بينما كان مئات الألمان يرفعون لافتات “مرحبًا باللاجئين” نهاية الأسبوع الماضي، كانت بقية أوروبا تتابع في انبهار. يقول علالي، ذو السبعة وثلاثين عامًا، القادم من دمشق السورية: “ألمانيا هي الدولة الوحيدة التي ترحّب بنا”. علالي هو واحد من آلاف اللاجئين الذي وصلوا مؤخرًا إلى محطة القطار الرئيسية بميونيخ، عاصمة ألمانيا.

جاء كل اللاجئين تقريبًا عن طريق المجر، الدولة التي تطبّق سياسات تقييدية لحركة الهجرة، والتي تعاملت فيها السلطات مع اللاجئين بلا إنسانية. لماذا هناك انقسامات حادة داخل أوروبا بشأن اللاجئين؟ لماذا يرحّب البعض بهم، بينما يفعل البعض الآخر كل ما بوسعهم، لإبقاء اللاجئين بعيدًا؟

تتعدد الأسباب، لكن من أبرزها: الخريطة السكانية. في ألمانيا مثلًا، تدرك الأغلبية السكانية التي يزداد متوسّط أعمارها سريعًا مع الوقت، حاجتها الماسّة إلى الترحيب بالغرباء. أمّا الدول الأخرى التي لم تصب بموجة الشيخوخة، فإن دوافعها لاستقبال اللاجئين أقلّ.

نظرة ثاقبة إلى الخرائط التالية، التي تقارن بين التغيرات الديموغرافية السكانية في أنحاء أوروبا، بين عامي 2001 و2011، قد تساعد على تفسير الانقسام الحادّ في تعامل أوروبا مع اللاجئين. لا توفر الخرائط تفسيرات وفقط، وإنما تظهر أيضًا البلاد التي ربّما تكون على وشك تفويت فرصة ذهبية للنمو المستقبلي.

التعاطف مع اللاجئين، والماضي النازي لألمانيا الذي حوّل أوروبا إلى ساحة حرب انتهت بخروج الألمان أنفسهم من بلادهم، ربّما يفسر هذان السببان تحمّس ألمانيا لمساعدة لاجئي اليوم. ولكن هناك عامل آخر ربّما لا يعترف به سوى القليلون: ألمانيا في حاجة ماسّة إلى اللاجئين.

ألمانيا ترحّب باللاجئين لمعادلة الانكماش السكّاني

صرّحت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بأن “ما نختبره الآن هو شيء سيغيّر بلادنا في الأعوام القادمة، ونحن نريد لهذا التغيير أن يكون إيجابيًا.” في إشارة إلى مشكلة واسعة احتلّت أحاديث الحكومة حول الهجرة في الشهور الأخيرة: ألمانيا تنكمش بسرعة، ومن المتوقّع أن يسوء الأمر في الأعوام القادمة. في عام 2060، سيكون هناك من 68 مليون إلى 74 مليون مواطن فقط في ألمانيا، طبقًا لتنبؤات المكتب الإحصائي، مقارنة بواحد وثمانين مليون مواطن الآن.

اليوم تفتقر ألمانيا إلى العمالة الشابّة، الماهرة. لا تقدر الشركات على شغل مئات الآلاف من الوظائف، لقلّة عدد المتقدّمين. صرّح ديتر زيتشه، رئيس الشركة المصنّعة للسيارات (دايملر)، يوم الأحد في مقابلة صحفية، بأن “أغلب اللاجئين شبابٌ متعلّمون ومتحمّسون. إنّهم من نبحث عنهم بالضبط.” تشير دراسة أجراها أحد المراكز الأمريكية أنّ متوسّط أعمار المسلمين الأوروبيين أقل من متوسط أعمار بقية السكان بحوالي 8 سنوات. الآن تسعى الشركات إلى البحث عن عاملين في مراكز استقبال اللاجئين، لسدّ العجز. وفي نفس الوقت، أطلقت بوابة إليكترونية لتسهيل التواصل بين اللاجئين وأرباب الأعمال المحتملين.

وقد يساعد تدفق اللاجئين إلى ألمانيا المجتمع ككلّ. فنظام التأمين الاجتماعي في ألمانيا -أحد أكثر الأنظمة كرمًا وسخاءً- سينحصر مع الوقت لازدياد عدد المتقاعدين وقلّة عدد المواطنين العاملين ودافعي الضرائب باستمرار. اليوم هناك 3 ألمان عاملين في مقابل واحد متقاعد. لكن بحلول 2060 ربّما تنخفض هذه النسبة إلى 2 إلى 1، طبقًا للمفوضيّة الأوروبية. في مقال كتبه أستريد زيبارث، أحد العاملين في صندوق مارشال الألماني، قال أستريد عن رد فعل ألمانيا تجاه أزمة اللاجئين بأنه “نفعي بقدر ما هو مثالي.” قد يدعم الكثير من الألمان تدفق اللاجئين إلى ألمانيا في الوقت الحالي، لأسباب أخلاقية. لكن الأسباب الاقتصادية ستحتلّ مساحة أوسع من النقاش السياسي حول الموضوع في المستقبل، عندما تبدأ التحدّيات الناجمة عن الارتفاع المفاجيء في عدد اللاجئين، في الظهور على الساحة.

السويد تستقبل الكثير من اللاجئين، ولكن لأسباب مختلفة

تختلف السويد عن ألمانيا، حيث استقبلت أكبر عدد من اللاجئين نسبة إلى تعداد السكان، رغم أنها لا تعاني من التراجع السكّاني. الحكومة السويدية تتمتع بتاريخ مشرّف في استضافة اللاجئين، وهو ما يفسّر رد فعلها السريع تجاه الأزمة. ورغم أن الحكومة تسمح لطالبي اللجوء بالعمل فورًا، فإن فرص إيجاد عمل دائم متضائلة. أكثر من نصف أبناء الأجانب، بأعمار تتراوح بين الخامسة والعشرين والرابعة والستين، عاطلون.

نقلت الجزيرة الإنجليزية عن تينو سانانداجي، الخبير الاقتصادي بمعهد الأبحاث الاقتصادية الصناعية، قوله أنّه “لم يعد هناك وظائف كثيرة للمفتقرين إلى المهارات اللازمة.” على العكس من ألمانيا، التي تتمتع بالكثير من الوظائف الخالية التي لا تتطلب معرفة سابقة، حيث يتمّ إلحاق العمّال بالبرامج التدريبية. وبينما يبحث الألمان عن المهندسين والعمال المتمتّعين بمهارات تقنية، فإن الوظائف السويدية تتطلب تعليمًا أوروبيًا عاليًا، أو إتقان لللغة السويدية.

شعب بريطانيا من أكثر الشعوب تنوّعًا واستقرارًا

من المتوقّع أن تصبح بريطانيا أكثر الدول الأوروبية من حيث عدد السكان بحلول 2060ـ بفضل معدّلات الهجرة والمواليد الأعلى بين الدول المجاورة، طبقًا للمفوضيّة الأوروبيّة.

وعلى الرغم من مجهودات ألمانيا لاستقطاب الأجانب، وإهمال بريطانيا لذلك، فإن التوقعات الحالية تتوقّع ارتفاع نسبة المهاجرين إلى 14%، مقارنة بتسعة بالمائة فقط لألمانيا. ركّز رئيس الوزراء ديفيد كاميرون مؤخرًا على برنامج إعادة توطين لأكثر من 20 ألف لاجيء، سيسمح بدخول بعضًا من الفئات الأضعف. يقول بعض المعلّقين البريطانيين أن هذه الإستراتيجية تضع الاعتبارات الأخلاقية فوق الاهتمامات الاقتصادية، في إشارة واضحة إلى ألمانيا.

هذه الإشارات إلى أن بريطانيا تتصرف بطريقة أكثر أخلاقية من ألمانيا والنمسا، ربّما تقابل بسخرية في هذه الدول: ففي الأسبوع الماضي استقبلت ألمانيا 20 ألف لاجيء، نفس العدد الذي تطمح بريطانيا للوصول إليه في الخمس سنين القادمة. لكن موقف الحكومة البريطانية مدعوم بأغلبية الشعب. وربّما يفسر هذا الإحساس بالأخلاقية وجود مخاوف قوية من المنافسة الاقتصادية، والقلق من قدرة البلاد على استيعاب أبناء المهاجرين فيما بعد.

فرنسا قلقة بسبب الصدع الذي ما زال قائمًا في مجتمعها

مثل بريطانيا، فرنسا هي من الدول القليلة التي تتمتع بمعدل نمو سكاني عال، بفضل معدلات الهجرة والخصوبة العالية. المذهل حقًا في فرنسا هو النمو السكاني في جميع المناطق، حتى الريفية منها.

حاليًا يسود جو من الحذر والترقّب في فرنسا، ففي باريس وبقية المدن، يخرج ضباط الشرطة والجنود في دوريات للتصدي للهجمات الإرهابية المحتملة. وهجمات يناير الماضي على المحل اليهودي، وجريدة الرسوم المسيئة للإسلام، لم تساعد على رأب الصدع بين كتلة فرنسا المهاجرة وأغلبيتها البيضاء. على الرغم من أن أكثر 7.5% من التعداد السكاني الفرنسي مسلمون، إلا أن السياسيين المحافظين قلقون من التغيرات الديموغرافية: جان فرانسوا كوب، الذي أصبح فيما بعد رئيس حزب الاتحاد من أجل حركة شعبية (UMP)، قال في 2012:

“هناك مناطق لا يستطيع فيها الأطفال حتّى أن يأكلوا خبز الشيكولاتة بسبب حلول شهر رمضان”

كان كوب يشير إلى حادثة وقعت عندما أُخِذت قطعة من المخبوزات من يد طفل غير مسلم، في شهر رمضان.

في مواجهة هذه التصريحات المستفزّة، استمر الرئيس فرانسوا هولاند في اتباع المبادئ الفرنسية التي تقضي بأن كل المواطنين سواء. لكن هذه العبارة، التي قد تبدو منطقيّة وداعمة، مقلقة ضمنيًا. العديد من المهاجرين الفرنسيين يشعرون بأنهم مهملون من قبل الحكومة بسبب أن “كل المواطنين سواء”، تلك السياسة التي حجّمت كثيرا من البرامج الداعمة للاجئين. هذه البرامج شائعة في الولايات المتحدة، وهي ضرورية لمساعدة أبناء المهاجرين في الهرب من الفقر والتمييز الوظيفي. لكن فرنسا لا تجمع بيانات مواطنيها العرقية والإثنية والدينية، مما يجعل إثبات وقوع التمييز في فرنسا صعبًا.

لكن دراسات أظهرت أن المتقدمين للوظائف الذين لهم أسماء تبدو أجنبية، لديهم فرصة أقل كثيرًا في الحصول على الوظيفة، واستطلاع آخر وثّق إحساسًا شائعًا ضمن أطفال المهاجرين بأنهم ليسوا فرنسيين كالآخرين.

في فرنسا، ربّما لا تكون المشكلة هي غياب المهاجرين، لكن الصعوبات التي تواجه الحكومة معرقلة استيعاب ودعم شريحة أكبر من السكان المُهمَلين. كل هذا يفسّر لماذا لا تريد فرنسا استقبال المزيد من اللاجئين.

المجر – ودول شرقيّ أوروبا – تفوّت فرصة ديموغرافية عظيمة

على العكس من فرنسا، فإن الكثير من دول شرقيّ أوروبا تواجه الانكماش السكاني. لكنّهم يرفضون استقبال المزيد من اللاجئين. المجر، التي بنت حاجزًا حدوديًا مؤخرًا، تعتبر هي الحالة الأبرز. صرّح رئيس الوزراء الأسبوع الماضي بأنه يدافع عن المسيحية الأوروبية ضد التدفق الإسلامي. قال في مقال له:

“كل شيء يحدث الآن، أمام أعيننا، يهدد بعواقب (متفجّرة) في جميع أنحاء أوروبا. لابد أن نعترف بأن سياسة الاتحاد الأوروبي الضالّة تجاه المهاجرين هي المتسبّبة في هذا الوضع.”

لكن التراجع الديموغرافي يمكن اعتباره مشكلة خطيرة أيضًا. فبحلول 2030، سيتناقص تعداد سكان المجر بنسبة 5.8%، وهو من أعلى معدّلات الانكماش في شرق أوروبا. هناك دول أخرى تبلي بلاءً أسوأ، فمعهد الأبحاث الديموغرافية (إنفوستات) خلُص مؤخرًا إلى أن معدلات الشيخوخة تزداد في سلوفاكيا، وأن المجتمع السلوفاكي يجب “أن يستعد لدمج أعداد كبيرة من الأجانب (من ثقافات مختلفة).”في الأيام الأخيرة، أعلنت سلوفاكيا العكس تمامًا: أنها ستتقبل المهاجرين المسيحيين فقط، لا المسلمين. بلاد أخرى لها نتائج إحصائية مشابهة، مثل إستونيا وبلغاريا، يريدون الحد من التدفق الإسلامي للاجئين.

ربما تكون هناك أسباب لمثل هذا التفكير، مثل معدّلات البطالة العالية والأداء الاقتصادي السيء. لكن من الناحية الأكاديمية، ليس هناك اتفاق حول ما إذا كان النمو السكاني يضعف الاقتصاد أم يقويه. على كلٍّ، فإن سياسات دول شرق أوروبا لن تنس بسهولة: فبلاد مثل المجر أو سلوفاكيا لن تجتذب الكثير من المهاجرين المسلمين في المستقبل، حتى وإن أدركت فجأة حاجتها الشديدة للأجانب اليافعين.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد