ما يجري في لبنان لن تقتصر آثاره على اللبنانيين فقط، ولن يؤثر على الواقع العربي فحسب، بل إن تداعياته ستمتد حتى تطال أوروبا، وذلك بحسب ما جاء في مقال ماركو كارنيلوس، الدبلوماسي الإيطالي السابق، الذي نشره في موقع «ميدل إيست آي» البريطانية.

استهل الكاتب مقاله بالتأكيد على أن «سقوط لبنان في النهاية لن يؤثر على جيرانها المباشرين فحسب، بل سيمتد ذلك التأثير إلى أوروبا نفسها. وفي الوقت الذي لا تزال فيه وتيرة الاستقطاب السياسي في الشرق الأوسط متصاعدة، زادت التوترات والحوادث من مخاطر سوء التقدير والتصعيد نحو صراع لا نهاية له. واليوم، صارت المنطقة أشبه ما تكون على نحو خطير بأوروبا إبان الحرب العالمية الأولى».

وأضاف الكاتب الذي عمل مؤخرًا منسقًا لعملية السلام في الشرق الأوسط أنه «في حالة اندلاع مثل هذا الصراع، يمكن أن ينجر العديد من البلدان إليه. ونظرًا لوضعها الداخلي الذي يتسم بالاستقطاب وقربها من ساحة المعركة السورية والوضع المتوتر بين حزب الله وإسرائيل، فقد يكون لبنان أحد ساحات تلك الحرب المقبلة».

واستدرك الكاتب قائلًا: «ومع ذلك، وقبل أن يكون ضحية ثانوية لمواجهة إقليمية تلوح في الأفق، تكتنف لبنان مخاطر انهيار داخلي بسبب المواطنين الغاضبين الذين لم يعد بإمكانهم تحمل الوضع الاقتصادي الأليم والشلل السياسي في البلاد، كما أوضحت ذلك الاحتجاجات الواسعة التي اندلعت في يوم الخميس الماضي».

وأضاف كارنيلوس أن محاولة الحكومة الأخيرة – الخرقاء اليائسة الفاشلة – لفرض ضرائب على المكالمات التي تتم عن طريق تطبيق «واتس آب» مثال على مدى عدم كفاءتها وانفصالها عن الواقع.

6 أسئلة تشرح لك كل ما تريد معرفته عن الحراك اللبناني

خطة للطوارئ

وأوضح الكاتب أنه «على الرغم من حجمه الصغير، كان لبنان دائمًا مقياسًا سياسيًّا للمنطقة؛ فقد جرت «بروفة» الربيع العربي في بيروت عام 2005 مع ما يسمى بـ«ثورة الأرز» في أعقاب اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري. والآمال التي تصاعدت في ذلك الوقت للتغيير السياسي قد تلاشت الآن لأسباب كثيرة؛ أهمها الإدارة الاقتصادية الفاشلة السيئة. واليوم، تتزايد المخاوف بشأن الانهيار الاقتصادي والنقدي، حيث يواجه لبنان إفلاسًا على الطريقة اليونانية».

وأردف الكاتب بقوله «وفي عام 2018، بلغ عجز الميزانية أكثر من 4.5 مليارات دولار. ويبلغ إجمالي الدين العام 84 مليار دولار، وتتجاوز مدفوعات فوائد الديون 5 مليارات دولار في عام 2019، ويصل إجمالي الإيرادات الحكومية إلى 12 مليار دولار. وبالإضافة إلى ذلك قد يؤدي تجدد الصراع بين حزب الله وإسرائيل إلى حدوث تناقضات عديدة في لبنان. وبذلك يمكن إغراء عدد كبير من اللاجئين السوريين بالتوجه إلى أوروبا».

كما أوضح الكاتب الذي عمل أيضا مبعوثًا خاصًا للحكومة الإيطالية إلى سوريا: «أن لبنان لا يزال يستضيف أكبر عدد من اللاجئين السوريين بالمقارنة بعدد الأفراد. حيث يوجد أكثر من 950 ألف لاجئ سوري مسجلين لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، في حين أن تقديرات الحكومة لمجموع السكان النازحين السوريين تبلغ 1.5 مليون».

ويحاول بعض اللاجئين جاهدين النزوح إلى تركيا. وإنه أمر محتمل ينبغي على الاتحاد الأوروبي والشركات الأوروبية الكبرى، التي تضع في اعتبارها حالة الطوارئ للاجئين 2014/15، عدم التقليل من شأنه؛ يجب عليهم بدلًا عن ذلك إعداد خطط الطوارئ بسرعة لمنع حدوثه. وتتمثل الطريقة الوحيدة للقيام بذلك في ضمان وجود حكومة فعالة في لبنان وإنقاذ البلاد من الكارثة الاقتصادية التي تثير غضب سكانها.

ولذلك، لم تعد الديناميات السياسية التي أصابت البلاد بالشلل على مدى الأعوام الخمسة عشر الماضية قابلة للاستمرار. وعلاوةً على ذلك، لا يمكن أن تستمر هذه المنطقة، والولايات المتحدة، وإيران، والمملكة العربية السعودية، ووكلاءها المعنيين ترسم لها الطريق.

انتفاضة شعب لبنان ضد المسؤولين

سوء الإدارة

وشدد الكاتب على أنه «يجب على النخبة الحاكمة في البلاد أن تضع احتياجات الناس في رأس قائمة أولوياتها في مقابل امتيازاتهم الحزبية الضيقة. وتعمل وزارة الخزانة الأمريكية على تعقيد الصورة من خلال زيادة الضغط على النظام المصرفي في بيروت للضغط على حزب الله. ومن المفارقات المضحكة أن عقدين من السياسة الصارمة الرسمية للولايات المتحدة ضد «حزب الله» لم تضعف الحركة. كما كان انتخاب الرئيس ميشال عون، حليف حزب الله، في عام 2016 مكسبًا لصالح الحزب».

من ناحية أخرى، سيكون من السذاجة، حسب رأي الكاتب، الاعتقاد بأن مشاكل لبنان كلها ناجمة عن حزب الله، لأن الباحثين المعروفين في واشنطن والقدس والرياض يميلون دائمًا إلى الاعتقاد بذلك.

في حين أنه من الصعب تجاهل العدد الكبير من الناخبين المؤيدين لحزب الله (حصل على 12 مقعدًا في البرلمان، ولكن مع وجود الحلفاء حصل على 70 من أصل 128 مقعدًا)، ومع تزايد الاضطرابات الشعبية، يجب على حزب الله أيضًا أن يدرك أنه لا يمكن الاستمرار في حكم البلاد بنفس الأسلوب. كما أن الاحتجاجات العفوية الحالية تمثل تهديدًا للحركة.

هُويَّة سياسية

وأكد الكاتب أنه «يجب على الشعب اللبناني، بالإضافة إلى الأطراف العالمية والإقليمية المعنية، التفكير في بدائل سياسية لإنهاء المأزق الحالي. ولا يمكن للشعب أن يستمر في تشبثه بنفس الجهات السياسية الفاعلة التي فشلت فشلًا منظمًا. كما يجب على أوروبا، للأسباب المذكورة أعلاه، أي وجهة النظر المرعبة بشأن موجة جديدة من اللاجئين، أن تلعب دورًا فاعلًا، وبخاصة بلدان مثل فرنسا وإيطاليا اللتين تحافظان على المصالح ذات الصلة في لبنان».

وأضاف الكاتب أنه «لا يستطيع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وهو الزعيم الأوروبي الأكثر نشاطًا في محاولة تخفيف حدة التوترات في المنطقة، التفكير في إطلاق حوار أمريكي إيراني ناجح دون تحييد بعض الفخاخ الكثيرة التي يمكن أن تعرقله؛ ولبنان واحدة من أهمها. إن لبنان تحتاج إلى خريطة طريق يديرها أشخاص ليسوا فاسدين، أو لم يشاركوا في ارتكاب مخالفات خلال السنوات الخمس عشرة الماضية. كما أن لبنان في حاجة إلى سياسيين معتدلين حقًا يستطيعون الاتحاد بدلًا عن الانقسام، والذين طالما شجعوا الحوار بين طوائف الشعب اللبناني».

واختتم الكاتب مقاله بقوله إنه «في النهاية، يحتاج لبنان إلى زعيم لا يرى السياسة لأول مرة في تاريخه الحديث كأداة لتكديس الثروات، ولكنها مهمة لتحسين حياة الناس؛ لأن سقوط لبنان في النهاية سيتجاوز جيرانها المباشرين. كما أن الحرائق والاحتجاجات التي اجتاحت البلاد في الأيام الأخيرة من نكد الطالع الذي يمكن أن يوحي بأن لبنان دولة فاشلة ويمكن أن تُصدِّر ذلك إلى المنطقة وخارجها».

عائلات تترأس السلطة وتتهرب من الضرائب.. من الذين انتفض ضدهم الشعب اللبناني؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد