هل تتلقى الكثير من الرسائل في المجموعات العائلية على تطبيقات التواصل؟ ربما يشعرك هذا بالضغط، وبضرورة الاستجابة الفورية للاتفاق الذي يعقده أقاربك على مجموعة «واتساب» الخاصة بهم لزيارة مكانٍ ما، لكن عليك فهم أنَّ الشعور بالضغط أمر طبيعي ومقبول، وأنَّ الذنب الذي تشعر به لتجاهلهم يجب ألا يكون موجودًا لديك. لكن هل التجاهل هو الحل؟

تعاني الكاتبة إليزابيث شيرمان نفس المشكلة، وتصطحبنا في مقالها المنشور في مجلة «أيون» خلال رحلتها للوصول لحلٍ لتلك المسألة.

فخرًا بأنفسهم أم بأطفالهم.. لماذا ينشغل الآباء بنشر يوميات أطفالهم على «فيسبوك»؟

تبدأ إليزابيث المقال بتوضيح وضعها الخاص الذي دفعها للبحث. إذ تقول إنَّها عادة تترك هاتفها في وضع «صامت» لأنَّ إشعار وصول الرسائل الجديدة يزعجها إلى حدٍ كبير، وتتمنى لو كان باستطاعتها كتم صوت كل الإشعارات التي تصلها. لكن لأنَّها تعجز عن ذلك، تغلق إليزالبيث إشعارات كل المجموعات التي يزيد عدد مشاركيها عن ثلاثة أشخاص، وتتجاهل المجموعات العائلية تمامًا. هذه في رأيها خطوة بسيطة، لكنَّ تجنب المحادثات يريح ذهنها، حتى لو كان يشعرها أحيانًا بالوحدة، ناهيك عن الذنب الذي تشعر به لأنَّها جعلت عائلتها تشعر بالضيق.

لكنَّ إليزابيث اكتشفت أنَّ تجاهل رسائل عائلتها لأجل صحتها العقلية يمكن أن يكون علاجيًا. فالهواتف الذكية تتسبب في رأيها بمشكلة كبيرة، إذ فتحت هذه الأجهزة أبوابًا جديدة يزعجك الناس من خلالها. وتشير إلى دراسةٍ نشرتها «الجمعية الأمريكية لعلم النفس» عام 2017، اكتشف الباحثون فيها أنَّ تفقد البريد الإلكتروني والرسائل باستمرار يساهم في زيادة الضغط الذي نشعر به.

وتستعين إليزابيث كذلك برأي نانسي شيفر، الأستاذة المتخصصة في التواصل بجامعة كاليفورنيا، والتي تبحث أثر الهواتف المحمولة على مزاجنا. تقول نانسي إنَّ استمرار التواصل عبر البريد الإلكتروني ووسائل التواصل الاجتماعي يعني بالضرورة اختبارك لشعور القلق. لكنَّ المسألة لا تتوقف عند حياتك الشخصية فقط، فهذا الارتباك يتسرب كذلك إلى حياتك العملية بعد وقتٍ قليل. إذ أوضح سكوت بيا، طبيب النفس في عيادة كليفلاند في أوهايو، لصحيفة «ذا ديلي ميل» العام الماضي أنَّ تفقد الإشعارات باستمرار يمكن أن يُخفض إنتاجيتك بنسبة 40%.

وتضيف تيريزا ديدوناتو، أستاذة علم النفس الاجتماعي في جامعة لويولا بميريلاند، أنَّ تبادل الرسائل النصية باستمرار يمكن أن يقود إلى دائرةٍ من العلاقة المستديمة مع الهاتف، يشعر فيها الفرد بتبعيةٍ متزايدة تجاه هاتفه ربما تنتهك خصوصيته واستقلاليته. وتبادل الرسائل النصية من ناحيةٍ أخرى قد يوتر العلاقة بين المتحابين، ويخلق حالة من الاستياء تجاه حسني النية. يحدث هذا كله بشكلٍ غير واعٍ، لأنَّنا لا ندرك أثر التواصل المستمر المكثف على حالتنا النفسية.

لكن السؤال هو: إذا كان تبادل الرسائل النصية يشعرك بالضغط ما الذي عليك فعله؟ ترى دانا جينوتا، المتخصصة في علم النفس السريري من ولاية كونيتيكت الأمريكية، إنَّ شعورك بالضغط هو إشارة أنَّ عليك وضع بعض الحدود. وتشير دانا إلى أنَّ كثرة الرسائل النصية تتسبب في إلهاءٍ غير مرحب به لمعظم الناس. هذا حقيقي بالنسبة للرسائل النصية التي تستقبلها من أي شخص غريب، أما ما يجعل الرسائل من العائلة أكثر إرباكًا هو أنَّ الإلهاء في هذه الحالة يرتبط بالشعور بالإلزام، فأنت مضطر إلى الرد على رسائل العائلة، وقد يمثل هذا عبئًا عليك بينما تحاول إنجاز أي مهمة.

تتابع الكاتبة مفسرةً أنَّك إذا كنت تتلقى سيلًا من الرسائل العادية من العائلة بخصوص ترتيب مناسبةٍ ما، تشعر أنك مطالب بقراءة كل رسالة لتتابع المحادثة. والنتيجة، وفقًا للطبيب النفسي مارك دمبيك، هي الشعور بـ«العبء الإدراكي» الذي يصعب عليك التعامل معه، بينما أنت مثقلٌ بمسؤولياتٍ أخرى. في النهاية، ستبدو مسؤوليتك تجاه عائلتك أكثر إلحاحًا، وستُثقلك أكثر من أي شيءٍ آخر. ويواصل مارك موضحًا: «العلاقات العائلية هامة لأغلب الناس، وسيكون هناك حافزٌ لتتبع العُرف الاجتماعي وترد عند السؤال؛ مما يخلق شعورًا بالضغط قد لا يكون حاضرًا في العلاقات مع الغرباء».

وتشير إليزابيث إلى أن هناك طرقًا لطيفة لمناقشة مسألة تبادل الرسائل النصية دون الإساءة لعائلتك، ربما تشعر بالغيظ لو تعاملوا مع تبادل الرسائل على أنَّه دعوة مفتوحة للتواصل المستمر، لكنَّ الأمر الهام هو ألا تندفع، أو تجيب على الرسائل وأنت غاضب أو منزعج. ويفسر مارك قائًلا: «حين يدخل الناس مساحتك، ويتصرفون بوقاحة، لديك حق الدفاع عن نفسك، لا مهاجمتهم، بل الدفاع عن نفسك».

وفقًا لمارك، ما عليك فعله هو اتخاذ موقفٍ حاسم، والحسم هو نقطة التوازن بين السلبية والعدوانية، لكنَّه على عكس العدوانية، لا يجيء نتيجة خصومة. لذا أن تطلب من عائلتك أن يتوقفوا عن إرسال الرسائل، يعني أن تكون واضحًا وصارمًا، لا وقحًا ولا عدوانيًا.

أما دانا فتقترح استخدام طريقةٍ أكثر لطفًا، إذ تقول إنَّك غير مضطر لمشاركة مشاعر الإزعاج أو الضغط معهم، وعليك أيضًا توضيح أنَّ عدم الاستجابة للرسائل لا يعني أنك لا تحب المُرسل. وتضيف أنَّ عليك أولًا تقديم سببٍ غامض لعدم الرد، مثل كونك تجد صعوبةً في الرد على كل الرسائل النصية والبريد الإلكتروني الذي يصلك، ثم تبدأ في التفاوض على وقتٍ محدد للرد يناسب كل الأطراف. يمكنك أن تقول شيئًا مثل: «أحب أن نبقى على اتصال، لكنَّ تبادل الرسائل النصية يوميًا لا يناسبني. هل يمكن أن نجرب التواصل مرتين أسبوعيًا؟».

لكن تكشف إليزابيث أنَّ مواجهة المشكلة هي أبسط جزء في المسألة كلها، الصعاب الحقيقية هي في رد الفعل من الطرف الآخر، والشعور بالذنب، وكلاهما أكثر إنهاكًا على المستوى العاطفي. وأي رد فعلٍ سلبي من عائلتك سيكون كافيًا لمنعك من حل المشكلة.

في رأي مارك، كل ما تفعله برفضك هو المحافظة على سلامك، لكنَّ بعض الناس لن يروا المسألة من وجهة نظرك، لذا عليك أن تثبت على موقفك. أما جينوتا فتضيف أنَّنا نعجز عن التحكم في رد فعل الآخرين على أفعالنا أو التنبؤ به، لكن يمكننا التحكم في الطريقة التي نعبر بها عن أنفسنا ومستوى التقدير الذي نتحدث به. طالما أنَّك تعبر عن موقفك بهدوء وروية، عليك ألا تشعر بالامتنان لشخص يحاول دفعك للشعور بالذنب، أو يُشعرك بواجب المشاركة في محادثات ترهقك.

عليك امتلاك القوة الكافية لتجاهل الأشخاص الذين يوجهون إليك ردود أفعال مؤذية. ويضيف مارك أنَّ المسألة في العائلات هي أنَّ بعض الأشخاص يملكون سلطةً على الآخرين، لذا فأي تعدٍ على هذه السلطة يشعرهم بالعدوانية. وربما يطالبونك كذلك بتبرير أفعالك لهؤلاء الذين أُرسلوا للاطمئنان عليك.

وبينما ترى الكاتبة أنَّ تبرير مشاعرك لا يجلب إلا المزيد من المشاكل، وأنَّ تجاهل الرسائل ربما يبدو الحل الأمثل، يوضح مارك أنَّها مشكلة تستحق الحل لأنَّها تشير إلى نمط التعامل بينك وبين أفراد عائلتك. ويشرح قائلًا: «إذا كان هذا ما يحدث في الرسائل النصية، فهذا يعني أنَّه يحدث في كل أنماط التواصل الأخرى. فهذا ليس سلوكًا منعزلًا».

مترجم: الرومانسية المفرطة إحداها.. 8 علامات تتنبأ بالطلاق

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد