دعم الإنفاق على الأطفال. ويتماشى ذلك مع اعتقاد سائد بأن تقديم المساعدة إلى الأسر الفقيرة أوجد ثقافة التبعية، والتي بدورها كانت السبب وراء الانهيار الاجتماعي في قلب المدن الأمريكية.

واستجابة لهذا النقد ولو بشكل جزئي، كانت المساعدات المقدمة للعائلات، على النحو الذي هي عليه، ترتبط ارتباطا متزايدًا بمتطلبات العمل، أو اتخذت شكل أشياء مثل الائتمان الضريبي على الدخل المكتسب، المرتبط بالأرباح.

وكانت النتيجة انخفاض المساعدة المخصصة للأطفال الفقراء الذين هم في أمس الحاجة إليها.

الخلل الاجتماعي ونقص الوظائف

ويتابع الكاتب: «في هذه المرحلة، أدركنا أن التفسيرات الثقافية للانهيار الاجتماعي كانت كلها خاطئة. وكان رأي عالم الاجتماع وليام يوليوس ويلسون منذ فترة طويلة أن الخلل الاجتماعي في المدن الكبرى لم يكن سببه الثقافة، ولكن سببه اختفاء الوظائف الجيدة. وجرى تبرير هذا الوضع بما حدث لكثير من الأراضي الأمريكية التي عانت من اختفاء مماثل في الوظائف الجيدة، وارتفاع مماثل في الخلل الوظيفي الاجتماعي».

ويرى الكاتب أن «ما يعنيه هذا هو أننا أنشأنا نظامًا شريرًا في الأساس لا يستطيع الأطفال بموجبه الحصول على المساعدة التي يحتاجونها إلا إذا وجد آباؤهم وظائف غير موجودة أصلًا. وهناك مجموعة متزايدة من الأدلة تؤكد أن هذا النظام مدمر وقاسٍ».

ووجدت دراسات متعددة أن برامج شبكة الأمان للأطفال لها عواقب ضخمة طويلة المدى. فالأطفال الذين يتلقون التغذية والرعاية الصحية الكافية ينمون ويصبحون بالغين وفي حالة صحية وإنتاجية أفضل. وبالإضافة إلى الجانب الإنساني من هذه المزايا، هناك عائد نقدي يتمثل في أن البالغين الأصحاء هم أقل احتياجًا إلى تلقي معونة عامة، ومن المحتمل أن يدفعوا فيما بعد المزيد من الضرائب.

ومن المبالغة الادّعاء بأن مساعدة الأطفال تمول نفسها، بحسب الكاتب لكن هذا الرأي يقترب أكثر من مفهوم إجراء التخفيضات الضريبية للأثرياء. ومن ثم، يجب الحديث أكثر عن مساعدة أطفال أمريكا. فلماذا لا يحدث هذا؟

يتابع الكاتب: يقع جزء من اللوم على الأقل على بيرني ساندرز، الذي جعل من برنامج توفير الرعاية الطبية للجميع (Medicare for All) اختبارًا خالصًا متطورًا وهدفًا براقًا تلهث وراءه وسائل الإعلام على حساب السياسات الأخرى التي يمكن أن تحسن حياة الأمريكيين تحسينًا كبيرًا، ومن المرجح أن تصبح قانونًا. ولكن رغم كل هذا، لم يفت الأوان لإعادة التركيز على اهتماماتنا.

وفي الختام يقول الكاتب الذي فاز بجائزة نوبل التذكارية في العلوم الاقتصادية لعام 2008 عن مؤلف له عن التجارة الدولية والجغرافيا الاقتصادية: «أيا ما كان المرشح الديمقراطي للانتخابات الرئاسية القادمة، آمل أن يمنح، هو أو هي، معاملة دولتنا المخزية للأطفال ما تستحقه من اهتمام».

مجتمع

منذ 11 شهر
«الإندبندنت»: 260 مليون طفل لا يلتحقون بالمدارس.. لماذا لا يهتم العالم؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد