كتب الدكتور عمرو حمزاوي مقالًا في موقع «ميدل إيست آي» بمناسبة مرور سبع سنوات على الانتفاضة الشعبية التي أنهت حكم الرئيس السابق حسني مبارك، يحلل فيه أسباب فشل مصر في التحول الديمقراطي والأخطاء التي تسببت في ذلك.

ويقول حمزاوي: بعد استقالة مبارك، فشل دعاة التغيير الديمقراطي الرئيسيون في مصر في خلق توافقًا سياسيًّا حول كيفية الإدارة السياسية للتقدم في المسار الديمقراطي. وسرعان ما اختلفوا على مستويين: أولًا، ظهرت الخلافات المتعلقة بالهوية واكتسبت قوة. وثانيًا، لم يتمكنوا من ملء الفراغ السياسي الذي خلفه رحيل مبارك بسهولة.

اقرأ أيضًا: «إيكونوميست»: دائمًا يُقلق المستبدين.. هل سينجو الإسلام السياسي في عالم معاصر؟

كيف انجرفت جماعة الإخوان المسلمين؟

بين عامي 2011 و2013 -يروي حمزاوي- كان النقاش الرئيسي حول الدولة المدنية مقابل الدولة الدينية. ويُستخدم مصطلح الدولة المدنية هنا بدلًا عن مصطلح الدولة العلمانية بسبب الدلالات الخاصة لكلمة «علمانية» في مصر، فمعظم السياسيين والناشطين الليبراليين واليساريين لم يجرؤ على استخدامها. لذلك كانت كلمة السر مدنية.

في إطار محاور النقاش حول الدولة المدنية مقابل الدولة الدينية، كانت جماعة الإخوان المسلمين تنحسر بشكل متزايد مع السلفيين، وبذلك كانت الحركة تنجرف أكثر فأكثر نحو الانتماءات الدينية. وهذا يفسر لماذا انتهى دستور عام 2012 بإضافة المادة 219، التي تعرّف المبادئ الأساسية للشريعة مصدرًا للتشريع بطريقة محددة.

طوابير الناخبين في الاستفتاء على التعديل الدستوري عام 2011

وكان الانجراف من جماعة الإخوان المسلمين عملية داخلية داخل الحركة، فضلًا عن المسار المفروض عليهم خارجيًّا بسبب الطبيعة المتصاعدة للجدال الدائر حول الدولة المدنية مقابل الدينية. على الجانب الآخر، كان الليبراليون واليساريون، الذين كانوا يؤيدون قضية الدولة المدنية (العلمانية) ينجرفون في اتجاه مقاطعة الحوار مع جماعة الإخوان المسلمين.

ويقول حمزاوي: أُجريت بعض جولات الحوار –كنت حاضرًا في معظمها– ولم يكن هناك ثقة تذكر بين الأطراف المعنية؛ فاليبراليون واليساريون المصريون كانت لديهم شكوك عميقة في جماعة الإخوان المسلمين. ولم يثقوا بالسلفيين بسبب خطابهم الراديكالي ومواقفهم السياسية. ومع ذلك، فإن انعدام الثقة المتنامي باتجاه الإخوان المسلمين کان الأکثر خطورة.

اقرأ أيضًا: «مصر تحارب الكتب».. «ذي أتلانتك» ترصد الحرب المصرية على المثقفين

غياب الرؤية

القضية الرئيسية الثانية التي بدأت مباشرة بعد 11 فبراير (شباط) 2011 هي الفراغ السياسي الذي خلفه تنحي مبارك. احتاج الليبراليون واليساريون، وكذلك الناشطون مؤيدو الديمقراطية، إلى تكوين رؤية لكيفية إدارة الانتقال الديمقراطي المنظم في مصر، ولكن لم يفعل أحد ذلك.

كان من الواضح للجميع في ذلك اليوم أن أركان السلطة ومؤسساتها الرئيسية للنظام الاستبدادي، مثل الأجهزة الأمنية، لم تختفِ. وكان مبارك الوحيد الذي سافر إلى شرم الشيخ.

ربما فقد عدد قليل من مؤسسات النظام الاستبدادي التوازن بعد الانتفاضة الديمقراطية. ومع ذلك فإن معظمها بقت تعمل بشكل طبيعي. في ذلك الوقت، كانت الجهات السياسية الفاعلة يائسة من تكوين رؤية سياسية حول كيفية انتقال مصر بشكل ديمقراطي، وبناء توافق سياسي واجتماعي حولها.

في غياب الحوار، يتطلعون إلى بعضهم البعض بالريبة، ولا يعرفون كيفية التفاوض مع حراس النظام الاستبدادي، فشل مؤيدو الديمقراطية بشكل فادح.

في الأسابيع القليلة فقط بين 11 فبراير 2011 وعقد أول استفتاء دستوري في 19 مارس (آذار) 2011، كانت هناك محاولات للاتفاق على رؤية أيديولوجية. التقى محمد البرادعي مع كبار قادة جماعة الإخوان المسلمين. بدأت مجموعة من الإسلاميين والليبراليين واليساريين والسياسيين والمثقفين الوطنيين الاجتماع في مقر حزب الوسط لمناقشة خارطة طريق انتقالية (كنت مشاركًا في هذه المجموعة).

تظاهرة معارضة لتعديل الدستور- مارس 2011

وشملت محمد البلتاجي من جماعة الإخوان المسلمين، وعصام سلطان من حزب الوسط، وأشرف ثابت من الحركة السلفية التي شكلت فيما بعد حزب النور، وحمدين صباحي، وأمين إسكندر من الناصريين، وجورج إسحق من حركة كفاية، وليبراليين مستقلين مثل هاني سري الدين، وعمرو الشوبكي.

ولكن كُشف الصدع الأساسي بين الإسلاميين من جهة، والجماعات الليبرالية واليسارية من جهة أخرى عند إجراء استفتاء على التعديلات الدستورية بعد أسابيع قليلة من تنحي مبارك.

ويلفت حمزاوي إلى أن الرأي الذي سيطر على صفوف النشطاء قبل يناير (كانون الثاني) وانتفاضة ما بعد يناير لم يكن يتعلق بتعديل الدستور القديم؛ بل إن الأمر كان يتعلق بصياغة مشروع جديد.

لذلك، حدث الصدع الأول. وقد رأى الليبراليون واليساريون أن جماعة الإخوان المسلمين والسلفيين يقفون مع المؤسسة العسكرية، وهي أقوى مؤسسة للنظام الاستبدادي، والتي حافظت على معظم قوتها، لتمرير مجموعة من التعديلات، والإسراع بإجراء الانتخابات البرلمانية.

اقرأ أيضًا: المخابرات المصرية.. أذرع السيسي الناجحة في 5 دول عربية

تأجيج الخلاف الأيديولوجي

كانت جميع الجهات السياسية ترفض هذا المسار إلا الإسلاميون. والواقع أن هناك بعض الأسس الموضوعية لإجراء الانتخابات البرلمانية في أسرع وقت ممكن، لشغل الفراغ التشريعي الذي نشأ بعد ثورة يناير، ولعدم ترك السلطة التشريعية في يد المجلس الأعلى للقوات المسلحة.

ومع ذلك، وبسبب انخراط الليبراليين واليساريين في صراعات أيديولوجية مع الإسلاميين؛ زاد انعدام الثقة على كلا الجانبين، فمعظم السياسيين والمفكرين والناشطين في المعسكر العلماني لم يدركوا أهمية إنشاء هيئة تشريعية منتخبة، ولم يجرؤ أي شخص منهم على الخروج من هذه المنطقة.

طوابير الناخبين في الاستفتاء على التعديل الدستوري عام 2011

أُجري الاستفتاء، وحصلت المؤسسة العسكرية، وجماعة الإخوان المسلمين والسلفيون على النتائج المرجوة. وصوت ما يقرب من 80% من الأصوات للموافقة على التعديلات الدستورية، بينما عارضه 20%. كانت أخبار النتائج مروعة لليبراليين واليساريين والثوريين العلمانيين. واتضح أننا أقلية ضئيلة، ولسنا جزءًا لا يتجزأ من النسيج السياسي والاجتماعي كما كنا نتخيل أو نأمل.

وجاء الصدع الرئيسي الثاني بعد إعلان نتائج الاستفتاء الدستوري في مارس (آذار) 2011. إذ قررت المجموعات الليبرالية واليسارية والعلمانية الثورية عدم الاعتراف بنتائج الاستفتاء. عدد قليل من الأصوات داخل المعسكر العلماني –وأنا منهم– قال إن علينا احترام نتائج الاستفتاء الذي شارك فيه ما يقرب من 50% من الناخبين المصريين.

لقد قلت بأننا ذهبنا إلى مراكز الاقتراع وخسرنا، وأنه إذا كنا سنلتزم بأي إجراءات انتخابية وبالقواعد الديمقراطية، فإن نتيجة استفتاء عام 2011 يجب احترامها، فضلًا عن الجدول الزمني الذي يحدده الفترة الانتقالية. لم يعد هذا هو الجدول الزمني الذي كنا نريده لصياغة دستور جديد يليه الانتخابات البرلمانية والرئاسية، ولكن الناخبين اختاروا الدستور المعدّل الذي كان يتبعه الانتخابات البرلمانية والرئاسية، ودستور جديد بعد انتخاب جمعية تأسيسية بواسطة البرلمان.

ومع ذلك، كانت أصواتنا أقلية صغيرة داخل المعسكر العلماني.

واختتم حمزاوي مقاله قائلًا إن تعثر مصر في التحول الديمقراطي بدأ عند الفشل في التوصل إلى توافق حول كيفية الإدارة السياسة بعد 11 فبراير 2011. الخلافات بين الإخوان المسلمين، والجماعات الليبرالية واليسارية دفعت الأولى نحو السلفيين، وزودت الشكوك لدى العلمانيين تجاه الإسلاميين.

وهذا بدوره دفع الإخوان المسلمين إلى التحالف مع المؤسسة العسكرية. ونتيجة لذلك توقفت المجموعة عن الاهتمام بالحوارات الأيديولوجية. وقد تفاقم هذا الصدع بسبب رفض العلمانيين الالتزام بنتيجة الاستفتاء الدستوري؛ مما جعل جماعة الإخوان المسلمين تفقد الثقة في الليبراليين واليساريين في المقابل.

***

عمرو حمزاوي: درَس العلوم السياسية والدراسات المتطورة في القاهرة، ولاهاي، وبرلين. كان مؤخرًا أستاذًا مشاركًا للعلوم السياسية في جامعة القاهرة، وأستاذًا في السياسة العامة بالجامعة الأمريكية في القاهرة. بين عامي 2016 و2017، كان حمزاوي زميلًا بارزًا في برنامجي الشرق الأوسط والديمقراطية وحكم القانون، في معهد كارنيجي للسلام الدولي في واشنطن.

تركز أبحاث حمزاوي ومنشوراته الأكاديمية على العملية الديمقراطية في مصر، والنقاشات المعاصرة في الفكر السياسي العربي. يعِد الدكتور عمرو حمزاوي حاليًا كتابه حول السياسات المصرية المعاصرة بعنوان «السلطوية الجديدة في مصر». كان حمزاوي عضوًا في مجلس الشعب بعد انتخابه في الانتخابات التشريعية الأولى في مصر بعد ثورة 25 يناير.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد