رمز الإعجاب ورمز التصفيق ورمز القلب، رموز دخلت عالمنا المُعاصر بقوةٍ وانتشرت كالنار في الهشيم على الشبكات الاجتماعية وتطبيقات المراسلة. لكنَّ تلك الرموز التعبيرية – وإن تشابهت – تنطوي على معانٍ مختلفة باختلاف الثقافات والأديان واللغات والمناطق الجغرافية، حسبما ذكر الكاتب أليكس رولينجز في تقريره الذي نشرته هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي».

يوضح الكاتب أنَّنا كبشر نعاني صعوبةً بالغة للتعبير عن مشاعرنا في الأحداث المصيرية، كأيام الزفاف على سبيل المثال، لكن حين اقترب موعد زفاف أندي موراي، بطل ويمبلدون والأولمبياد في لعبة التنس، تمكَّن من التعبير عن تلك المشاعر بدقةٍ في تغريدةٍ أثارت مشاعر العالم. وأهم ما ميَّز تلك التغريدة هو حقيقة أنَّه لم يستخدم الكلمات، بل كتب كل شيءٍ باستخدام الرموز التعبيرية.

يرى رولينجز أنَّ تغريدة موراي بشَّرت جزئيًا بظهور شكلٍ جديدٍ تمامًا من أشكال التواصل؛ إذ وصف يومه بالكامل بدايةً من استعداده في الصباح والطريق إلى الكنيسة والخواتم والصور والاحتفالات والشراب، ووصولًا إلى الحب واحتياجه الكثير من النوم. كانت هذه هي نهضة الرموز التعبيرية، والتي ما لَبِثَ أساتذة اللغويات مثل فيفيان إيفانز، مؤلف كتاب The Emoji Code: The Linguistics behind Smiley Faces and Scaredy Cats، أن أعلنوها «أول شكلٍ عالميٍ حقيقيٍ من أشكال التواصلٍ بلا منازع»، ووصل بهم الأمر إلى وصفها بـ«اللغة العالمية الجديدة».

كيف تؤثر الوجوه التعبيرية «الإيموجي» في جماعات الضغط وصنّاع القرار؟

 

لذا حين عُيَّنت شركة «توداي ترانسليشنز» كيث بروني، خبير علم نفس الأعمال، أول مُترجمٍ للرموز التعبيرية في العالم عام 2017، طرح هذا الأمر سؤالًا صعبًا. وبحسب رولينجز فإنَّ هذا السؤال هو: إذا كانت الرموز التعبيرية أول لغةٍ عالميةٍ مشتركة بالفعل، فلماذا سيرغب أي شخصٍ في ترجمتها؟

يُوضِّح بروني أنَّ السبب الكامن وراء ذلك، بخلاف الضجة التي أثارتها الرموز التعبيرية، هو أنَّها ليست «عالميةً» في جوهرها، وليست «لغةً» حقيقية. عوضًا عن ذلك تُعتبر «وسيلةً لغويةً على أقصى تقدير، تُستخدم لاستكمال لغتنا». بعبارةٍ أخرى، لا تُشكِّل الرموز التعبيرية لغة تواصلٍ بين طرفين، ولا يُمكنها أن تُشكِّل أمرًا مشابهًا. وبدلًا عن ذلك، تُستخدم كوسيلةٍ لتعزيز النصوص ورسائل الشبكات الاجتماعية، كنوعٍ من علامات الترقيم الإضافية.

ويُضيف رولينجز أنَّ هذا ليس تقليلًا من القيمة التي تُقدِّمها الرموز التعبيرية؛ إذ يُؤمن بروني أنَّ الرموز التعبيرية في عالمنا المعاصر تَحُلُّ المشكلات التي صاحبت الكلمات والنصوص منذ قديم الأزل. فالقيود الكامنة في الحروف المكتوبة حرمت جميع الناس – عدا أمهر الكُتَّاب – من القدرة على التعبير عن الفروقات الدقيقة ونبرة الصوت والمشاعر في مراسلاتهم.

لكنَّ الرموز التعبيرية تُتيح الآن الفرصة أمام كتاب رسائل البريد الإلكتروني أو مُرسِلي الرسائل النصية القصيرة أو الناشرين على الشبكات الاجتماعية ليُضفوا انطباعًا عاطفيًا على سياق رسائلهم، بغرض التعبير عن مشاعرهم. وباستخدام الرموز التعبيرية، يُمكنهم فعل ذلك بسهولةٍ وبصورةٍ طبيعية كأنَّك تستخدم تعبيرات وجهك وإشاراتك أثناء الحديث مع شخصٍ وجهًا لوجه.

Embed from Getty Images

ويرى تقرير «بي بي سي» أنَّ زيادة شعبية الرموز التعبيرية لم يكن مصادفةً أيضًا. فحين أضحى تواصلنا عبر الوسائل الإلكترونية أقصر وأسرع وأشبه بجملٍ قد نُقولها أثناء أحاديثنا، تزايدت الحاجة لإضفاء مشاعرنا وعواطفنا على تلك الرسائل بطرقٍ أخرى. وبدون الابتسامة المُرافقة أو نبرة الصوت المتعاطفة، نُخاطر بإساءة فهم رسالتنا ذات السطر الواحد على أنَّها سلبيةٌ أو مُتسلِّطةٌ أو حتى وقحة.

لكنَّ الاعتماد بكثرةٍ على الرموز التعبيرية لسد تلك الفجوة يتسبب في مشاكلٍ من نوعٍ آخر. إذ يُمكننا جميعًا الوصول إلى نفس الرموز التعبيرية تقريبًا باستخدام لوحة مفاتيح هاتفنا الذكي، لكن ما نعنيه باستخدام تلك الرموز يختلف باختلاف الثقافة واللغة والجيل.

ففي حين يُعَدُّ رمز الإبهام إلى الأعلى علامةً على الموافقة في الثقافة الغربية، لكنَّه يُفسَّر تقليديًا في اليونان والشرق الأوسط على أنه رمزٌ سوقيٌ ومُهينٌ أحيانًا.

ويُورد رولينجز مثالًا آخر؛ إذ يعَدُّ رمز الملاك في الصين إشارةً إلى الموت أو التهديد في بعض المواقف، رغم أنَّه يُوحي في الغرب بالبراءة أو صُنع المعروف.

وكذلك يُستخدم رمز التصفيق في الغرب لإظهار الثناء أو تقديم التهاني، لكنَّه يُعتبر إشارةً لممارسة الحب في الصين؛ لأن التصفيق يُصدر أصواتًا مرتبطة لدى الصينيين بهذا الأمر.

لكنَّ الأكثر غرابةً في الصين، هو أنَّ الرمز التعبيري ذا الابتسامة الخفيفة لا يُستخدم للتعبير عن السعادة مُطلقًا. إذ إنَّه أقل الرموز التعبيرية المتاحة تعبيرًا عن الحماسة والسعادة، ولهذا فبالنسبة للصينيين يوحي استخدام هذا الرمز بعدم الثقة، أو عدم التصديق، أو أنَّ الشخص الآخر يُجاريك فقط في ما تقول.

Embed from Getty Images

ويرى رولينجز أنَّه ليس هناك مُؤشرٌ على افتقار الرموز التعبيرية للعالمية أفضل من الدراسة التي سلَّطت الضوء على كيفية تعبير المسلمين عن آرائهم بشأن شهر رمضان عام 2017؛ إذ كشف حمدان أزهر، مالك موقع «prismoji»، أنَّ التغريدات التي تضمَّنت وسم «#رمضان» باللغات الإنجليزية والألمانية والإسبانية والتركية احتوت في مجملها على رمز القلب الأحمر، لكن في اللغات العربية والأردية والفارسية، كان أكثر الرموز التعبيرية استخدامًا هو الهلال.

وبالمثل، يُعَدُّ رمز الأيدي المتشابكة من بين أكثر ثلاث رموزٍ تعبيريةٍ استخدامًا في الإنجليزية، والفرنسية، والألمانية، والإسبانية، والتركية، والفارسية، والإندونيسية، لكنَّه يأتي في المركز التاسع حين نتحدث عن اللغة العربية، ولا يُعد من بين الرموز التعبيرية الأكثر استخدامًا في اللغة الأردية على الإطلاق.

ورُبما يُشير هذا إلى حقيقة أنَّ تشابك الأيدي لا يرتبط عادةً بالصلاة الإسلامية، رغم أنَّه يحمل الكثير من الدلالات الدينية في الغرب. وفي اليابان، حيثُ نشأت الرموز التعبيرية، يُستخدم الرمز في العموم بمعنى «أرجوك» أو «شكرًا»، دون أن يُحمل أي دلالاتٍ دينية.

لكن مهما كان مقصد استخدامنا للرموز التعبيرية، يوضح رولينجز أنَّها في السنوات الأخيرة تسببت في تعرُّض عددٍ من الناس لمشاكلَ قانونيةٍ. ويشير في هذا الصدد إلى دعوى قضائية رُفِعَت أمام محكمة إسرائيليةٍ في وقتٍ مبكرٍ من العام الجاري. فبعد أن شاهد أشخاصٌ أحد العقارات المعروضة للإيجار، أرسلوا رسالةً إلى المالك تحتوي على سلسلةٍ من الرموز التعبيرية الاحتفالية. ولسوء الحظ، تراجع المستأجرون في وقتٍ لاحق، لكنَّ المالك كان قد توقف عن عرض العقار في السوق بالفعل. وقضى قاضٍ فيما بعد بأنَّ الرموز التعبيرية كانت كافيةً في حد ذاتها للإيحاء بنية الاستئجار، وحكم للمالك بثمانية آلاف شيكل (أي ما يُعادل ألفي دولارٍ أمريكي) تعويضًا عن الأضرار وتكاليف الدعوى.

 

كيف تؤثر الوجوه التعبيرية «الإيموجي» في جماعات الضغط وصنّاع القرار؟

 

ومع ذلك ما دام الناس مُدركين للسياق الثقافي، فسيظل كيث بروني على ثقته بأنَّ الرموز التعبيرية تمتلك القدرة على تقريب العالم، بدلًا عن التفريق بين شعوبه.

وخلص رولينجز في نهاية تقريره إلى أنَّ «إيجابيات الرموز التعبيرية تفوق السلبيات. ويُمكننا استخدام الرموز التعبيرية لتوصيل وتوضيح معانٍ بعينها، وتقدير النية العاطفية لرسالة شخصٍ ما بطريقةٍ لم تكن مُمكنةً في الماضي، بشرط أن نكون مُدركين للفخاخ الثقافية التي تتضمنها تلك الرموز».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات