ربما نعتقد أننا نحيا في أكثر عصور التاريخ إنهاكًا وإعياءً للإنسان، لا يتوقف الناس عن الشكوى من فقدان الشغف وفقدان الطاقة في حياتهم، وعدم القدرة على فعل أي شيء. نعتقد أن عصرنا بما يتسم به من سرعة وتشتيت هو السبب في هذا، لكن تتبع ما وصل إلينا من العصور الوسطى يظهر أن البشر على مر التاريخ كانوا يعانون بشكل مشابه. في هذا التقرير تتبعت «آنا تشافنر» أعراض الإعياء وتشخيصاتها المختلفة في العصور القديمة أيضًا، ثم قارنتها بعصرنا هذا.

عند محاولة فهم الانتشار الكبير والسريع لأعراض الإنهاك مثل الاكتئاب والتوتر والشعور الدائم بالتعب، نجد الكثير من علماء الاجتماع وعلماء النفس يلقون باللوم على الحداثة وما فرضته على البشرية من تغيرات في شكل الحياة وأنماطها. يعتمد هذا التفسير على مقارنة الاحتياجات العاطفية والمعرفية للإنسان بمستويات الطاقة البشرية، ظلت تلك المستويات ثابتة على مر التاريخ، بينما تزايدت الاحتياجات بشكل حاد جدًا. كما زادت أساليب استنفاد طاقة الإنسان بسبب التغييرات الاجتماعية الناتجة عن التقنيات الجديدة، والتحول من الصناعة إلى الاقتصاد القائم على الخدمات. البريد الإلكتروني والهواتف المحمولة على سبيل المثال أدوات تجعل الموظفين متاحين على الدوام، في نظام رأسمالي يجعل المنافسة شديدة بين الجميع. تمحى إذًا الحدود بين وقت العمل ووقت الراحة، ويصبح من الصعب على الموظفين أن يفصلوا أنفسهم عن وظائفهم طوال اليوم، لا عجب إذًا أن الجميع منهكون ومستهلكون.

ما لا يتم ملاحظته في كثير من الأحيان، أن المخاوف بشأن الإنهاك لا تقتصر على عصرنا؛ يتصور البعض أن الحياة في الماضي كانت أكثر بساطة وأقل تسارعًا، لكن هذا ليس حقيقيًا. تجربة الإنهاك والقلق منه ليست مرتبطة بعصر بعينه أو مكان بعينه. في الحقيقة الإنهاك وآثاره أمور شغلت العقل البشري منذ العصور الكلاسيكية القديمة.

ظاهرة عمرها التاريخ

عصور كثيرة وصف أبناؤها أنفسهم بأنهم في أكثر العصور إنهاكًا على مر التاريخ. طيلة قرون اعتبر أدباء ومثقفون وأطباء الإنهاك ناتجًا عن عدم التوازن في الكيمياء الحيوية للجسد، أو عن مرض فيروسي، أو ألم روحي. كذلك اعتبر مرتبطًا بالخسارة، أو بحركة الكواكب، أو بالرغبة في الموت، أو الاضطرابات الاجتماعية والاقتصادية. الإنهاك ليس تجربة جسدية مادية فقط، هو في الآن نفسه تجربة عقلية ومجتمعية ثقافية أيضًا. النظريات حول الإنهاك قد تفيد في معرفة كيف كان الناس ينظرون في الماضي للعقل والجسد والمجتمع.

تتناول نظريات الإنهاك أسئلة مثل المسؤلية وقوة الإرادة. ترى بعض النظريات أنه شكل من أشكال الضعف أو ضعف في الإرادة. نظريات القرون الوسطى تتمحور حول عوامل مثل فقدان الشغف والخطيئة، بينما النظريات الحديثة تلوم الأفراد على سوء إدارتهم لصحتهم البدنية والعقلية.

حالة فقدان الشغف أو الاهتمام التي تصفها القرون الوسطى بضجر القلب، وصفت بكثرة في رهبان العصور القديمة والفترة المبكرة من العصور الوسطى، كان يعتقد أنها بسبب ضعف روحي، أو استسلام لإغواء الشياطين. تصف مذكرات القديس «يوحنا كاسيان» حالة فقدان الشغف التي تصيب الراهب بأعراض مثل خوار الجسد والتوق للطعام، كما لو كان قد عاد من رحلة طويلة، أو صيام.

«يقطع الطرق ذهابًا وإيابًا، يتألم لأن أحدًا من الإخوة لم يقم بزيارته، يخرج من غرفته ويدخل إليها، يحدق طويلًا في الشمس، عقله مشوش، وارتباكه يجعله خاملًا وغير قادر على ممارسة الطقوس الروحانية، يتخيل أن لا عزاء سوى في زيارة بعض الأخوة، أو في النوم وحده.»

يصف «كاسيان» الأعراض الجسدية لفقدان الشغف بشكل مطابق لما يمكن أن نصفه الآن بالإجهاد، مثل ما يختبره الجسد بعد صيام طويل أو عمل شاق، إنه كذلك يصف الأرق والخمول والنعاس والعديد من الأعراض التي تظهر في جميع نظريات الإجهاد عبر التاريخ. يعتقد آخرون أن ثمة أسباب جسدية للإنهاك. على مدار التاريخ كانت هناك أسبابا جسدية يلقى باللوم عليها منذ العصور القديمة، في العصر الحديث يعتبر الإنهاك ناتجًا عن مؤثرات وضغوط خارجية تتسبب في إجهاد مزمن. وكذلك عن ضعف الجهاز المناعي بسبب العدوى الفيروسية، أو اشكال مختلفة من اختلال التوازن الحيوي.

تشخيصات كثيرة.. وأعراض متشابهة

الأسباب العضوية للإنهاك لها أشكال كثيرة، تتراوح بين الفيروسات والطفيليات مرورًا بالجينات، ثم هناك الأسباب التي يكون الإنسان مسؤولًا عنها، مثل أن يقوم الشخص بفاعليات مجهدة بشدة، أو أن يتناول أغذية غير صحية، أو أن يقلق بكثرة، أو أن لا يحصل على معدلات كافية من الراحة والنوم، أو أن يفرط في ممارسة الجنس.

الطبيب الأمريكي «جورج بيرد» اكتشف تشخيصًا لحالة الوهن العصبي، والإنهاك العصبي، واعتبرها أمراضًا ناتجة عن الحضارة، بسبب خصائص العصر الحديث مثل التواصل الدائم وتطور العلوم والأنشطة العقلية الزائدة. اختصر «بيرد» الأسباب في العوامل الخارجية بشكل قاطع: التغيرات التقنية والاجتماعية التي استنزفت احتياطيات الطاقة لدى الرجال والنساء على حد سواء. البيئة الحديثة خاصة المدنية منها تعرض الحواس للكثير من المحفزات، مثل الضوضاء والأضواء والسرعة وتدفق المعلومات. كان «بيرد» يعتقد أن الجهاز العصبي ليس بإمكانه التعامل مع هذا القدر من الفوضى في الإشارات المرسلة للجهاز العصبي.

لكن نظريته لم تكن جديدة، قبل قرن من ميلاد «بيرد»، طبيب آخر هو الاسكتلندي «جورج تشاين» اعتبر النمو المتسارع للثروة والنمط المترف للحياة أسبابًا كافية للخمول والبلادة والكآبة التي تصيب البشر في عصره، وأن البشر في ذاك العصر يمرون بأكثر العصور إنهاكًا. أيضًا مازال منظرو عصرنا الحديث يتبنون آراء مشابهة حول أضرار التقنيات والاتصالات وأماكن العمل الجديدة.

قلق أبدي.. وحنين دائم للماضي

 

على العكس من الاكتئاب، يُعتقد أن مستويات معينة من الإنهاك سببها بشكل مباشر عوامل خارجية وبشكل أكثر دقة عوامل متعلقة بالعمل. ما يعني أن الإنسان كان معرضًا لها في جميع العصور. في هذا الشكل يكون التقصير الأكبر في الاهتمام بالعمل وإعطائه وقتًا وجهدًا أكثر مما ينبغي. في الواقع يمكن اعتبار الإنهاك الناتج عن العمل شكلًا اجتماعيًا من أشكال الاكتئاب، أو خللًا يكون مرتبًطًا بشكل مباشر ببيئة العمل وموقع الشخص فيه. مع الوضع في الاعتبار سطوة شكل المجتمعات على الفرد وضرورة اتباعه لأنماط بعينها للانسجام فيها، قد لا يكون الفرد مسؤولًا عن وقوعه ضحية لتلك الظروف.

بتحليل تاريخ الإنهاك والنظريات التي تتناوله، نجد أن التاريخ يعج بنظريات كهذه، مع ميل دائم للحنين إلى الماضي، باعتباره أكثر بساطة. الاهمتام المستمر بفقدان البشر طاقتهم نابع عن القلق الأبدي للبشر بخصوص موضوعات مثل الموت والشيخوخة. محاولة وضع نظريات وعلاجات لمسألة الإنهاك هو تكتيك لمواجهة عجزنا الواعي أمام حقيقة فنائنا. بعبارة أخرى، هي استراتيجية للتغلب على مخاوفنا الوجودية، والتي لا تميز إنسان العصر الحديث، بل هي خاصية الإنسان على مر العصور.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد